في مساء الحفل تحول القصر إلى خلية نحل من الضوء والموسيقى وقفت إيلارا أمام مرآتها الطويلة بينما كانت الخادمات يضعن اللمسات الأخيرة على فستانها الأبيض المرصع بالألماس كان الثوب يشع بريقًا يخطف الأبصار لكنه بالنسبة لإيلارا كان يزن أثقل من الجبال فهو لم يكن مجرد ثوب بل كان “الدرع” الذي ستواجه به سهام الحاقدين في ليلة غاب عنها كل من تحب.
كانت تسمع ضحكات الخادمات الخافتة خلف ظهرها وهمساتهن التي لا تنقطع عن “غياب الأخت” و”عزلة الدوقة” وضعت القرط الماسي الأخير ونظرت لعينين تملؤهما الوحشة وقالت لنفسها:سيلينا ليست هنا أمي ليست هنا.. ما افعل مع هذا الحشد الذي ينتظر سقوطي.
عند مدخل القاعة الكبرى كان إيثان بانتظارها بدا في زيه الرسمي الأسود كتمثال من الرخام مهيبًا وصارمًاعندما رآها تتقدم نحوه لم يقل “تبدين جميلة” بل قال بصوته العملي: أبقِ رأسكِ مرفوعًا يا إيلارا الليلة نحن نبيع للعاصمة صورة الاستقرار أي تردد منكِ سيُفسر على أنه ضعف.”
مد يده لها فوضعت كفها المرتجف في كفه الباردة في تلك اللحظة شعر إيثان ببرودة يدها وظن أنه “إرهاق الواجبات” كما اعتاد أن يفسر ولم يدرك أنه رعب الوحدة الذي ينهش روحها.
فُتحت الأبواب الضخمة ودخل الزوجان تحت مئات العيون التي تلاحقهما كالنبال لم يطل الأمر حتى شقت الأميرة سارة الحشد بفستانها الأحمر القاني واقتربت بابتسامة تقطر زيفاً قائلة بصوت مسموع: أوه إيثان.. الحفل مذهل. لكن يا للأسف كنت أتوقع رؤية الكونتيسة سيلينا غريب جداً أن تغيب الأخت الوحيدة عن أهم ليلة في حياة الدوقة.. هل الأمر يتعلق بالصحة حقًا أم بـ ‘الحرج’ الاجتماعي من اسم العائلة؟
تجمدت أنفاس إيلارا لكنها تذكرت برود إيثان واستخدمته درعاً نظرت لسارة بثبات وقالت: الوفاء للعائلة يا سمو الأميرة لا يحتاج لحضور الحفلات وصحة أختي وجنينها أهم عندي من أي مظهر شكرًا لاهتمامكِ الذي يفوق المعتاد بشؤون عائلتي الخاصة.
لمعت عينا إيثان بومضة إعجاب خاطفة بردها المفحم بينما احتقن وجه سارة غضبًا وانسحبت من أمامهما.
بدأت الموسيقى تعلن عن الرقصة الأولى قاد إيثان إيلارا إلى وسط القاعة وبينما كان يطوق خصرها ويدور بها تحت أضواء الثريات همس إيثان وهو يراقب رد فعل النبلاء الإيجابي تجاه ثباتها: أنتِ تؤدين دوركِ ببراعة يا إيلارا. هذا هو النجاح الذي نحتاجه لتثبيت مكانتكِ. لم تَرُد إيلارا بكلمة لم تعاتبه ولم تخبره عن الألم الذي يعتصر قلبها بسبب غياب أختها أو سموم الخدم.
اكتفت فقط برسم ابتسامة باهتة على وجهها ابتسامة ذابلة لم تصل إلى عينيها الحزينتين وكأنها تخبره بصمت أنها مجرد دمية تؤدي عرضًا ناجحًا في مسرحيته الكبيرة. شعر إيثان بضيق مفاجئ من تلك الابتسامة لم تكن ابتسامة نصر، بل كانت تبدو كاستسلام حزين لكنه فضل تجاهل هذا الشعور والمضي في الرقصة.
في تلك اللحظة وبينما كان الجميع يراقب رقصتهما المثالية تعمدت إحدى الخادمات (بإيعاز من سارة) التعثر أثناء مرورها بجانبهما لتسكب كأسًا كاملًا من النبيذ الأحمر على طرف فستان إيلارا الأبيض الناصع.
توقفت الموسيقى فجأة وساد القاعة صمت مطبق نظرت إيلارا إلى البقعة الحمراء التي انتشرت كالجرح على ثوبها الأبيض ثم رفعت عينيها لترى نظرات الشماتة في عيون سارة والنبلاء.
التعليقات لهذا الفصل " 25"