غاون، الذي لم يكن في العمل الأصلي سوى شخصية ثانوية لا غير.
لم يُوصَف ماضيه بتفصيل، وبالطبع لم أكن أنا أيضًا أعرف حقيقة ما يخفيه في داخله.
‘ما الذي مرّ به غاون بالضبط…؟ يبدو أنه عليّ أن أبحث في الأمر أكثر.’
عودة غاون بعد غياب طويل تركت وراءها الكثير من الأسئلة الثقيلة.
‘والأهم من ذلك… إن سمحنا لغاون بأن يبعث ردًا على الرسالة، فسنكون قد انتهينا.’
كان لا بد، مهما كلّف الأمر، من منعه من ذلك.
***
“بعد بضعة أيام، سنخرج في حملة.”
ما إن انتهى الزعيم من كلامه حتى دبّ الاضطراب بين قُطّاع الطرق داخل الخيمة.
لقد كان ذلك إعلانًا نادرًا؛ إذ مرّ ما يقارب خمس سنوات منذ أن أعلن الزعيم استئناف نشاطهم كـقطاع طرق شرفاء.
أي أنهم سيستهدفون مخازن الحبوب التابعة لعشيرة باك آنسونغ والعائلات المرتبطة بها.
أما أنا، فكنت أراقب تحركات غاون كلما سنحت لي الفرصة.
لكنه ظلّ حبيس غرفته طوال الوقت، من دون أن يقوم بأي تصرّف لافت.
‘لحسن الحظ… يبدو أنه يضع تعافي جسده في المقام الأول ولا ينوي التحرك.’
لكن ما إن انتشر خبر الحملة حتى—
“سيدي الزعيم…!”
دخل غاون، مستندًا إلى دعامة ساقه، مباشرة إلى خيمة الزعيم.
كنت في تلك اللحظة أجلس على ركبتي الزعيم، أقرأ بصوت مرتفع الحروف التي علّمني إياها.
فرفعت رأسي فجأة عند ظهور غاون.
شدّ الزعيم ملامحه عمدًا، ثم التفت إليّ وقال بلطف:
“يا يونغ، اذهبي إلى الخارج قليلًا.”
“نعمم!”
نهضت على عجل، وحملت الكتاب، وفتحت الباب وخرجت مسرعة.
كان الزعيم ينظر إلى ظهري بنظرة راضية، لكن…
انتقلتُ بكل طبيعية إلى الجهة الخلفية من خيمته. والسبب؟
‘لأن هنا أيضًا يوجد ثقب يمكن التجسس منه!’
جلستُ قرفصاء، ونظرت إلى الداخل من خلال شق صغير كنت قد حفرته منذ زمن بعيد.
“سمعتُ أنك استبعدتني من هذه الحملة.”
افتتح غاون كلامه بصوت هادئ.
“هذا أمر بديهي. ساقك مصابة، وهذه المهمة خطرة. لا يمكنني إشراك مصاب.”
“……”
قبض غاون على يده بقوة.
“لن أكون عبئًا أبدًا. أنت تعلم ذلك. أنا رامٍ، وسأقدّم الدعم من مسافة بعيدة.”
ابتلعتُ ريقي من غير وعي.
‘حتى هذا التعبير يستطيع أن يظهره…’
كان غاون يبدو متوسلًا على نحو نادر، تعبير لم أره منه من قبل.
لكن الزعيم كان حاسمًا.
“كفى. هذه المرة ابقَ في المقر. لقد كرّستَ ما يكفي من السنوات الخمس الماضية من أجل جماعتنا، زهرة الثلج.”
في تلك اللحظة، لمحتُ ومضة يأس تمرّ على وجه غاون.
“هل يعني هذا…”
ارتجف صوته ارتجافًا طفيفًا.
“أنك تنوي التخلّي عني الآن؟”
“غاون.”
تقدّم الزعيم بعد أن أطلق زفرة عميقة، لكن غاون تراجع خطوة إلى الخلف.
“أتظن أنني قد أتخلّى عنك؟”
“……”
ظلّ غاون مطبق الفم، ثم بعد صمت طويل، فتحه من جديد.
“طوال السنوات الخمس الماضية، جُلتُ أنحاء البلاد ورأيت أشياء لا تُحصى. عدد الذين يتألمون بسبب ظلم الملك الحالي وتسلّط عشيرة باك آنسونغ لا يمكن وصفه. ومع ذلك… لا يمكنني أن أدع كل شيء ينهار فقط لأنني فشلتُ في تأمين المؤن.”
نظر الزعيم إلى غاون بعينين عميقتين.
“هذا ليس ذنبك. يا غاون.”
“لا، بل هو ذنبي.”
“كفى! غاون. لديك ميل إلى المبالغة في ردّة فعلك كلما تعثّر أمر شاركتَ فيه ولو قليلًا. أما زلتَ أسير شبح أبيك؟”
‘شبح أبيه؟’
قرّبتُ وجهي أكثر من الثقب، فقد شعرت أن حديثًا بالغ الأهمية على وشك أن يُقال.
توقّف غاون لحظة عند ملاحظة الزعيم الحادّة.
ساد الصمت قليلًا، ثم خرج صوته مبللًا بالحزن.
“نعم.”
“……”
وفجأة، هوى جالسًا على الكرسي.
“أنا… هكذا خُلِقت.”
ثم أمسك بشعره الفاتح وجذبه بعنف.
“وبما أنني وُلدتُ على هذه الهيئة… فلا بد أن أكون كاملًا بلا نقص.”
آه… أطلق الزعيم زفرة خفيفة، وكأن الألم يعتصره.
ثم جلس إلى جانب غاون وراح يهدّئه بعناية.
“كم مرة قلتُ لك؟”
كان صوته بالغ اللين.
“ليس عليك أن تكون كاملًا. ما حدث هذه المرة ليس ذنبك. ولا هذا وحده، بل لا شيء مما جرى هو ذنبك.”
“أفهم ما تقصده.”
كان صوت غاون يزداد اضطرابًا مع كل كلمة.
“لكن…”
ارتجف آخر كلامه، وكأنه بكاء مكبوت.
“لا أستطيع أن أنسى… أن أمي قد مُزِّقت أطرافها حتى الموت بسببي.”
اهتزّت عينا الزعيم لبرهة.
وضعتُ يدي على فمي من شدة الصدمة.
“لأن أمي، وهي أجنبية، تجرأت على أن تحمل بي….”
“……”
“لو لم أكن موجودًا، لما حدث شيء من هذا القبيل. إن وجودي ذاته… هو ما قتل أمي. أردتُ أن أردّ جميل الزعيم الذي آواني، وأن أفي بتوقعاته من شخصٍ بغيضٍ مثلي، لكن….”
شعرتُ بانقباضٍ خانق في صدري، ففركتُ عينيّ المحمرّتين بظاهر يدي.
‘الإحساس بأن وجودي نفسه خطأ.’
ذلك الشعور… حين تعتقد، مهما حصل، أن كل ما يجري سببه خطؤك أنت.
كنتُ أعرف هذا الإحساس أكثر من أيّ شخص آخر.
لأنني لم أُحَبّ من أحد، لم أستطع في النهاية أن أحب نفسي.
ولأنني لم أعرف سوى لوم ذاتي… كانت تلك الأفكار هي الشيء الوحيد الذي استطعت التمسك به.
‘إذًا غاون عاش طفولة كهذه أيضًا.’
لم أكن لأتخيّل ذلك أبدًا.
فغاون، رغم حدّته، كان دائمًا يبدو مشرقًا، ويتعامل بانسجام مع الجميع هنا.
ومع ذلك، لمجرد أنه وُلد، حُكم على أمه بعقوبة التمزيق حتى الموت.
وأسوأ من ذلك… أنه اضطر إلى مشاهدة ذلك المشهد المرعب بعينيه.
‘كم كان ذلك مؤلمًا…’
الآن فقط شعرت أنني بدأت أفهم، ولو قليلًا، سبب انحرافه.
“سيدي الزعيم… أنا….”
“لا حاجة لأن تقول المزيد. كيف لي ألا أفهم ما في قلبك؟”
أطلق الزعيم زفرة قصيرة، ثم بعد لحظة تردّد، رفع يد غاون.
“…إن كان هذا هو شعورك حقًا، فلا حيلة لي. أسمح لك بمرافقتنا.”
اتسعت حدقتا غاون.
“لكن، ستشارك فقط في الدعم بعيد المدى مع الرماة. هل فهمت؟”
عندها، أشرق وجه غاون الكئيب، كأنه نال الخلاص.
“أفهم! سيدي الزعيم!”
‘بعد أن سمعتُ كل هذا، حان الوقت لأن أنسحب بهدوء.’
فزعتُ—
فخشيتُ أن أُكتشف، فنهضتُ بحذر شديد.
ثم مشيت على أطراف أصابعي متسللة نحو خيمتي.
لكن رأسي كان يعجّ بالأفكار.
‘فكّري. فكّري جيدًا، يا سوليونغ.’
غاون سيشارك في الحملة، بل وتغلّب حتى على معارضة الزعيم.
لكن… حالته الآن غير مستقرة تمامًا.
أولًا، ساقه مصابة.
ثانيًا، حالته النفسية مهتزّة للغاية.
وثالثًا، والأهم، لقد تلقّى رسالة من عائلة تثير اضطرابه إلى هذا الحد.
كل الظروف كانت مهيأة تمامًا لـ‘عدم القدرة على اتخاذ حكم عقلاني’.
ثم إن مقر الجبل، حيث يُربّى المتمرّدون، يكاد يكون معزولًا تمامًا عن العالم الخارجي.
لكن بمجرد الخروج في الحملة، يتغيّر الأمر.
أي أن غاون، إن أرسل ردًا على تلك الرسالة—
‘فمن المرجّح أن يكون ذلك خلال هذه الحملة.’
كان هذا حدس محقّقٍ حاد.
كنتُ واثقة من ذلك.
‘فماذا أفعل إذًا؟’
لا أستطيع أن أطلب من الزعيم الآن أن يفتّش غاون جسديًا بحثًا عن رسالة مشبوهة……
‘ثم إنه، بما أنني اكتشفت الأمر، قد يكون تخلّص من الرسالة أصلًا، أو أخفاها في مكان آخر.’
وإن ظنّ أنني وشيتُ به، فلا أعلم كيف سيكون ردّ فعله.
في النهاية، لم يكن هناك حل سوى ضبطه متلبسًا أثناء إيصال الرد.
لكن المشكلة، على غير المتوقع، كانت الزعيم نفسه.
منذ الحادثة التي كدتُ فيها أُقتل بعد أن صرتُ هدفًا للهجوم، منعني الزعيم منعًا باتًا من النزول إلى القرى.
“أبي، ألا يمكنني النزول معهم لوقت قصير؟”
حاولتُ مرارًا أن أطلب منه أن آتي معهم.
“مستحيل. حتى لو دخل التراب عيني، لا! مستحيل!”
كان موقفه صارمًا لا يتزعزع.
‘إذًا… لا يبقى سوى طريقة واحدة.’
أملتُ رأسي جانبًا.
ونظرتُ إلى العربة المكدّسة بأكوام القش، والتي من المؤكد أنهم سيأخذونها معهم في الحملة.
التعليقات لهذا الفصل " 56"