—
وقفت لفينيا للحظة في ذهول داخل أحضان فريد.
كان المشهد مضحكاً ومحرجاً في آن واحد:
فريد يحدّق بوجه مصدوم، ولفينيا عالقة بين ذراعيه، بينما عشرات العيون من حولهما تتسمر عليهما وكأنهما بطلا مشهد رومانسي درامي.
لكن سرعان ما انكسرت اللحظة.
دفعت لفينيا صدره بكل قوة، تراجعت للخلف، وجهها يشتعل غضباً وحرجاً في الوقت نفسه، ثم صاحت بصوت مرتجف:
– “سحقاً! هذا… هذا مقرف!”
أما فريد، فقد نظر إلى قميصه الأنيق وبدأ يمسحه بانزعاج، قبل أن يقطب حاجبيه بتقزز قائلاً:
– “ممماذا؟! لقد… اتسخ قميصي!”
ارتفعت حرارة لفينيا أكثر، وصاحت:
– “اتسخ….. ماذا تقصد؟!”
رد فريد بتعابير وجه متعجرفة، رافعاً رأسه وكأنه فوق الجميع:
– “أجل… لقد اتسخ قميصي بوجهك، أيتها المزعجة.”
عمّ صمت قصير، ثم دوّى انفجار ضحكات بين الطلاب. انصهرت لفينيا غضباً، وصرخت:
– “ماذا قلتَ أيها العجوز المغرور؟!”
ابتسم فريد ابتسامة جانبية وهو يضع يديه في جيبيه، ثم رد بسخرية ثقيلة:
– “قلت إنك… مجرد وصمة على قماشي الفاخر. صدقيني، لو لم تكوني أنتِ… ربما بدوت جذاباً أكثر في هذا الموقف.”
شهقت لفينيا، قبضت يديها، واقتربت منه خطوة بخطوة:
– “أنت… أنت حقاً لا تطاق!”
رد فريد وكأنه يستمتع باستفزازها أمام الجميع:
– “وأنتِ… دائماً تثبتين أنكِ تملكين موهبة واحدة فقط: تدمير أناقة الآخرين.”
كانت الكلمات تتطاير بينهما كالسهام، والطلاب من حولهم يشاهدون و يضحكون.
بعضهم يهتف باسم فريد، والآخر يشجع لفينيا.
بدا الأمر وكأنه عرض مسرحي ساخر أعدّ مسبقاً.
أخيراً، استدارت لفينيا وهي تلوّح بيدها:
– “لا أريد أن أضيع دقيقة أخرى مع عجوز مثلك.”
تركته خلفها، فيما ظل فريد واقفاً متبختراً وكأنه المنتصر، رغم أن تعابيره المربكة كانت تقول العكس.
—
جاءت حصة الرياضة لتنتشل لفينيا من مزاجها السيئ، كانت حصة الرياضة اكثر حصة تحبها و تنتضرها بفارغ الصبر.
دخلت غرفة تغيير الملابس، وارتدت بذلتها الرياضية الزرقاء بخطوطها البيضاء، وهي تدندن لنفسها بحماسة:
– “آه أخيراً… شيء رائع يغيّر مزاجي بعد معركتي مع ذاك العجوز الأحمق!”
خرجت إلى الملعب المشرق، حيث كانت الشمس تسكب ذهبها على الأرضية الخشبية اللامعة.
ليصرخ الأستاذ بصوته الجهوري معلناً:
– “اليوم سنلعب لعبة (أمسك الكرة)! كل شاب يختار شريكته!”
في لحظة واحدة، تجمّع معظم الذكور حول لفينيا، كل منهم يتسابق ليكون شريكها.
فهي الفتاة الأشهر في الرياضة، صاحبة الفوز الدائم، التي لم يخسر معها أحد قط.
بدا المشهد كأنه مزاد مفتوح، والطلاب يهتفون:
– “أنا! أنا سأكون معها!”
– “ابتعدوا! أنا أعرف خططها!”
أما لفينيا، فوقفت في مكانها بحيرة، تتنقل عيناها بينهم وهي تقول في نفسها:
“كالمعتاد… صراع سخيف حولي.”
في الجانب الآخر، كان ميكل يقف بصمت.
لم تكن لديه شريكة هذه المرة، فقد اعتادت ميرا أن تلحق به فور إعلان اللعبة.
لكن ميرا لم تعد موجودة.
وبينما كان يحدق في الفراغ، تقدمت نحوه فتاة خجولة من قسمه، وجهها محمّر كالتفاح:
– “أ… ميكل… هل تسمح أن أكون شريكتك؟”
نظر إليها للحظة، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال:
– “بالتأكيد.”
احمرّت وجنتاها أكثر، وأخفضت رأسها لتخفي ارتباكها.
—
انطلقت المباراة.
اصطف الطلاب في الملعب، كل فتاة خلف شاب يحاول حمايتها من الكرات الطائرة.
الا لفينيا التي كانت في المقدمة، و من الخلف زميلها
بدأت الكرات تتطاير كالعاصفة.
أصوات الارتطام تصدح، وضحكات الطلاب وصرخاتهم تملأ الأجواء..
سقط أول ضحية سريعاً:
كان روكي، الذي تفاجأ بكرة مفاجئة فأقصته من الجولة وسط ضحكات زملائه.
تبعه آخرون واحداً تلو الآخر، حتى لم يبقَ سوى فريقين: فريق ميكل وشريكته الخجولة، وفريق لفينيا مع زميلها.
وقفت لفينيا متحمسة، ابتسامة تحدٍ تزين وجهها، وصاحت لميكل:
– “ههه! هل تظن أني سأدعك تربح هذه المرة؟”
رد عليها ميكل ببرودة مصطنعة، لكنه أخفى ابتسامة صغيرة:
– “هاا؟ واثقة جداً من نفسك كالمعتاد.”
اشتدا اللعب بينهما.
الكرات تتطاير كالسهام، والجميع يصفق ويهتف.
في النهاية، ارتكبت شريكة ميكل الخجولة خطأ صغيراً، فسقط الفريق خارج اللعبة.
صرخت لفينيا بانتصار، وبدأت ترقص بخطوات مضحكة في الملعب:
– “هاهاها! الفوز المئة! ما زلتُ ملكة هذه اللعبة!”
صفّق بعض الطلاب بحرارة، فيما جلس ميكل على الأرض يبتسم رغم خسارته.
—
بعد قليل،
جلست الفتيات على المدرج يتابعن الصبية وهم يلعبون كرة السلة.
كان العرق يتلألأ على جباههم، والكرة ترتد على الأرضية بإيقاع حماسي.
جلست لفينيا وسط الفتيات، لكنها لم ترَ سوى ميكل. كان يتحرك بخفة، شعره البني يتطاير، ابتسامته مشرقة وهو يركض بين اللاعبين.
انزلقت ذاكرتها إلى الماضي…
كانت في الإعدادية، تمشي في أحد الممرات بجانب ميكل الذي كان أقصر منها بوضوح. لم تترك لحظة إلا وسخرت من طوله:
– “ميكل! أين أنت؟ أين اختفيت؟”
زمجر بانزعاج:
– “أنا هنا بجانبك أيتها الحمقاء!”
قهقهت:
– “ههه! ظننتك اختفيت!”
رد وهو يقلب عينيه:
– “مضحك جداً… أيتها السخيفة.”
بعد أيام، انضم ميكل إلى نادي كرة السلة.
أصبح منشغلاً بتدريباته، يقلّ لقاؤهما.
في إحدى المرات، رأته في الملعب يتدرب بجد. لكن بعض الطلاب الأكبر منه بدأوا يسخرون منه:
– “أوه، انظروا لهذا القصير! يريد أن يصبح لاعب سلة!”
– “قفزتك لا تكفي حتى لتجاوز كتاب رياضيات!”
– “عد إلى مقعدك أيها القزم، هذا الملعب للكبار فقط!”
كانت لفينيا على وشك التدخل، قبضت يديها، لكن حين نظرت إلى عينيه، رأت شيئاً غريباً:
عزيمة حادة، إصرار لا يلين. عندها قررت التراجع، تاركة له المجال ليثبت نفسه بنفسه.
…
استفاقت فجأة على صرخات من حولها:
– “احترسيييي!”
رفعت رأسها، فرأت كرة سلة منطلقة نحوها بسرعة صاروخية.
صرخت وهي تنحني، لكن قبل أن تصلها الكرة، امتدت يد قوية وأمسكتها في آخر لحظة.
التفتت لترى روكي واقفاً أمامها، الكرة في يده، ابتسامته الواثقة تلمع تحت أشعة الشمس.
تنهدت بانبهار، وعيناها تلمعان:
– “واو… أنت منقذي!”
ضحك روكي بخفة وهو يرد:
– “جيد أنها لم تصبكِ. كان سيؤسفني أن أراكِ تفقدين وعيك في المدرج.”
في الجهة الأخرى، كان ميكل واقفاً، لا يزال يلهث بعد أن حاول هو الآخر اللحاق بالكرة.
توقف مكانه، يراقب المشهد بصمت، وشيء ثقيل انغرس في صدره. لم يقل شيئاً، لكنه شعر بخيط من الحزن يتسلل إلى قلبه.
—
انتهى الدوام المدرسي.
خرج الطلاب من البوابة وهم يتبادلون الضحكات، الشمس تغرب ببطء خلف الأشجار.
عند البوابة، وقف فريد، متكئاً على الجدار ببرود، وكأنه ينتظر شيئاً أو… شخصاً.
كانت نظراته ثابتة، وابتسامة صغيرة تتلاعب على شفتيه، وكأن معركة جديدة على وشك أن تبدأ.
—
التعليقات لهذا الفصل " 15"