لكن روكي لم يتأثر، بل اعتدل في جلسته ونظر إلى الأم بعينين لامعتين، وقال بثقة هادئة:
– “في الحقيقة، لا أظن ذلك… لفينيا تحظى بشعبية كبيرة في المدرسة. الجميع يعرفها، والجميع يحب أن يكون بقربها.”
رفعت الأم حاجبيها بدهشة حقيقية وضحكة قصيرة أفلتت منها:
– “لفينيا؟! شعبية؟! ههه… يا بني، لا بد أنك تمزح. هذه ابنتي رأس المشاكل.”
قامت لفينيا من مكانها، ولوّحت بيديها محاولة إيقافها:
– “أماااااه! توقفي فوراً!”
غير أن روكي واصل حديثه مبتسماً، وكأنه يصر على الدفاع عنها أمام والدتها:
– “بل على العكس… لفينيا شخص مرح، متفائلة، لديها قدرة غريبة على تحويل أي فصل ممل إلى مكان مليء بالضحكات. وجودها يجذب الآخرين بطريقة لا يمكن تجاهلها.”
كان في نبرته صدق جعل الأم تصمت لأول مرة وتنظر لابنتها بعيون مختلفة.
ثم استند إلى ظهر المقعد، وصوته يفيض بالذكريات:
– “أتذكر المرة الأولى التي رأيتها فيها…
السنة الماضية، عند باب المدرسة.
كانت تتشاجر مع أحد الفتية. لم أفهم ما يجري في البداية، لكني سرعان ما أدركت أنه كان يحاول التحرش بإحدى الفتيات.
لفينيا لم تتردد لحظة… واجهته بكل قوة، وأمسكته من قميصه، ثم دفعته نحو الجدار وضربته بجرأة جعلت الجميع يندهش.”
ارتسمت على ملامحه ابتسامة خفيفة وهو يتذكر:
– “كانت مدهشة وقتها… قوية، لا تخشى شيئاً، وفي الوقت نفسه جميلة بشكل لا يمكن إنكاره. من تلك اللحظة، أدركت أن هذه الفتاة ليست عادية.”
رفعت لفينيا رأسها بصدمة، وجهها احمرّ أكثر من لون الكرز، وقالت وهي تحاول التماسك:
– “ماذا؟! منذ السنة الماضية وأنت تعرفني؟! لماذا لم تقل ذلك من قبل؟!”
ضحك روكي بهدوء:
– “صحيح أني عرفتك، لكن لم نلتقَ شخصياً. لم تكن هناك مناسبة، لذلك لم أخبرك. لكن…”
وتوقف لوهلة قبل أن يكمل بعينين ثابتتين، “لطالما تساءلت عن سبب صراخك عليّ في أول يوم لي بالمدرسة.”
ارتبكت لفينيا، حكّت عنقها وهي تضحك بتوتر:
– “أها… في الحقيقة… فقط لأنك… كنت تشبه شخصاً أعرفه… هههه.”
ابتسم روكي بخفة:
– “كان لقاءً مميزاً، أليس كذلك؟”
خفضت لفينيا نظرها بخجل، ثم همست:
– “أممم… نعم.”
واصل حديثه مع الأم وهو يصفها بطريقته الخاصة، كان يذكر كيف تضحك في الفصل حتى تذيب توتر الجميع.
وكيف تساعد زملاءها دون أن تنتظر شكراً.
وكيف أن مجرد وجودها يملأ المكان بالحيوية. كان يتحدث بحماس صادق، وكأن الحديث عنها يمنحه متعة خفية.
الأم استمعت بانبهار حقيقي، تنظر إلى ابنتها بنظرات لم تعهدها من قبل. وعندما أنهى روكي كلامه، وقفت لتودّعه بابتسامة واسعة، بينما ودعته لفينيا عند الباب بخجلٍ صامت.
أغلقت الباب خلفه، فالتفتت الأم إليها وقالت وهي تضع يدها على خصرها:
– “هممم… لم أتوقع أبداً أن تكوني شخصية رائعة في المدرسة. كنت أظنك حقاً رأس المشاكل.”
رفعت لفينيا ذقنها بغرور مصطنع:
– “أجل أجل… أنا مركز الاهتمام هناك!”
قهقهت الأم بخفة، ثم أضافت بمكر:
– “بالمناسبة… إنه شاب وسيم، أليس كذلك؟”
شهقت لفينيا بصوت عالٍ، وجهها احمرّ:
– “أمــــي!!! هذا يكفيييي!”
هربت إلى غرفتها وهي تكاد تنفجر من الإحراج..
ألقت نفسها على السرير وبدأت تتذكر كلام فريد عن تأثير الألبوم على حاضرها.
تساءلت في سرّها: “ميرا كانت في مستقبلي… أما الآن فقد اختفت تماماً. لم أغيّر الكثير… لكن، هل سيحدث الشيء ذاته مع أشخاص آخرين في حياتي؟ هل سيختفون فجأة؟”
غمرها شعور بالقلق لم تستطع طرده.
—
في اليوم التالي….
نهضت بتثاقل، تسحب قدميها على الأرض كأنها تحمل أوزاناً.
كانت تكره الذهاب للمدرسة في هذا الصباح البارد. خرجت من المنزل، فوجدت ميكل واقفاً بانتظارها.
ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
– “بالمناسبة… رأيت روكي البارحة يدخل إلى منزلك.”
توقفت فجأة ونظرت إليه باستهزاء وهي تضع يدها على وجهها:
– “مستحيل! هل تتجسس عليّ؟ لا أصدق!”
احمرّ وجه ميكل، ولوّح بيده بعصبية:
– “هاااا؟! أتجسس على فاشلة مثلك؟! تبا… رأيته بالصدفة، لا أكثر!”
ضحكت لفينيا ساخرة:
– “آه أجل… جاء فقط ليعيد لي دفتر الرياضيات الذي أعرتُه إياه. لا تكن غيوراً!”
احمر وجه ميكل أكثر، صرخ وهو يلوّح بذراعيه:
– “ماذااا؟! أنا؟! أغار عليك ايتها الزرافة الطويلة؟ مستحيل! أنت لست حتى ذوقي. أنا أحب الفتيات الجميلات واللطيفات… لا الزرافة الغاضبة!”
شهقت لفينيا بصدمة، ثم صرخت وهي تلاحقه:
– “أنت الكلب المسعور! من يهتم بك أصلاً؟!”
بدأ يركض ضاحكاً، شعره البني يتطاير مع خطواته السريعة وحقيبته تتأرجح على ظهره، بينما لفينيا تطارده من الخلف صارخة:
– “ارجع إلى هنااااا!”
—
خلال حصة الأدب، طُلب من التلاميذ أن يعملوا في مجموعات. ومن سوء حظ لفينيا، وُضعت مع روكي وميكل معاً.
جلست أمامهما وهي تضع يدها على رأسها:
– “لماذا… لماذا عليّ أن أتعامل مع هذين الاثنين معاً؟!”
جلس روكي وميكل بجانب بعضهما، ينظر كل منهما إلى الآخر وكأن الصواعق تتطاير بين عيونهما.
أما لفينيا، فتنهدت بصوت عالٍ:
– “هيا يا رفاق، لنبدأ.”
بدأ الثلاثة بالعمل، لكن بينما كان روكي وميكل مركزَين، انشغلت لفينيا بالضحك والسخرية من كل شيء.
ضحكاتها العالية جعلت روكي يتوقف عن الكتابة.
يرفع رأسه ليتأملها وهي تضحك حتى دمعت عيناها، ويبتسم دون وعي.
التعليقات لهذا الفصل " 14"