كانت لفينيا تسير بصمتٍ إلى جوار ميكل، في طريق العودة إلى المنزل.
خطواتهما متناغمة رغم الصمت، النسيم يعبث بشعرها الطويل، وميكل يسير بجانبه دون أن ينطق بكلمة… وكأن بينهما لغة صامتة، لا تحتاج كلمات.
لفت نظرها شيء صغير لكنه مألوف…
السوار الجلدي الأسود الذي يلتف حول معصمه.
ابتسمت بخفة، وهي تتذكر…
—
قبل سنة – متجر الهدايا
“ما رأيك أن نشتري له شيئًا مميزًا؟” قالتها ميرا بحماس وهي تنظر لأحذية رياضية في واجهة العرض.
أما لفينيا، فكانت تتجول بين الأرفف، عيناها تلمعان حين رأت سوارًا رياضيًا بسيطًا، عليه أول حرف من اسم ميكل.
“أوه، هذا جميل!” تمتمت.
نظرت إليها ميرا بسخرية:
“سوار؟! رخيص جدًا… وكأنه من ألعاب الأطفال!”
رفعت لفينيا السوار، وأجابت بصدق:
“بساطته جميلة… والأهم أنه يحمل أول حرف من اسمه، سيحبه.”
ميرا، بابتسامة متعجرفة:
“أنا سأشتري له حذاء رياضي فاخر… سيقدّر الهدية الغالية أكثر.”
لكنها كانت مخطئة… جدًا.
—
العودة إلى الحاضر
أشارت لفينيا إلى معصم ميكل:
“ما زلت ترتدي هذا؟”
نظر إلى السوار، ثم ابتسم وقال ببساطة:
“أجل… أحب ارتداءه.”
رفعت حاجبها:
“لكنّه قديم، أليس كذلك؟”
اقترب منها، خطواته بطيئة لكنها واثقة، نظر في عينيها وهو يقول:
“أحبّه… فهتي؟”
انفجرت ضاحكة:
“هاهاه! حسنًا حسنًا، عيد ميلادك يقترب… سأهديك شيئًا أفضل هذه المرة!”
أجابها بابتسامة شبه خجولة:
“سوف أنتظر…”
في تلك اللحظة، شعرت لفينيا بقلبها يخفق بطريقة غير مألوفة.
هل كانت سعادتها به أكبر من اللازم؟ أو فقط لأنه… احتفظ بالهدية البسيطة طوال هذا الوقت؟
—
في المنزل – المساء
كانت لفينيا تتناول وجبة خفيفة مع والدتها، المطبخ يعج برائحة القرفة والتوابل، والجو دافئ كقلب أمّ.
قالت الأم وهي تقدم لها قطعة كعك:
“يبدو أنك تقضين وقتًا ممتعًا هذه الأيام؟”
“أوه، تعنين بين مطاردة ميكل، مشاجرات فريد، وثرثرة روكي؟ ممتع جدًا!” قالتها بتهكم، ثم ضحكتا معًا.
فجأة، صمتت الأم قليلًا، نظرت إلى فنجانها، ثم تمتمت:
“أنت تذكرينني… بوالدة ميكل، التي كانت صديقتي المقرّبة.”
نظرت لفينيا إليها باندهاش:
“حقًا؟!”
هزّت الأم رأسها، بعينين تلمعان بالحنين:
“كنا لا نفترق. تقاسمنا الضحك، الأسرار… وحتى الحمل، كنا حاملين في الوقت ذاته. كانت تحلم بأن تلد طفلة مشاغبة مثلك… لكنها…”
توقفت، صوتها خفت:
“لم تحظَ بفرصة رؤية طفلها يكبر… توفيت أثناء الولادة.”
وضعت لفينيا يدها على يد والدتها:
“أنا آسفة…”
ابتسمت الأم بحزن:
“لهذا أعتني به أحيانًا وكأنه ابني الثاني… وأحيانًا، حين أنظر إليكِما تتشاجران، أتمنى فقط لو أنها هنا، ترى هذا المشهد وتضحك.”
—
جلست على سريرها، فتحت الألبوم، تراقب صفحاته وكأنها تراقب مصيرها على شاشة.
“المنزل المهجور… مجددًا؟ غدًا؟” تمتمت.
تأففت:
“الغد عطلة! وسأضيعه مع ذاك العجوز؟!”
تابعت التقليب…
روكي؟ في منزلي مساءً؟!
صرخت:
“مــااااذاااا؟! مممستحيل!! “
—
صباح اليوم التالي
رنّ هاتفها بنغمة غريبة.
نظرت إلى الرقم: غير معروف
أجابت بتثاقل:
“من هذا؟ إن كنت بائع عطور، فاعلم أنني مفلسة ونائمة!”
جاءها صوت فريد:
“اصحــي! انا انتظرك!”
“انتظر… من؟! وهل أنت تملك هاتفًا؟! عجوز مثلك؟! كيف؟! هل سرقته واحدًا من احد طلاب ؟!”
“إنه لي! تعلمين؟ العجائز يمكنهم استخدام التكنولوجيا!”
“آه، بالطبع… أنت تعيش في بيت مهجور، وتتحدث مع المجهول، ولديك هاتف! رائع، متى تفتح قناة يوتيوب؟!”
“تعالي الآن، وإلا سأمسح صورتك من الألبوم!”
صرخت:
“لا تلمس الألبوم!! حسناااااااااا، قادمــــة!”
—
وصلت لفينيا، نظرت إليه كعادتها… مهجور، خافت، كئيب.
لكن بمجرد أن وضعت قدمها داخله…
كل شيء تغيّر.
الجدران تلمع، الأثاث جديد، الجو مليء بالعطر الخفيف، كأنها انتقلت عبر الزمن.
“واو…” تمتمت.
جلس فريد على كرسي خشبي أنيق، ينظر إليها بجدية هذه المرة:
“لفينيا، بدأ الألبوم يتغيّر… صورك تتبدل. هذا يعني أنكِ بدأتِ تؤثرين في مسار المستقبل فعلاً.”
اقتربت منه:
” لحظ، كيف عرفت؟.. وهل هذا جيد؟”
أجاب:
“جيد… وخطير.”
نظرت إليه بقلق:
“ماذا تعني؟”
“عندما تغيّرين المصير… فهذا يأثر على حاضرك بطريق عكسية.”
شهقت:
“و لاكن كككيف…؟!”
حتى بدءت تتذكر صور البوم:
“صور ميرا في البداية كانت موجود حتى فس اخرى لحظة لي… و الان اختفت كليا! هل هذا يعني انه يمكن ان اتسبب في اختفاء اشخاص!؟”.
نظر نحوها فريد بصرامة:
” اجل.. ربما هو جيد و سيء في نفس الوقت”.
ثم اشار نحو الباب، و الان هيا اخرجي:
“انتظر… لحظة”.
و قبل ان تكمل كلمتها، وجدت نفسها مرمية خارج المنزل….
—
بعد غروب الشمس – أمام منزل لفينيا
عادت لمنزلها، متعبة من التفكير، متخبطة من الحديث.
لكن ما إن اقتربت من بابها…
حتى رأت روكي يقف هناك، يحمل دفترًا في يده، ويبتسم.
“أوه، روكي؟”
“أتيت لإعادة كراس الرياضيات… وعدتني أنك ستعطيني شايًا لذيذًا!”
ضحكت:
“ادخل… و احذر من تحقيق امي!”
دخل روكي، جلس على الأريكة، الجو كان دافئًا، رائحة الشاي تنتشر، والأضواء خافتة.
حديثهما كان خفيفًا، مليئًا بالضحك والقصص، والذكريات المدرسية المضحكة.
—
في هذه الأثناء…
في الطابق المقابل، كان ميكل جالسًا في غرفته، يتابع من نافذته.
رآها… مع روكي… يضحكان.
يدخل منزلها.
شعر بشيءٍ ينكمش في صدره.
وهمس في نفسه:
“لا أظن أنني أحب هذا المشهد…”
—
التعليقات لهذا الفصل " 13"