جمعنا جميع الجثث و أضرمنا فيها النار قبل أن تتحلل أكثر و تصبح الرائحة لا تطاق
نقلنا كل الأدوية المتواجدة لشقة الطبيبة.
كنا نتدرب على التصويب وإطلاق النار بالأسلحة كل صباح. حيث كان لحسن الأفضل بيننا في استعمال المسدس.
أثناء التدريب، كان ينبهنا:
— ركزوا على الهدف قبل أن تضغطوا على الزناد.
كنا نصوب و نطلق النار لمحاولة إصابة بعض العلب المعدنية
من جهة اخرى كانت الطبيبة تطبخ لنا الغداء والعشاء كنوع من المساعدة و استعادة طاقتنا. أثناء الطبخ، كانت تتذوق الطعام أحيانًا وتبتسم في نفسها، فخورًة بأنه لذيذ، ثم تكمل العمل. أحيانًا كنا نساعدها في تجهيز المائدة أو تقطيع بعض الخضروات
وكان لدينا قانون واحد نتبعه بدقة عند حلول الليل
الدخول إلى العمارة مع أو قبل الغروب وإطفاء جميع الأضواء، والتحدث بصوت منخفض قليلًا.
كل هذه الإجراءات، من تدريب يومي، وطعام منتظم ، وقاعدة الليل، كانت تهدف لتجنب أي خطر خارج العمارة
في إحدى المرات، تساءلت عن سبب بقاء هذا العدد الكبير من المتحولين في هذه المنطقة بالذات
قررت صباحًا الخروج بالسيارة مع أصيل لاستكشاف الأمر.
مررنا بهدوء بين الشوارع، ولاحظت أن الحي مغلق تمامًا، يبدو أن الشرطة قد وضعت الحواجز سابقًا.
_ ومع ذلك، كان صوت تحرك المتحولين في الليل دائمًا بنفس التوقيت،
قاطعت الطبيبة كلامي بهدوء:
— يبدو أن هنالك من يستطيع التحكم فيهم
وافقتها الرأي لأطرح تسائلا في نفسي
( سلوكهم الغريب ذاك لا يحدث إلا في الليل … فقد لاحظت بعد خروجي بالسيارة أن المتحولون يتحركون لتلبية غرائزهم فقط و لم يبد لي وجود أي اتصال بينهم)
ثم تحدثت مخاطبا الجميع
_ سأحاول اكتشاف صحة النظرية الليلة
نظر إليّ أصيل و قال:
— كن حذرًا، أي خطوة خاطئة قد تكلفنا.
و بالفعل حل الليل كان الهدوء يطغى على المكان كنت مقرفصا أنا و لحسن بجانب نافذة مطلة على الشارع بشقة لحسن
مر بعض الوقت … ليحدث الأمر كما في كل ليلة
تبدأ الأرض تهتز و صوت زمجرات يرتفع مع كل لحظة يمر بها الوقت
نظرت من النافذة متفحصا و محاولا التأكد من النظرية السابقة
كان المشهد مهيبا
مئات من المتحولين يمشون في الأرض لم يظهر الكثير في البداية
كانو كلهم في شكل مشابه لبعضهم البعض
لا يوجد طريقة لمعرفة الفرق و خصوصا للظلام السائد بالخارج حيث الشيء الوحيد الظاهر هو الغبار المتصاعك جراء تحركاتهم السريعة و عيونهم الصفراء التي تلمع في الظلام
مع اقترابهم أكثر بدأ يخبرني لحسن بإنزال رأسي قبل أن يلمحني أحدهم
لكن لم أنزل بسرعة بل ظللت أتمعن أكثر و أكثر حتى كدت أفقد الأمل
و في اللحظة التي كنت أشيح بنظري فيها حتى وقعت عيني عليه
قلت متحمسا ” لقد وجدته “
لقد كلن ذلك المتحول هو نفسه الأصلع الذي التقيته بتلك الليلة لما هجم على اولاءك المراهقين
لكن شكله قد تغير قليلا عن السابق
حيث جسمه أصبح أضخم يبدو أضخم من المتحول العادي و بشرته أغمق من المتحولين الآخرين
لكن ما لم أتوقعه هو في اللحظة التي كنت سأخفي فيها رأسي و بينما نظري موجه على المتحول الضخم حتى حول نظره ناحيتي ليلمحني
صعقت لكن لم ألبث ثانية الا و أمسكت لحسن من قميصه و صرخت
_ اهرب ! !
حينها لم ينتظر لحسن لمعرفة السبب ليركض مثلي و عندما توقفنا بالقرب من الباب تساءل بتوتر
_ ماذا هناك لم ركض-
و ماهي الا لحظات حتى نسمع صوت شيء يرتطم بقوة بالخارج
تقدمت بحذر مع لحسن نحو النافذة، لنكتشف أحد المتحولين، رأسه مغروس في الجدار
و لما نظرت للأسفل كان المتحول الضخم قد أمسك أحد المتحولين بجواره
ليقذفه بعدها بقوة كبيرة ناحيتنا
ركلت لحسن إلى اليسار، وتراجعت إلى الجانب الآخر، ليصطدم المتحول بالنافذة، محطّمًا زجاج النافذة
عدلت نفسي بسرعة و ناديت على لحسن لأطمئن عليه . لكن دون رد
و عندما حاولت الخروج من الصالة اذ بالمتحول يقوم من الأرض و يهجم علي بزمجرته
تفاديت هجماته بالكاد ليحاصرني بعدها في زاوية الغرفة
زاد التوتر عندي
حاولت ابعاده بأي طريقة لكن بلا فائدة . لم يكن هنالك أي شيء مادي قابل للإستعمال
و عند آخر هجوم له إذ بخنجر يخرج من جبهته لتتناثر بعض قطرات دمه في وجهي
ثم يتم سحب الخنجر من مكانه بسرعة
يسقط المتحول أرضا جثة هامدة ليظهر لحسن
لم أنتظر كثيرا
شكرته بسرعة و أمرته بإيقاظ إكرام بينما سأوقظ أصيل
و أخبرته أننا سنلتقي بشقتي لأنها الأكثر أمنا حاليا
تقدمت نحو غرفة نوم لحسن حاملاً الخنجر الذي قضى به على المتحول.
أثناء سيري، سمعت صوت ارتطام قوي في الصالة،
وكان من الواضح أن متحولا آخر في الداخل.
تصاعدت صرخات وزمجرات المتحولين، كأنهم يستعدون لوجبتهم القادمة. وارتفع صوت ضرب عنيف من الأسفل، مما زاد من توتري،
خصوصًا بعد أن أبعدنا السيارات من المدخل قبل فترة، تاركين المبنى مكشوفًا.
دخلت غرفة النوم وأغلقت الباب بقوة خلفي، شعور بالخطر يضغط على صدري. شغّلت الأنوار بسرعة، وأيقظت أصيل الذي فزع واستيقظ متسائلًا:
— ماذا… ماذا يحدث؟
اقتصر ردي على نظرات جادة وحادة، ممزوجة بالقلق والخوف
_ نحن مغادرون … لقد اجتاح المتحولون على المكان
زادت صدمة أصيل لكنه تمالك نفسه و عدل جلسته لألمحه يخرج مسدسا أسفل وسادته.
بعد ثواني سمعنا نفس صوت الإرتطام ليسألني أصيل عن مصدره
أجبته بسخرية واضحة
_ اه ذلك … أحد المتحولين يقوم بتسجيل دخول فخم
لم يأبه أصيل لمزحتي . لذا أمسكت مقبض الباب و أخبرته بالتقدم أولا للتغطية علينا ثم فتحت الباب بعد العد لثلاثة
كانت الصالة تعج بالقليل من المتحولين في البداية، لكن أعدادهم بدأت تتزايد بسرعة مع كل لحظة نتردد فيها.
خرج أصيل مسدسه ثابتًا في يده، وبدأ بإطلاق النار دون تردد. كل طلقة كانت تصيب هدفها، كل متحول ينهار أمامه، لكن الصوت المدوي للرصاص والزمجرات المحيطة جعل الأدرينالين يتصاعد في صدري.
خرجت خلفه و بتلويحات قوية و دقيقة بالخنجر كنت أسقط المتحولين فور دخولهم من النافذة أي قبل أن تكون لهم الفرصة لإبداء أي ردة فعل . و ماهي إلا لحظات إذ بنا عند مدخل الباب
خرجنا لأقفل الباب خلفي كي لا يتبعونا
قبل صعودنا للطابق الثاني سمعنا صوتا صادرا بالأسفل
لقد كان ذلك صوت ضرب مدوي على باب العمارة يتبعها ضربات و طرقات أخف من الأولى … حتى سمعنا صوت انقلاع الباب
ركضنا بسرعة للطابق الثاني و دخلنا شقتي حيث كان الالآخران ينتظران بتوتر في الصالة
دخل أصيل لأدخل خلفه مقفلا الباب جيدا
ثم يتبعه أصيل مع لحسن بوضع أشياء ثقيلة لسد الباب بشكل أفضل كالخزانة بغرفة نومي و الثلاجة و ما شابه ذلك
بعدها اتجهت لغرفتي الثانية بالشقة حيث كل اللوازم المهمة من طعام و أسلحة
و بدأت بتوزيع الرشاشات واحد لنفسي و آخران للحسن و أصيل ثم أعطيت إكرام مسدسا عاديا و نفس الشيء بالنسبة للخناجر و الرصاص
بدأت أفكر بشيء قد يخرجنا من هذا الوضع البائس
نظرت لعلبة القنابل لمعرفتي أنها آخر سبيل لي للنجاة … لكن لم أستطع اكتشاف طريقة لإستعمالها دون أن أعرض نفسي و الجميع في خطر
لا نستطيع القفز من الطابق الثاني … إن المكان مرتفع
جلست مقرفصًا في غرفة المؤونة، ظهري منحني قليلًا ورأسي موجه للأسفل، كأنني أحتمي بنفسي من الضغط الذي يثقل المكان. حولي، كان الآخرون خائفين ومتوتّرين للغاية، كل منهم يحتاج إلى يد تقوده، إلى شخص يوضح له ماذا يجب فعله، أو على الأقل يثبت له أننا لسنا وحدنا. شعرت بثقل المسؤولية على كتفيّ، وكأن عيونهم جميعًا تتطلّع إليّ، تنتظر مني الخطة أو الإشارة.
كانت أصوات الزمجرات القادمة من الطوابق السفلى تتصاعد تدريجيًا، تقترب، وتختلط بصوت خطوات ثقيلة على الأرض، وكل مرة تُصدر فيها الأرض صوت صرير أو تحطيم كان يرفع من سرعة دقات قلبي. كل لحظة صمت كانت مشحونة بالخطر، وكأن كل ثانية قد تكون الأخيرة.
أغمضت عيني للحظة، محاولًا تنظيم أفكاري. فكرت في كل الاحتمالات: كيف نخرج من هنا؟ أي مسار نتبعه؟ كيف نحمي أنفسنا؟ كيف نضمن أن لا يُصاب أحد أثناء الهروب؟
ثم بدأ شيء يشعل فكرة في ذهني، شعور خفيف بالإلهام يلمس عقلي وسط الفوضى. فتحت عيني، نظرت حولي بسرعة لأقول موجها تعليماتي للجميع
_ أحضروا لي جميع البطانيات و الملابس و أي حبال تجدونها في تفتيشكم بسرعة
انفصل الجميع عن بعضهم وبدأنا نجمع البطانيات، الملابس، والحبال بكل سرعة.
كنت أتحرك بينهم، أوجّههم وأراقب أن يكون كل شيء محكمًا وجاهزًا للربط. قبل أن نبدأ بربط الحواف وربط القطع مع بعضها، تصاعد صوت زمجرات المتحولين في الطابق أسفلنا، وسمعنا طرقًا وضربًا عنيفًا على الباب يرن في أذاننا.
ارتجفت للحظة، شعرت ببرودة تسري في عمودي الفقري، لكن سرعان ما تمالكّت نفسي. صرخت بحزم لأصيل وإكرام:
— استمروا في شد وربط كل شيء! اجعلوه سميكًا بما يكفي لتحمل وزننا عند النزول!
التعليقات لهذا الفصل " 15"