عم الهدوء المكان . ليقطعه صوت الباب و هو يفتح … لتخرج الطبيبة و في يدها صندل و تتقدم بحذر ناحية المطبخ بخطوات مرتعشة
حين وصلت الطبيبة إلى مدخل المطبخ، خرجت فجأة يد شاحبة من الباب، تتشبّث بالجدار ببطء
ارتعبت الفتاة وصرخت بكل قوتها، ثم بدأت تضرب تلك اليد بلا توقف، ضربات سريعة وعشوائية، بعدها ظهر وجه صاحب اليد لتقوم برمي الصندل على وجهه
سقط صاحب اليد على الأرض يتألم ليتضح أنه سراف
في تلك اللحظة، اندفع أصيل ولحسن إلى الغرفة بخطوات سريعة بعد سماع صرخة الفتاة، ملوّحين بخناجرهما وكأنهما داخلان على معركة خطيرة، غير أن هيئتهما بدت مضحكة أكثر مما هي بطولية.
رفع سراف رأسه ببطء وهو يزفر بضيق، ثم نظر إليهما ساخرًا وقال:
_ذكراني في استعمال صوت أنثوي في المرة القادمة حتى تركضا لنجدتي بهذه السرعة!
_ بالمناسبة من هذه . قالها أصيل متسائلا
لترد عليه الطبيبة قائلة
_ أنا إكرام … طبيبة توليد متخرجة حديثا
ابتسم سراف بخبث، ونظر إلى الطبيبة ثم التفت نحو لحسن قائلاً بسخرية:
ــ نعم، سنحتاج الطبيبة لك مستقبلاً… يجب أن تكون سعيدًا بهذا.
احمرّ وجه لحسن خجلًا من التعليق، بينما انفجر أصيل ضاحكًا وهو يربت على كتف صديقه قائلاً:
ــ لا تقلق، لن يكون الأمر مؤلما
ضحكوا قليلًا قبل أن يغادر الثلاثة، تاركين الطبيبة خلفهم، وقد بدت ما تزال محتارة. اتجهوا نحو الجثث المتناثرة في محيط العمارة، يجمعون ما يمكن جمعه من أدوات وأسلحة.
كانت الرائحة هناك خانقة، مزيجًا من الدماء التي اسودّت وتخثرت على الأرض، وجثث متعفنة لا تكاد العين تحتمل النظر إليها.
قال أصيل وهو يضع يده على أنفه:
ــ أقسم أنني سأفقد شهيتي للأكل أسبوعًا كاملًا بعد هذه الرائحة.
رد سراف ببرود، محاولًا تجاهل القيء الذي كاد يصعد إلى حلقه:
ــ إن نجونا هذا الأسبوع من الأساس
ضحك لحسن ضحكة قصيرة متوترة وهو يزيح أحد الجثث الملقية بداخل عربة عسكرية، ليكتشف صندوقًا حديديًا صغيرًا. فتحه بحذر، وما إن ظهر ما بداخله حتى اتسعت عيناه دهشة:
ــ قنابل… صندوق كامل من القنابل!
ارتفع الحماس فجأة بينهم، حتى أن أصيل صرخ قائلاً
ــ يا رجل! الآن يمكننا تفجير حي كامل إن لزم الأمر!
ضحك سراف بخفة ثم خاطبهم
ــ أولًا، لنتعلم كيف نستعمل المسدسات دون أن نقتل أنفسنا بالخطأ.
تبادل الثلاثة نظرات جادة، وكأنهم تذكروا أن الطريق أمامهم لا يزال طويلًا.
جلسوا قليلًا تحت ظل إحدى السيارات المحطمة، يتحدثون عن خطتهم القادمة.
قال سراف وهو يتفحص أحد المسدسات :
ــ من الغد سنبدأ التدريب… المسدسات أولًا، وبعدها الرشاشات. يجب أن يتقن كل واحد منّا التصويب،
رد أصيل بحماسة واضحة:
ــ اتفقنا! لكن تذكروا… أول من يخطئ في التدريب سيدفع ثمن العشاء!
ضحكوا جميعًا للحظة، كأنهم نسوا للحظات ذلك المشهد المظلم من الجثث والدماء، وكأن الضحك كان سلاحهم الوحيد ليكسروا وطأة هذا العالم الموحش.
مع اقتراب الغروب، عاد الثلاثة إلى العمارة مثقلين بغنائمهم من الأسلحة والذخيرة.
كانوا مرهقين، لكن بداخلهم شعور بالفخر، كأنهم أضافوا لأنفسهم قوة جديدة.
اتفقوا على وضع ما جمعوه في شقة سراف،
وما إن فتحوا الباب حتى تسللت إلى أنوفهم رائحة غريبة… رائحة لم يعرفوها منذ زمن.
توقفوا لحظة يتبادلون النظرات، قبل أن يهرعوا بخطوات سريعة نحو المطبخ.
هناك، كانت الطبيبة واقفة بثبات أمام الموقد، تُمزج الخضر في قدر يغلي بخفوت. شعرها مربوط على عجل، ووجهها متعب لكنه هادئ. التفتت إليهم بابتسامة صغيرة وقالت:
ــ آه… لقد عدتم أخيرًا.
رفع أصيل حاجبيه بدهشة قائلاً:
ــ لحظة… هل أنا أحلم أم أن هناك من يطبخ لنا العشاء حقًا؟
ضحك سراف بخفة وهو يضع الصندوق المعدني في ركن الغرفة:
ــ على ما يبدو نحن أكثر حظًا مما اعتقدت . لكن كيف عرفتي شقتي
قالت الطبيبة وهي تحرّك القدر:
ــ لا تُبالغوا، الطبخ ليس هدية مجانية. لقد ساعدتموني قبل قليل… واعتبرت أن أعدّ العشاء كعربون شكر. ثم إنك يا سراف ذكرت قبل قليل أنك في الطابق الثاني… فلم يكن صعبًا عليّ أن أجد شقتك.
في تلك الأثناء كان لحسن يجهز في الطاولة من ترتيب للصحون و الأكواب
و بعد جلوس الجميع حول الطاولة امتلأ الجو بشيء لم يعرفوه منذ زمن…دفء العائلة.
كان العشاء بسيطًا: خليط من الخضر وما تبقى في ثلاجة سراف، بعيدًا عن أي استعمال لمخزون الغرفة الرئيسي. ومع ذلك، بدا أشهى وجبة تناولوها منذ بدء هذه الفوضى.
التعليقات لهذا الفصل " 14"