4
‘ثم إنني تذكرتُ: في الرواية الأصلية، كان جيفري أول من يقع في حب جولييتا.’
بينما يلتقي باقي المهووسين بها لأول مرة في حفل الظهور الأول بعد عام، لم يكن جيفري كذلك.
والسبب بسيط: لأنه كان خطيب آريادن.
جاء جيفري إلى قصر بيلوا للقاء خطيبته، فكان من الطبيعي أن يتعرف على جولييتا، رفيقة آريادن في الحديث.
‘همم… إذن، بما أن الموضوع جاء، لمَ لا أبدأ بإصلاح جيفري أولاً؟’
فكرتُ هكذا وأنهيتُ العشاء بسرعة.
وفي تلك الليلة، سلّمتني جولييتا باقة الورود التي أرسلها جيفري.
“ها هي الباقة. وهذه الرسالة التي جاءت معها. بالطبع لم أفتحها، فلا تقلقي.”
مدّت جولييتا الرسالة نحوي وابتسمت بلطف.
“شكرًا يا جولييتا. الليل متأخر، أحلمي أحلامًا جميلة.”
“نعم، وأنتِ أيضًا يا آريا.”
ودّعتُ جولييتا وأغلقتُ باب الغرفة.
ثم نظرتُ إلى الباقة الكبيرة في يدي.
‘مئة وردة صفراء…’
كانت الورود الصفراء المفتوحة تفوح منها رائحة زكية منعشة.
اللون الأصفر الفاتح يذكّر أكثر بشعر جولييتا البلاتيني، لا بشعر آريادني الذهبي اللامع.
‘هاا… حسناً، لنقرأ الرسالة.’
فتحتُ الظرف بهدوء.
داخل الورقة كُتب بخط أنيق جملة قصيرة:
[جولييتا، هذه زهرة تشبهكِ.]
…أوووه. ما هذا الكلام المقرف؟
تشنجت أصابعي فجأة كأنها أخطبوط مجفف.
ارتعشتُ من الاشمئزاز ورميتُ الرسالة بسرعة داخل المدفأة.
***
في الدورة الثالثة، كنتُ قليلة الذكاء نوعًا ما.
لذلك آمنتُ حقًا أنني أستطيع إصلاح هؤلاء المهووسين الذين لا يُصلحون بالكلام.
“سيدي ديغلاس، استمع جيدًا إلى ما سأقوله الآن.”
في الدورة الثالثة، كان أول من التقيتُ به هو جيفري ديغلاس، خطيبي.
اعتقدتُ أنه رغم بعض الاعوجاج في شخصيته، إلا أنه إذا أقنعته بالكلام فسيتغير سريعًا.
“أعرف أن السيد ديغلاس يكرهني. وأعرف أيضًا أن خطبتنا كانت قسرية بسبب اتفاق أهلنا.”
“…ماذا؟”
“إذا ظهر شخص تحبه حقًا، فسأوافق على فسخ الخطبة. لكن هناك شرط.”
‘…’
توقعتُ أنه سيرفع يديه فرحًا عند سماع كلمة فسخ، لكن رد فعله كان غريبًا.
رفعتُ عينيّ قليلاً لأراقب وجهه.
كان وجهه الوسيم مشوّهًا بالغضب.
ارتجف حاجباه الكثيفان كأنه مستاء بشدة.
‘لمَ يتصرف هكذا…؟’
أغلقتُ فمي بهدوء، محاولة استشعار الجو.
شعرتُ بإحساس سيء، كأن عاصفة كبيرة على وشك الهبوب.
“…يا… هل لديكِ رجل آخر؟”
بعد فترة طويلة، جاء صوته البارد.
كان يحدق بي بعيون مليئة بالبرودة والغضب.
‘حقًا، لمَ يتصرف هكذا…؟’
أليس المثل يقول: الذي يخرج الريح يغضب أولاً؟
هو نفسه يخون ويلهو، ثم يغضب مني ويسألني إن كان لي رجل؟ لا يُعقل.
لم أفهم تصرفه، لكنني حاولتُ التصحيح وفتحتُ فمي مجددًا.
“ليس الأمر كذلك. أنا فقط أقترح هذا من أجل مستقبلك.”
حقًا؟ لكن لمَ تتحدثين فجأة عن الفسخ؟ هل تريدين فسخ خطبتنا؟”
“لا… ليس هذا المهم. ما كنتُ أقوله…”
“لا. بالنسبة لي هذا مهم جدًا، يا آريا.”
رفع جيفري حاجبًا واحدًا واقترب مني.
ثم ابتسم ابتسامة شريرة وهو ينظر إليّ.
“فسخ الخطبة؟ أتمزحين؟ مهما كنت غير راغبة بي، فيجب أن تتزوجيني أنتِ.”
“…”
“مهما حدث، لن أسمح بفسخ الخطبة. فلا تفكري في أمور تافهة، يا آريادني. أنتِ ستتزوجينني مهما كان الأمر.”
…ألست من يتوسل دائما لفسخ الخطبة في الأصل؟
ربما لأننا قبل بداية الرواية، لم تكن لديه أية نية في فسخ الخطبة معي.
‘لماذا؟ نحن نكره بعضنا على أي حال… أليس الفسخ أفضل للجميع؟’
لم أفهم تفكير جيفري أبدًا.
ما الذي يدور في رأسه وهو يعيش حياته؟
لكن ما لا يُفهم لا يُفهم، والمهم أن أصلحه.
ظللتُ ألاطفه وأغريه تدريجيًا بـ”كيف تتحول من مهووس إلى رجل صالح”، وأخيرًا…
“سيدي ديغلاس، ماذا ستقول إذا لم تقبل الفتاة التي تحبها قلبك؟”
“لا أؤذيها بكلام قاسٍ، بل انتظر بهدوء. ألا أعاملها بقسوة و ألا أحاول احتجازها.”
نجحتُ في إصلاحه.
كنتُ سعيدة جدًا لأن كلامًا طبيعيًا كهذا خرج من فم جيفري.
بدوتُ متأثرة وصفقْتُ بيديّ فرحًا.
فارتعش أحد حاجبي جيفري، وكأنه منزعج من رد فعلي.
“يا إلهي، هل تظنينني طفلاً صغيرًا؟ هل تظنين أنني لا أعرف حتى هذه الأمور البديهية؟”
كنتَ تجهلها تمامًا.
ولهذا السبب دمّرت جولييتا الإمبراطورية بسبب غضبها منك، أيها الوغد.
لكنني رفعتُ زاوية شفتيّ وابتسمتُ بصعوبة.
لو اشتبكتُ معه في تلك اللحظة بالذات، لكان ذلك كمن يرش الرماد على طبق الطعام الجاهز.
‘بالمناسبة، هذا أمر غريب فعلاً.’
لقد تغيّر جيفري بالفعل عن نفسه في الدورتين الأولى والثانية.
والأغرب أنه أصبح يبحث عني أكثر مما يبحث عن جولييتا.
‘…هل يمكن اعتبار هذا أمرًا إيجابيًا؟’
كان الأمر محيّرًا، لكنني تجاهلته على أنه خير.
في النهاية، المهم ألا يهوس بجولييتا، أيًا كانت الطريقة.
لكن في يوم الظهور الاول لجولييتا، الذي يبدأ فيه مسار الرواية الأصلية،
انقلب جيفري الذي بذلتُ في إصلاحه كل جهدي فجأة إلى شخص آخر تمامًا، ووقع في غرام جولييتا.
ثم هوس بها كما في الرواية الأصلية، وفي النهاية فقدت جولييتا السيطرة ودمّرت الإمبراطورية.
‘يا للعار… ضاع كل هذا الوقت سدى.’
مع استرجاع الذكريات، ارتفع الغيظ في صدري مجددًا.
صررتُ على أسناني بقوة وناديتُ صوفيا، الخادمة الخاصة بآريادن.
كانت صوفيا من القلائل في قصر بيلوا الذين يعاملون آريادن بلطف وود.
“يا إلهي! يا آنسة، ما الذي أيقظكِ بهذه الساعة المبكرة؟”
سألتني صوفيا بصوت مندهش عندما رأتني.
كانت آريادن الأصلية تحب النوم حتى وقت متأخر،
لكن كيف يمكن لمن يريد إظهار هوس حقيقي أن يظل كسولاً هكذا؟
أساس الهوس هو الاجتهاد والاستمرارية.
لذلك أجبتُها بعزم:
“سأحاول ان استيقظ مبكرًا من الآن فصاعدًا. لم يعد بإمكاني أن أعيش بكسل.”
“يا للعجب! يا آنسة، لقد نضجتِ أخيرًا!”
غطت صوفيا فمها وضحكت بصوت عالٍ: أوهوهو.
ابتسمتُ لها مقابلًا، ثم ناولتها الورقة والقلم.
“لهذا السبب بالذات، صوفيا، لديكِ مهمة عاجلة الآن. الأمور كثيرة، فاكتبي وأنتِ تستمعين.”
“حسنًا، سأفعل. تفضلي يا آنسة.”
أمسكت صوفيا بالورقة والقلم، فبدأتُ أتكلم بهدوء:
“أولاً: ابحثي عن ثلاثة من باعة الزهور. يجب أن يكونوا متفرغين للعمل اليوم في فترة ما بعد الظهر.”
“نعم، نعم. وماذا بعد؟”
“أحتاج إلى ورود صفراء. لكن ليس اللون الأصفر الفاتح. أريد اللون الأقرب إلى لون شعري، وكمية تقارب العشرة آلاف وردة.”
“…ماذا؟ عشرة آلاف وردة؟ لمَ كل هذا العدد؟”
فتحت صوفيا فمها مذهولة.
…نعم، عشرة آلاف وردة كمية مبالغ فيها فعلاً.
لكن لا مفر.
لكي يكون الهوس مقنعًا، يجب أن يكون حجمه كبيرًا.
فكّري في الأمر: مهووس يقدم عشر ورود فقط؟
يبدو سخيفًا ومُضحكًا، بل وقليل الشأن.
أما عشرة آلاف، فهذا يُظهر جنونًا حقيقيًا.
نعم، تمامًا.
“في الحقيقة، أنوي القيام بمفاجأة للسيد ديغلاس. لذا أرسلي إشعارًا إلى قصر ديغلاس أنني سأزورهم اليوم. سأزيّن غرفة السيد ديغلاس فقط ثم أعود، فلا حاجة لاستقبال رسمي أو ضيافة.”
“واو… مفاجأة؟ يا لسعادة السيد ديغلاس!”
جمعت صوفيا يديها وهي تتأمل بحماس.
يبدو أن خيالها يرسم رومانسية وردية جميلة لسيدتها.
ثم نظرت إليّ بعيون مليئة بالعزيمة وقالت بثقة:
” فقط ثقي بي يا آنستي. سأبذل قصارى جهدي لنجاح مفاجأتكِ!”
“أمم. شكرًا لكِ.”
في الحقيقة ليست رومانسية وردية، بل مجرد هوس لمنع هوس آخر…
لكن لا داعي لإخبارها بذلك.
وبعد نحو ثلاث ساعات، عادت صوفيا لتخبرني أن كل شيء جاهز.
“يا آنستي آريادن، تم تحضير كل ما طلبتِه.”
“يا إلهي، بهذه السرعة؟”
“نعم! ألم أقل أنني سأساعدكِ بكل ما أوتيت؟”
ابتسمت صوفيا ابتسامة عريضة وبريق في عينيها.
بدت لي أكثر ثباتًا وموثوقية من أي وقت مضى.
“شكرًا يا صوفيا. أنا أيضًا انتهيتُ من الاستعداد.”
ارتديتُ اليوم فستانًا أحمر اللون، وهو لون لا أرتديه عادة.
وضعتُ حول عنقي عقدًا من الجمشت الأرجواني الداكن.
وفي أذنيّ أقراط كبيرة من الياقوت الأرجواني اللامع.
ارتديتُ كل هذه الألوان لأن جيفري يملك شعرًا أحمر وعينين أرجوانيتين.
‘حتى الملابس وحدها يمكن أن تعبّر عن مدى هوسي به.’
هكذا يفعل المهووسون عادة.
في البداية يكرهون لون شعر البطلة، ثم يصبح ذلك اللون مفضلاً لديهم،
وحتى يصابوا بقلق الانفصال إذا لم يروه.
‘نعم. إذن يجب أنطلب المزيد من الفساتين الحمراء والأرجوانية.
أتمنى أن يشعر جيفري بالاشمئزاز الشديد عندما يراني هكذا.’
فكرتُ هكذا وناديتُ:
“صوفيا، حان وقت الانطلاق. هل أعددتِ العربة؟”
أومأت صوفيا برأسها بحماس كأنها تنتظر هذه اللحظة:
“نعم بالطبع! يمكننا الانطلاق الآن في الحال!”
التعليقات لهذا الفصل " 4"