«ومضات من زجاجٍ مكسور، ودفءٌ يختبئ خلف اللهب البارد.»
كان الصمت كستارٍ ثقيلٍ يُغطي القاعة حين قال الخادم بنبرةٍ مُحكمةٍ بعد أن أنهى تحريّاته بدقةٍ متناهية:
“لقد تفقدت الأمر بعنايةٍ، مولاي، ولم أجد أي أثرٍ للسحر. بل إنّ مدير المعبد ذاته اعترف بأنّ المبنى لم يخضع لأيّ صيانةٍ منذ زمنٍ بعيد.”
كأنّ كلماته تلك كانت المسمار الأخير في نعشِ التبريرات؛ فالأمر لم يكن سوى حادثٍ عابرٍ بائسٍ، بلا أثرٍ لِلعوالم الخفيّة التي تشتهي العقول الاتكاء عليها حين تعجز عن الفهم.
“هذا مستحيل!”
زمجر المركيز بغضبٍ محتقنٍ، وقد تلوّنت ملامحه بلونٍ من السخط القاتم.
غير أنّ نُكس، الذي كان يقف خلفه متّكئًا على ذاته بثقةٍ جليديّة، شبك ذراعيه ببرودٍ، وقال بصوتٍ ناعمٍ يحمل تحت سكونه حدّةً تُخفي نصلًا من السخرية:
“حتى لو كانت ديلانش وراء الأمر… فأبي، أنت أول من يعلم أنّهم لا يجرؤون على العبث داخل المعبد الأعظم نفسه.”
تلك الكلمات، على بساطتها، كانت كالسهم يغوص في كبرياء المركيز؛ فغامت عيناه بغضبٍ صامتٍ، وتقلّصت ملامحه كأنّها ترفض الاستسلام للحقيقة.
وقبل أن يتفجّر الجدال العقيم بينهما، انبثق صوتٌ هادئٌ من بين ثنايا التوتر، صوتٌ رقيقٌ كالنسيم لكنه قادرٌ على تمزيق حواف الغضب:
“بالمناسبة… ذلك الطائر الذي سقط، ألم يُقال إنه اصطدم بالنافذة من الخارج؟”
التفت الجميع نحو سيسيليا، التي كانت تتحدث بثباتٍ ناعمٍ يخفي وراءه بحرًا من التفكير البارد.
“يُقال ذلك، نعم.” أجاب الخادم بترددٍ خفيف. “الغريب أن القاعة الثانية كانت خالية وقتها، وقد وُجد الطائر ميتًا خارج الجدار، لا في الداخل. لِمَ تسألين يا آنستي؟”
“لا شيء… مجرّد فضول.”
‘من الخارج إذن…’
راحت عيناها تلمعان بتلك النظرة التي تُشبه شرارةً تخترق الظلام، بينما كانت الخيوط تتشابك في ذهنها بخفّةٍ قاتلة.
الزجاج كان سميكًا، والطائر لا يتجاوز حجم كفّ اليد، والقدرة على الكسر تتناسب مع الكتلة… من المستحيل أن يخترقه. وإن كان موضع الارتطام مائلًا قليلًا نحو الخارج، فالشظايا لا بدّ أن تهاوت إلى الفناء لا إلى الداخل.
أومأت بخفّةٍ بعد أن رتّبت أفكارها في ذهنها الهادئ.
‘لا حاجة لافتراضِ السحر إذن. فرضيّة أبي لا تقوم على منطقٍ قط.’
لكن المركيز كان رجلًا تُغذّيه الظنون أكثر مما تغذّيه الحقائق.
“سأتواصل مباشرةً مع سموّه في القصر. لا بدّ أنّ هناك شيئًا خفيًا وراء هذا الحادث.”
‘انتهى النقاش، أليس كذلك؟ أستطيع العودة إلى غرفتي الآن.’
مدّت يدها تلاعب شعر القطّ الصغير “تشارلز” الذي كان يخرخر في دفءٍ مطمئن، لكن عينها التقطت شيئًا فوق الطاولة — صحيفةٌ ألقيت هناك بإهمالٍ، كأنها لا تهمّ أحدًا.
تناولتها بنظرةٍ عابرةٍ، فإذا بالصفحة الأولى تزهو بعنوانٍ ضخمٍ عن النجاح الساحق للمشروع المشترك بين دوقية ديلانشي والأميرة الإمبراطورية في مجال المواد الجديدة، تتدفق تحته سطور المديح والإطراء.
‘آه، إذًا لهذا كان مزاجه متعكرًا.’
ابتسمت بخفةٍ ساخرة، وأخذت تقلب الصفحات إلى أن استوقفتها عناوينٌ أكثر حِدّة، كأنها سكاكين مغروسة في لحم السلطة:
«هل زعيم برج السحر هو المتورّط الحقيقي وراء شبكة المقامرة غير القانونية؟»
«إلى أين تمضي قدسيّة المعرفة السحرية؟»
انبثق في عينيها بريقٌ خفيٌّ يشبه وميض الصيد في ليلٍ صامت. تابعت قراءة المقال حتى نهايته، ثم رفعت رأسها قائلة:
“أبي، هل لي أن آخذ هذه الصحيفة معي؟”
لم ينتظر جوابًا، فقد كانت قبضتها قد أحكمت على الورق حتى تمزّقت حوافه تحت ضغط أصابعها.
وحين عادت إلى غرفتها، نزعت الجزء السفلي من الجريدة ببطءٍ متعمّدٍ، ثم طوته ودفنته في جيبها كما يُخفى سيفٌ صغيرٌ في عباءةٍ حريرية.
ارتدت معطفها على عجل، وقالت ببرودٍ عذبٍ وهي تمسك مقبض الباب:
“سأذهب اليوم إلى قصر راين لإكمال الدرس هناك.”
“ماذا؟!” صاحت ميلاني بخوفٍ ظاهرٍ في عينيها. “يا آنسة، لقد أمر المركيز بعدم خروجك من القصر! قال إنّ الأمر قد يكون خطرًا!”
ابتسمت سيسيليا ابتسامةً دقيقةً كأنها تُشفق على جهلهم، وأجابت بخفّةٍ تفيض ثقة:
“إنه المنزل المجاور فحسب. لا داعي لكل هذا القلق، سأعود قريبًا.”
“آنسة سيسيليا!”
لكن النداء تلاشى خلفها. عبرت السور بخفّةٍ تشبه تحليق طائرٍ متمرّد، كما لو أنها تهرب من قفصٍ ذهبيٍّ يخنق أنفاسها، واتجهت إلى القصر المجاور. طرقت الباب طرقاتٍ متتابعةٍ حادّة، دوّى صداها في الممرات كصوتِ قلبٍ يخفق في الظلام.
فُتح الباب فجأةً، وإذا بوجهٍ مألوفٍ يطلّ عليها:
“سيسيليا! أيّ شرفٍ هذا أن تأتينا في هذه الساعة؟!”
كان صاحب المنزل بنفسه من استقبلها، لا خادمه. وعلى غير المتوقع، كان لا يزال يرتدي رداؤه الغامض المائل إلى البنفسجي، حتى داخل بيته.
‘حتى هنا لا يخلعه؟ يا للعجَب.’
تأمّلته بعينين لامعتين كأنّهما تزنانه بميزانٍ خفي، ثم قالت بنغمةٍ ماكرةٍ تخفي تحتها ابتسامةً واثقة:
“قرّرت أن نجري الدرس هنا اليوم. نحن صديقان، أليس كذلك؟ لن يعترض أحد.”
كانت قد جاءت قبل الموعد بأكثر من ساعتين، ومع ذلك لم يبدُ عليه سوى الارتباك اللطيف، وقد حاول أن يخفيه بابتسامةٍ متلعثمةٍ وهو يقول:
“بـ، بالطبع! تشرفينني يا آنستي. من هذا الطريق، أرجوك.”
تجاوزته سيسيليا بخطواتٍ ثابتةٍ رشيقةٍ، كأنها ليست ضيفةً بل سيدة هذا المكان الذي سكنه الصمت.
كان القصر فسيحًا، عتيق الطراز، تغلف جدرانه هالةٌ من الجلال القديم؛ لا زخارف ولا بهجة، فقط فخامةٌ صامتةٌ تشبه هيبة المقابر الملكية.
غير أنّ شيئًا ما كان ناقصًا… الحياة.
توقّفت لحظةً، وعيناها تجولان في المكان: مقشةٌ واقفةٌ قرب الحائط، خرقةٌ تحت النافذة، دلْو ماءٍ نقيّ، ولكن لا أحد حولها.
‘هذا غريب…’
أدركت فجأةً مصدر ذلك الانقباض الذي شعرت به منذ دخولها. الهدوء. الهدوء العميق الذي يُشبه موتًا مؤجلًا.
“أين الجميع؟ لا أرى أيًّا من العاملين هنا.”
ارتدّ صوتها في القاعة الواسعة كصدى يرفض أن يختفي.
تجمد ليين للحظة، قبل أن يبتسم بتوترٍ واضح:
“آه… اليوم عطلتهم جميعًا!”
“جميعهم؟ في يومٍ واحد؟”
“نعم، أُفضّل منحهم إجازاتٍ منتظمة، كما تعلمين. أنا معتادٌ على العيش وحدي.”
“يا لك من سيّدٍ كريم إذن.”
قالتها بنغمةٍ لا تخلو من السخرية الهادئة، بينما راح يحكّ رأسه بخجلٍ مُتكلّف، ثم أشار نحو الممر الطويل.
“من هنا، أرجوكِ. هذه الغرفة أستخدمها كثيرًا، أتمنى أن تتقبّلي بساطتها.”
كانت الغرفة صغيرةً، خافتة الضوء، خاليةً إلا من أريكةٍ جلديةٍ متداعيةٍ ومكتبٍ عتيقٍ مكدّسٍ بكتبٍ غامضةٍ تتراكم كأسرارٍ قديمة. وبجانبها بطانيةٌ مطويّةٌ على عجلٍ ووسادةٌ صغيرة.
لكن ما استوقفها حقًا… كان اللهب.
مدفأةٌ تشتعل بشراسةٍ رغم دفء الجوّ، بلهيبٍ لا يمنح أيّ دفء.
نيرانٌ بلا حرارة. كأنها تحترق لأجل شيءٍ آخر غير الضوء.
“أرجو أن لا أكون قد جئت في وقتٍ غير مناسب.”
قالتها وهي تميل برأسها بخفةٍ ناعمة، في حين أسرع ليين لإطفاء النار وهو يقول بتلعثمٍ مُضحك:
“لا، لا! لست مريضًا، أقسم! فقط… أردتُ أن أجرّب إشعالها.”
تصاعد دخانٌ رقيقٌ من الرماد، وانعكست أنواره الباهتة على عيني سيسيليا وهي تجلس على الأريكة كملكةٍ تتربع على عرشٍ لا يُرى.
“أظنّك وعدتني أن تعلّمني رقص الصالونات اليوم، أليس كذلك؟”
ارتبك، ثم تناول ثلاثة كتبٍ من على الطاولة، وراح يقرأ عناوينها بفخرٍ مبالغٍ فيه:
«دليل المبتدئين في رقص الصالون»
«تعلّم الرقص بخطواتٍ بسيطة»
«سيّد الرقص الأعظم!»
‘سيّد الرقص الأعظم؟ حقًا؟’
كاد الضحك يفرّ من بين شفتيها. رفعت بصرها نحوه في صمتٍ ساخرٍ، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ باردٍ يشبه نغمة الكمان في ليلةٍ ممطرة:
“هل ستعلّمني الرقص من خلال الكتب يا ليين؟”
“أ—أقصد… نعم؟”
اقتربت منه بخطواتٍ بطيئةٍ مهيبةٍ، كأن كل خطوةٍ تنسج خيطًا من السحر في الهواء.
مدّت يدها، وأمسكت بمعصمه برفقٍ خاطفٍ جعل أنفاسه تتوقف.
تجمّد.
وعيناه تلتقيان بعينيها البنفسجيتين اللتين تلمعان بوميضٍ يختلط فيه الغموض بالإغراء.
في تلك اللحظة، لم يكن في الغرفة سوى صوت أنفاسٍ خافتةٍ، ولهيبٍ خامدٍ، وتوترٍ غامضٍ يسري بينهما كما يسري السحر في الدم.
كان لقاءً عاديًا في الظاهر…
لكنّه حمل في أعماقه شيئًا أخطر من الاعتراف، وأجمل من الخطر نفسه.
مدّت سيسليا يدها برفق، وجذبت معصمه بخفةٍ كأنّها تداعب نغمةً هشّة في الهواء. وحين اقترب وجهها من وجهه حدَّ الأنفاس، انعكست في عينيها الزّرقاوين اللامعتين حمرةُ البنفسج التي تومض في عينيه.
“ألَا يجوز؟”
تدفّقت كلماتها بخفةٍ متعجرفةٍ، كأنها تعوّدت اللعب بالخطر كما يتعوّد المرء التنفّس. انزلقت أصابعها من معصمه إلى ظهر كفّه، تغطيه بلمسةٍ أثارت في الهواء رجفةً خافتة. ارتدّ ريان خطوةً إلى الوراء، أو هكذا حاول—لكن قدميه أبتا الحراك.
لم يكن في عنقه طوق، ومع ذلك بدا كأن خيطًا خفيًا قد كبّله في مكانه. تنفّس ببطءٍ، صوت أنفاسه يحمل تنهيدةً مخنوقةً حين تمتم في همسٍ منكسر:
“هل… هل يُسمح لي بلمسِكِ يا سيسليا؟”
“بالطبع.”
كيف لا، وهما يلتصقان أصلًا؟
حرّك شفتيه كمن يبحث عن مفرّ من ارتباكه، ثم نهض فجأة، فسقطت الكتب من يده محدثةً صوتًا مكتومًا. مدّ يده الأخرى، مترددًا، لكنها ثبتت في الهواء كمن يُسلّم نفسه للقدر.
تشابكت أيديهما. قادها إلى وسط الغرفة في انسيابٍ صامتٍ، وقفا متقابلين، كأن الزمن حولهما توقّف احترامًا للمشهد.
قال بصوتٍ منخفض:
“أرجوكِ، اتبعي خطواتي أولًا.”
“حسنًا.”
لم تكن بارعةً في استخدام جسدها، لكن سيسليا أومأت بثقةٍ واهية. لا جمهور هنا، ولا أوركسترا—فقط غرفة صغيرة تعجّ بظلالٍ راقصة.
من آلةٍ تشبه الفونوغراف انسابت موسيقى بطيئة، حزينة، تتخللها فرقعاتٌ خافتة.
تحرّك راين بانسيابٍ متأنٍ، خطواته محسوبة، ناعمة، كأنه يحاول أن يعلّمها الرقص دون أن يوقظ الريح.
كانت تتابعه بلا عناء، فحركاته المرهفة سهّلت عليها التعلّم.
لكن كلّما تقلّصت المسافة بينهما دون قصدٍ منها، اضطرب صدره في ارتعاشٍ واضح، وتلهّبت وجنتاه بحمرةٍ فاضحةٍ تحت ضوء المدفأة الخافت.
رفعت سيسليا بصرها إليه، تتأمل ذاك الارتباك الصادق في ملامحه، ثم قالت فجأة:
“راين.”
“نعم؟”
“ما رأيك في سيد البرج؟”
توقّف فجأة، كما لو تعطل داخله تروس ساعةٍ دقيقة. كانت كلماتها غريبةً عن سياق الدرس، لكنها في الحقيقة السبب الذي جاء بها إلى هذا المكان.
ارتجفت أصابعه قليلًا وهو يجيب بصوتٍ واهن:
“لمَ… لم تسألين عن ذلك؟”
“اليوم قرأتُ صحيفة العاصمة، وكان فيها مقالٌ عن سيد البرج. يقولون إنه إنسان شرير للغاية.”
بحدّةٍ مفاجئة، نفى كلامها قائلًا:
“مجرد إشاعةٍ تافهة، لا تصدقي ذلك.”
“حقًا؟”
“نعم!”
تشابكت أيديهما بإحكامٍ دون أن يدرك ذلك، لكن ضغطه المتوتر كان أبلغ من ألف اعتراف.
تأمّلته سيسليا لوهلةٍ، ثم أفلتت يده ببطءٍ قبل أن تنتهي الموسيقى، وتراجعت خطوتين للخلف.
“سيسليا…؟”
رفع رأسه إليها بخوفٍ غامض، لكن ابتسامتها كانت هادئةً، مشوبةً بوميضٍ من حدسٍ خطير.
قالت بصوتٍ مائلٍ بين السخرية واليقين:
“راين، أنت ساحر… أليس كذلك؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"