كانت الشرارة التي أوقدت لهيبَ الشكّ تخبو أسرع ممّا تخيّل الجميع، كأنّها لم تكن سوى همسةٍ عابرةٍ تاهت في فوضى ريحٍ تئنّ من وطأة الأسرار. لم يُتح لهم أن يُبصروا ما تخبّئه قاعةُ الصلاة في أحشائها الغامضة، إذ ربما كانت الأنقاضُ في الداخل أشدّ هولًا من تلك المبعثرة في الخارج، أو لعلّ في أعماقها صدمةً ثانية وُلدت ولمّا تزل تصرخ بصمتها بين الجدران المهيبة.
‘قال نوكس إنّه سيتفحّص الوضع… سأكتفي بسؤاله حين يعود.‘
تمتمت بذلك وهي تنفض عن صدرها ثِقَلًا غامضًا كأنّها تزيح غيمةً رماديةً علقت بروحها، وما إن كادت أن تستعيد أنفاسها حتى بدت البوّابة الرئيسيّة للمعبد في الأفق، شامخةً كالقدر نفسه.
عند العتبة المقدّسة، رأت سيسيليا فرسان آل ويبردين مصطفّين بوقارٍ كتماثيل من الحديد، والعربات تنتظر بصبرٍ أمام الدرجات الرخامية الباردة. في تلك اللحظة شعرت أنّ الفرصة قد أتتها أخيرًا لتُنهي تلك المرافقة الثقيلة التي أحاطت بها كطوقٍ من الجليد.
ابتسمت بخفّةٍ خادعةٍ وانحنت قليلًا نحو الفارس المرافق.
“يمكنك التوقّف هنا، لا داعي لأن تُكمل أكثر.”
لكنّ صوته جاء مشدودًا بحبال الحرص والواجب:
“سأطمئنّ إلى رحيلك بسلامٍ قبل أن أتركك، يا سيدتي.”
قالت وهي تشير إلى فرسانها الواقفين في انتظارها:
“لكن فرسان ويبردين كُثرٌ اليوم، وقد كلفتك من العناء ما يفوق اللزوم. أشكرك على مرافقتي.”
كانت كلماتها الهادئة رفضًا مغطّى بالمجاملة، أجبر ميغيل على أن يُومئ بإيماءةٍ صغيرةٍ اختلط فيها الإذعان بشيءٍ من المرارة.
“إذًا، لعلّ القدر يجود بلقائنا مجدّدًا، يا سيدتي القديسة.”
ووضع يده على صدره محنيّ الرأس في تحيّةٍ رسميةٍ تخصّ فرسان الهيكل، عوضًا عن تقبيل يدها كما يفعل النبلاء.
وحين تلاشى ظله في البُعد، التفتت سيسيليا إلى فرسانها الذين كانوا ينتظرون أمرها، وقد انزاح عن وجهها قناعُ التهذيب الرسميّ لتعود إليها ملامح السيّدة التي لا تُجامل في أوامرها.
“هل وجدتموه؟”
“نعم، وجدناه.”
ومن بين الأجساد الضخمة للفرسان، خرج رجلٌ متردّد الخطى، منكّس الرأس كمن يحمل ذنبًا لا يُغتفر. كان جسده العريض ينافس الفرسان حجمًا، غير أنّ ثوبه الأسود الفضفاض ووقفته المنكمشة جعلاه يبدو كطيفٍ ضائعٍ بين ظلالٍ لا تنتمي إلى المكان.
“راين.”
ارتجف الرجل ذو الرداء حين نادت اسمه، ورفع رأسه ببطءٍ ليكشف عن وجهٍ جميلٍ كأنّ النور تجرّأ فلامسه للمرة الأولى منذ دهور.
كانت قد أمرت فرسانها في سرٍّ قائلةً:
بين الحشود المغادرة، أمسكوا بالرجل ذي الرداء الأسود.
فقد كانت واثقة أنّه لن يبرح المكان قبل أن يطمئنّ عليها — هكذا هو دومًا، كظلٍّ يتبع نورها أينما ذهبت.
وفي معبدٍ مهيبٍ كهذا، لم يكن ثمة من يتخفّى في عباءةٍ سوداء سواه.
ويبدو أنّ حدسها لم يُخطئ.
“سيسيليا…”
تمتم باسمها بصوتٍ متردّدٍ يشبه خفقة قلبٍ مذعور، وأمسك بطرف ردائه كطفلٍ ضبطته يدُ المعلّم على خطيئةٍ صغيرة.
كانت تنوي أن تسأله ما الذي أتى به إلى هذا المكان في تلك اللحظة، غير أنّ كلماته سبقتها كطلقةٍ مرتجفةٍ في صمت المساء.
“هل… هل أصابك مكروه؟!”
“كما ترى، أنا بخير تمامًا.”
قالتها للمرة المئة منذ الحادثة، ولكنّ عينيه لم تقتنعا.
كانت نظراته تلتهمها بجنونٍ خفيّ، تفحصها كما لو أراد أن يتأكّد أن كلّ ذرةٍ منها ما زالت على قيد السلامة؛ من خصلات شعرها المتناثرة على كتفيها، إلى ملامح وجهها، فيديها وخصرها وقدميها.
وحين اطمأن أخيرًا، تنفّس بارتياحٍ عميقٍ تمتم معه بحمدٍ خافتٍ كأنه صلاةٌ خرجت من بين رماد الخوف.
تجاهلت همسه وقالت بهدوءٍ رزينٍ كسطح بحيرةٍ ناعمة:
“لكن ما الذي أتى بك إلى هنا يا راين؟”
“ذلك لأنّي…”
كانت نبرتها خاليةً من الغضب، ومع ذلك انحنى رأسه كمن تلقّى حكمًا لا يُردّ.
“راين؟”
ظلّ صامتًا، فتنهدت سيسيليا تنهدًا أثقل من الكلمات، وقد بدأت تشعر بوهنٍ يسري في أطرافها كما يسري الليل في أطراف النهار.
تجاوزته بخطواتٍ هادئةٍ وصعدت إلى العربة، ثم التفتت نحوه وقالت بصوتٍ واثقٍ يكسوه الهدوء:
“ألن تركب؟”
وبشيءٍ من الارتباك، أسرع إلى الصعود وجلس قبالتها.
تحرّكت العجلات، وبدأت العربة تهتزّ فوق الطريق المرصوف، كأنّها تمضي بهما في دربٍ من المجهول.
“راين.”
تصلّبت كتفاه عند نطق اسمه، ورفعت هي عينيها نحوه من خلف نظّارتها ذات الإطار الفضيّ.
كانت عيناه البنفسجيتان ترتجفان كزورقٍ صغيرٍ يقاوم أمواجًا لا ترحم.
‘لا، لم يأتِ صدفة… بل تبعني بعمدٍ واضح.‘
قالت بابتسامةٍ خفيفةٍ تحمل في طيّاتها اختبارًا:
“لم أكن أتوقّع أن أراك في المعبد. لا تقل لي إنّك كنت تتبعني، أليس كذلك؟”
كان سؤالها نصفه مزاحٌ ونصفه حدس، لكنّ وقع كلماتها جعله يشحب كالجليد حين يُلسع بالنار.
عضّ شفتَه السفلى وشبك أصابعه المرتجفة كمن يحاول أن يُمسك بأعصابه المتفلتة.
“لـ… لا إطلاقًا! لم يخطر ببالي أن أُزعجك أو أتطفّل عليكِ! سمعت فقط أنّ المعبد الكبير قريبٌ من هنا، فقلت إنها فرصة لرؤيته… لم أكن أعلم أنّكِ ستزورينه، أقسم أنّي لم…”
لكنها لم تُنصت إلى بقية تبريراته المرتبكة، إذ امتدّت يدها برفقٍ وأمسكت يده المرتعشة في لمسةٍ خفيفةٍ كسحرٍ يُسكّن العاصفة.
“أنا لا ألومك، راين.”
رفع بصره إليها ببطءٍ، وصوته يتهدّج برجاءٍ خجول:
“إذًا… لم تُغضبك تصرّفاتي؟ لم أكن فظًّا معك؟”
رفرفت أهدابه الطويلة كجناحين مبلّلين بالمطر، فتسرّب إلى قلبها شعورٌ غريبٌ من الشفقة الممتزجة بالحنين.
‘هل جُرح من قبل؟ هل طُعن بكلمةٍ قاسيةٍ من امرأةٍ أحبّها؟‘
كانت تعرف أنّ ثقته بنفسه هشّة، لكنها الآن تراه ينكسر أمامها كزجاجٍ رقّته شفافية الضوء.
مسحت جبينها براحتها، وقالت بصوتٍ خافتٍ كاعترافٍ يوشك أن يُقال:
“لا، ما أردت قوله هو… أنّي كنتُ لأُسرّ لو أنّك اكتفيت بأن تطلب مرافقتي.”
“حقًا؟ أيمكنني… أن أكون برفقتك؟”
كان صوته حينها أقرب إلى رجاءٍ طاهرٍ يخرج من قلبٍ لا يعرف الخداع.
‘يا إلهي، إنّه ميؤوسٌ منه…‘
فكّرت بارتباكٍ خفيفٍ وابتسمت لنفسها ابتسامةً لا يراها أحد.
ومع ذلك، لم تستطع رفضه.
فقد كانت تضعف أمام كلّ ما هو لطيفٌ وضعيفٌ في آنٍ واحد.
“بالطبع.”
قالتها بابتسامةٍ دافئةٍ جعلته يَحمَرّ من شدّة الارتباك، وكأنّ العالم بأسره قد تلخّص لتوّه في تلك الكلمة.
“شكرًا… إذن يُمكنني البقاء إلى جانبك.”
وقبل أن تستوعب، كان قد أدنى يده من يدها وربط أصابعه بها، مغمض العينين برضا طفلٍ امتلأ صدره بالعسل والسكينة.
‘يا إلهي… هذا الرجل خطرٌ على البصر والعقل معًا.‘
قالت في سرّها وهي تُخفي ارتجافةً خفيفةً سرت في صدرها، ثم التفتت لتسأل بنبرةٍ خفيفةٍ متزنةٍ تصرف الحديث:
“رأيتك تخرج من قاعة الصلاة، هل كنت تُصلّي؟”
“آه، نعم… كنت.”
“أنت قادمٌ من العاصمة، أليس كذلك؟ لم أكن أعلم أنّك تؤمن بالحاكم.”
لم يكن سؤالها سوى ملاحظةٍ عابرة، ومع ذلك سقط على مسمعه كاعترافٍ ثقيلٍ.
انخفض بصره وأومأ بخفوتٍ دون أن ينبس بكلمة.
فابتسمت ابتسامةً واهنةً وقالت:
“همم… حسنًا، في المرة القادمة التي أزور فيها المعبد، سنذهب معًا إذًا.”
“ن-نعم!”
ارتفع صوته بحماسةٍ مفرطةٍ كأنّها منحت وعدًا لا يُقدّر بثمن.
ضحكت سيسيليا بخفّةٍ ناعمةٍ، ثم أزاحت نظرها نحو النافذة.
كانت الظلال تنزلق على الزجاج، وفي انعكاسها بدا وجه راين الوادع، مغمورًا بابتسامةٍ سعيدةٍ لا تخفيها التورية.
لكن ابتسامتها هي راحت تتلاشى رويدًا حتى عاد وجهها إلى صمته القديم.
‘قال إنّه يؤمن بالحاكم…‘
همست في داخلها بسخريةٍ باردةٍ مغموسةٍ باليقين.
كذب.
ذلك مستحيل.
لأنّ راين… لم يكن مؤمنًا — بل كان ساحرًا.
في زمنٍ غابرٍ من البحث والجنون، حين كان أحد زملائه يغرق في دوّامةٍ لا تنتهي من التجارب المكرّرة، قال له راين بنبرةٍ باردةٍ تواري السأم:
“كلّ هذا الإرهاق العقلي ليس سوى نتاجٍ لهرموناتٍ مضطربةٍ وناقلاتٍ عصبيّةٍ مختلّة، جرب شيئًا يحتوي على السيروتونين، ربّما يساعدك.”
ملاحظة :
السيروتونين (Serotonin):
هو مادة كيميائية (ناقل عصبي) في الدماغ تساعد على تنظيم المزاج والنوم والشهية والمشاعر.
عندما تقلّ نسبة السيروتونين، قد يصاب الشخص بالاكتئاب أو التوتر أو اضطراب المزاج.
لذلك هناك أدوية تُسمّى مضادات الاكتئاب تعمل على زيادة مستوى السيروتونين في الدماغ لتخفيف القلق أو الحزن.
[ليت ذلك الأحمق يُطفئ جهاز T أخيرًا.]
ملاحظة :
“T” هنا معناها الـ Thinking Function في تصنيفات MBTI — اللي هي الوظيفة المنطقية أو التحليلية، مش جهاز فعلي
لكنّ زميله لم يستقبل كلامه بالامتنان، بل صبّ عليه سيلًا من التوبيخ.
آه، لو كان راين يعلم آنذاك أنّ هناك علاجًا أعظم، أرخص، وأعمق أثرًا من كل العقاقير، علاجًا لا يُقاس بكمّ المواد الكيميائيّة التي تُحقَن في الجسد، بل بالسكينة التي يسكبها في الروح…
لربّما ما كان ذاك الزميل ليستنزف آخر ما يملك من مالٍ ليطرق أبواب مصحّةٍ عقليّةٍ عقيمة، ولا كان راين سيتحمّل اللوم على فشل الأدوية التي وصفها له.
في مكتب السيّد المركيز ويبردين، حيث اجتمع كبار القصر ونخبة الرجال، جلست سيسيليا فوق الأريكة المخمليّة، وقد حملت على ركبتيها تشارلز الصغير، ذلك المخلوق الوثير الذي لم يكن سوى قطةٍ رقيقةٍ انقلبت علاجًا سماويًّا لنفسٍ أنهكتها العواصف.
كانت تدرك في تلك اللحظة حقًّا ما يُسمّى بـ العلاج بالحيوان — تلك المعجزة التي تُعيد التوازن إلى الأرواح المتعبة دون دواءٍ أو سحرٍ أو صلاة.
كان الدفء المتسلّل من جسده الصغير يغمر كفّيها، ولسانه الخشن يمرّ على أصابعها بمداعبةٍ طفوليّةٍ تشبه الاعتذار، أما فراؤه الناعم فكان كملمس الطمأنينة نفسها.
لكنّ هدوءَها ذاك لم يُرضِ والدها المركيز، الذي ارتفع صوته فجأة حتى اهتزّت أروقة المكتب الفخم.
“أهذه مزحة؟! حادثٌ داخل المعبد؟! ولابنتي سيسيليا بالذات؟! لا بدّ أنّ أولئك الأوغاد من آل ديلانش هم من دبّروا الأمر!”
رمى الصحيفة التي كان يمسكها فوق المكتب بعنفٍ جعل الحبر يتناثر كغبارِ الغضب نفسه.
كان المركيز معروفًا برباطة جأشه، لكنه ما إن يُذكَر الإمبراطور وأعوانه، حتى يغلي دمه كبركانٍ قديمٍ استيقظ من سباته.
‘ديلانش…‘
ردّدت سيسيليا الاسم في سرّها بتأنٍّ متعمّد، كمن يتذوّق سُمًّا قديمًا عرفه من قبل.
فقد سبق وأن درست الأمر مع راين في أحد دروسهما الطويلة.
[في الإمبراطوريّة الحاليّة، هناك سلالتان من السحَرة تُعدّان الأعظم تأثيرًا.]
[سلالتان؟]
[نعم. بيت ويبردين، بيت النور والإيمان، يقف سندًا للهيكل المقدّس. أمّا ديلانش، بيت السحر والظلال، فهو الذراع اليمنى للعائلة الإمبراطوريّة.]
تذكّرت أيضًا ما قاله والدها ذات مأدبةٍ قديمة، حين كان الغضب يطلّ من عينيه كسيفٍ مغمدٍ في نيرانٍ مقدّسة:
[يكفيني التفكير في أولئك الديلانشيين حتى تشتهي رأسي الانفجار.]
كان الحقد بين العائلتين واضحًا كالشمس في يومٍ قائظ، ولا حاجة لتفسيرٍ أعمق.
“آل ديلانش” — العدوّ الأبدي لآل “ويبردين”.
لذا لم يكن غريبًا أن يُلقي المركيز باللوم على ذلك البيت المشؤوم.
فحين وصل من رحلته بعد انتهاء مهامه العاجلة، وسمع بما أصاب ابنته، كان قد جزم في قرارة نفسه أنّ ما حدث لم يكن حادثًا عابرًا…
بل مكيدةٌ مدبّرة، نُسجت خيوطها في قصر ديلانشيه المظلم.
هل كان إيمانه بالمعبد عميقًا إلى حدّ العمى؟ أم أنّ بغضه للديلانشيين أعمى بصيرته؟
مهما يكن الجواب، فإنّ الحقيقة كانت واحدة لا تتبدّل.
وبينما كان المركيز يغلي غضبًا كبحرٍ ثائر، جلس نوكس، هادئًا على غير العادة، يراقب المشهد بعينٍ باردةٍ لا تعرف الانفعال، ثم رفع رأسه قليلًا وقال بصوتٍ منخفضٍ يقطر من الحكمة والجرأة:
“سيدي، لعلّ الأمور ليست كما تبدو…”
وهكذا، في تلك اللحظة المعلّقة بين العاصفة والصمت، كان الزمن نفسه يترقّب ما إن كانت كلمات نوكس ستهدّئ العاصفة… أم ستشعلها نارًا جديدة لا تُطفأ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"