ملحوظة : الفصل دا فيه إلحاد في أول جزئية فا أعملوا سكيب لكلام البطلة وأنا حاولت أقلل منه علي قدر المستطاع
كان ما يحمله بين كفّيه المنحنيتين ليس مجرّد شيءٍ تافهٍ من بقايا الدنيا، بل كان مشهدًا صغيرًا متجمّدًا في لحظةٍ من الأسى المقدس، قطعةً بيضاء من قماشٍ ناصعٍ تشعّ ببريقٍ باهتٍ، تتشابك على أطرافها خيوطٌ ذهبيةٌ كأنّها أوتارُ صلاةٍ خافتةٍ عُلّقت بين الأرض والسماء، ترتعش تحت لهب الشموع الذي يتماوج كأنّه أنفاس الملائكة في قاعةٍ نائمةٍ تحت ظلال الصمت الأبدي.
رفع طبقة القماش برفقٍ تامٍّ، بحذرٍ يشبه خشوع الكهنة أمام المعجزات، فإذا في جوفه يرقد جسدُ طائرٍ صغيرٍ متيبّسٍ، كأنّ الحياة كانت قد ودّعته قبل قرونٍ طويلة، تاركةً على وجهه الصغير آثارَ الصقيع، ونفَسًا أخيرًا لم يكتمل.
قال الرجل، بصوتٍ خفيضٍ انساب بين جدران القاعة كنسمةٍ تمشي فوق بحرٍ ساكنٍ لا يعرف الموج:
“وُجِد تحت نافذة قاعة الصلاة مباشرةً… لعلّه لم يُدرك وجود الزجاج فاصطدم به أثناء طيرانه، فاختلطت حريّته الأخيرة بموته.”
كانت كلماته تتهدّل في الأجواء كأجراسٍ حزينةٍ، إذ بدا رأس الطائر وقد اختلط فيه البياض بالدم، نصفه مهشَّمٌ، ونصفه الآخر يشهد على براءةٍ انكسرت دون ذنبٍ.
شهق البابا شهقةً قصيرةً كأنّها صلاةٌ مذبوحةٌ في حلقه، ثمّ تناول المنديل بيدين مرتجفتين؛ يدين لطالما باركت الملوك وأكفّ الخاطئين. أعاد تغطية الجسد الصغير برفقٍ مهيب، وارتفع صوته بالدعاء، خافتًا كأنّه يكلّم الحاكم سرًّا لا يُسمع:
“لقد وُلدتَ من السماء، وإليها تعود… فلتنعم بحريّتك الأبدية تحت نداء الحاكم الذي لا يزول.”
قالت سينا، وهي تحدّق بالمنديل الذي بدا وكأنّ الرحمة قد تسلّلت إلى نُسجه، بصوتٍ مرتجفٍ يحمل رائحة الحزن الطفوليّ:
“كم هو صغير… كم يبدو ضعيفًا، ومسكينًا.”
ورغم فظاعة المنظر، كان قلبها الغضّ يغلبه الحنان قبل أن يبلغه الخوف، فتلألأت على أطراف رمشيها دمعةٌ كأنّها لؤلؤةٌ وُلدت من رحم الرحمة ذاتها.
مدّ البابا يده، وربّت على رأسها كما يفعل أبٌ عجوزٌ مع طفلته الضائعة في دهاليز القدر، وقال بصوته العميق المفعم بالهيبة:
“كلّ حياةٍ، وكلّ موتٍ يا ابنتي… هو مشيئة الحاكم التي لا تُردّ.”
لكنّ تلك الكلمات، التي كان يُفترض أن تُسكّن الأرواح، ارتدّت في أعماقها كالسهم في صدرٍ عارٍ.
‘مشيئة الحاكم؟’ فكّرت، وصدى الفكرة يرنّ في قلبها كجرسٍ من نحاسٍ باردٍ.
أيكون ارتطام طائرٍ بزجاجٍ لا يُرى ومصرعه البائس، بل وكاد رأسها هي يُثقب بسببه—كلّ ذلك مشيئة الحاكم؟
‘كان عليّ أن أرفع نظري لا أصبعي، وأسأل السماء لماذا.’
تمتمت في أعماقها بمرارةٍ خفيّة، وعيناها تحدّقان في تمثالٍ صغيرٍ لحاكم وُضع على الطاولة، تنظر إليه نظرةً واجمةً يختلط فيها الحزن بالعتاب.
وفي تلك اللحظة، تسلّل إلى الأجواء صوتٌ هادئٌ، حادٌّ كحدّ نصلٍ صُقِل بالمكر، ومغموسٌ في نعومةٍ باردةٍ…
“يبدو أنّ الحاكم قد أخطأ هذه المرّة في حكمه.”
‘هاه؟ هل نطقتُ بما في نفسي؟’
تجمّدت أنفاسها، لكنّ النظرات المذعورة لم تتجه إليها… بل إلى البابا ذاته.
“صاحب القداسة؟!”
كان الهمس يحمل ذهولًا خالصًا، كأنّهم سمعوا الكفر ينطق بلسان السماء، غير أنّ الرجل، الذي كان يفترض أن يرتجف اسمه وحده، لم يبدُ عليه أدنى اضطرابٍ؛ رفع كتفيه بلامبالاةٍ مهيبةٍ، كأنّ العالم كلّه مجرّد غبارٍ على ثوبه الأبيض.
قال بصوتٍ ساكنٍ، عميقٍ، كأنّه اعترافٌ يُقال في منتصف عاصفةٍ ليليةٍ تحت نوافذ المعبد:
“يقال إنّ النار الحامية، والطرق المتكرّر على الحديد، يُنجبان السيف الحادّ… لكن أخبروني، ألا يُعدّ موتُ روحٍ بريئةٍ ثمنًا مفرطًا لمحنةٍ يُفترض أن تكون ذات معنى؟”
ساد صمتٌ عظيمٌ، ثقيلٌ كالخطيئة.
ثمّ أضاف بصوتٍ أكثر دفئًا، موجّهًا إليها، يحمل في نبراته عطفًا يشبه الحنان الذي يسبق الخطر:
“وفوق كلّ ذلك… كادت السيدة القدّيسة أن تُصاب.”
كانت نبرته حين نطقها ناعمةً على نحوٍ يُذيب الجليد من بين الأضلاع. الصوت ذاته… الذي لا تزال أصداؤه تهمس في ذاكرتها منذ ذلك اليوم البعيد.
[«تصادف أن هوايتي المشي… هل لي بشرف مرافقتك؟ إنه ليس بالكثير، لكن اعتبريه رشوةً صغيرة.»]
تذكّرت كيف انحنى أمامها في رواقٍ باردٍ تفوح منه رائحة البخور، وخلع حذاءه ليمنحها إياه حين كانت تائهةً في جسدٍ غريبٍ ووطنٍ لا تعرفه، تفرّ من الغرفة حافيةً مرتجفةً، بينما كان هو يركع دون تردّدٍ أمام ضعفها.
تأمّلته الآن، في ابتسامته تلك التي ما زالت تحتفظ بنفس اللطف القديم، بالسكينة التي تُخفي عاصفةً لا تُرى، ومرّ بخاطرها سؤالٌ غريب:
هل هي رقة الإيمان تلك التي تجعل منه رجلًا بهذه الطهارة الظاهرة؟ أم أنّه فقط يبتسم بهذه الطريقة لأنه عرّاب سيسيليا؟
كانت يده الدافئة، تلك التي يعرفها الجميع ببركتها، تمسّ ظهر كفّها الآن برفقٍ حذرٍ كأنّه يلامس زجاجًا مقدّسًا، أو يوقظ نورًا خفيًّا من سباته.
‘آه…’ فكّرت، وشعورٌ غامضٌ يهبط على قلبها كغروبٍ من حريرٍ سماويٍّ.
تسلّل الدفء إلى صدرها ببطءٍ، يُثقلها كالحلم، ويملأ الغرفة بضياءٍ خافتٍ كأنّ الشمس أرسلت آخر أنفاسها لتبارك تلك اللحظة.
لكنّه قال عندها، بصوتٍ هادئٍ يقطع سكون الروح كما يقطع الخنجر الماء:
“سأتأكد من اتخاذ التدابير اللازمة حتى لا يتكرّر مثل هذا الحادث مرةً أخرى.”
وفي تلك اللحظة، تلاشى كلّ الدفء كما يتبدّد البخار فوق كأسٍ نسيه صاحبه.
‘لا تقل إنك تقصد الحادث أثناء طقوس الغفران القادمة…’
قال، بابتسامةٍ مطمئنةٍ لا تخفي نواياها:
“كي تتمكّني يا سيدتي القدّيسة من المشاركة في الشعائر مطمئنّة القلب.”
‘رائع… لقد قصد هذا بالضبط.’
ظنّت أنّ ما حدث سيُنسى، أو يُطوى في صمتٍ كما تُطوى الأسرار في سجلات المعبد، غير أنّ كلّ اهتمامه، وكلّ كلماته، لم تكن سوى خيوطٍ متقنةٍ في نسيجٍ مقدّسٍ من الخداع المقدس.
في لحظةٍ واحدة، اقتُلِعَ من قلبها برعمُ التأثّر الذي بدأ يزهر كربيعٍ صغيرٍ في صدرها، وتحوّل إلى رمادٍ. رمشت بعينيها الباردتين، وأرسلت نظرةً إلى يدها التي لا تزال حبيسةَ قبضته الهادئة، تتساءل في صمتٍ يائس:
‘ربّما كان العيش بيدين تضيئان من تلقاء نفسيهما، خيرًا من كوني “قدّيسةً بلا قُدسيّة”.’
لكن يا للأسف… تلك اليدان اللتان كانتا تشتعلان نورًا في الماضي، لم تعودا تلمعان منذ زمنٍ طويل، كأنّ السماء نفسها قد صرفت بصرها عنهما.
* * *
كان ذلك عند اقتراب غروب الشمس حين خرجتُ من الغرفة التي كانت تُسمّى “غرفة التعافي”، لكنها في الحقيقة كانت مكانًا للقاء الفردي مع البابا.
هربت سيسيليا من أمام البابا الذي باغتها بسؤاله عن موعد زيارتها القادمة للمعبد، ولم تستطع أن تلتقط أنفاسها إلا بعد أن دفنت الطائرَ الصغير مع سينا في بقعةٍ تغمرها أشعة الشمس الذهبية. عندها فقط، شعرت أن بإمكانها العودة إلى القصر، كمن خرج لتوّه من دائرةٍ مقدّسة أنهكته طقوسها.
‘أريد أن أستلقي على سريري حالًا… أريد أن لا أفعل شيئًا، بقوةٍ تشبه الغضب.’
سواء في حياتها السابقة أو بعد حلولها في هذا الجسد، كانت من أولئك الذين يقضون ثلاثًا وعشرين ساعة من أصل أربعٍ وعشرين بين الجدران، ولهذا بدا يومها اليوم قاسيًا، ثقيلًا، أشبه بمحاكمةٍ أرهقت فيها الطبيعة نفسها.
كانت تخطو بخطواتٍ واهنة، كأن الأرض تبتلع بقايا قوتها، حين شعرت بفراغٍ غريبٍ في جانبها الأيسر.
“ما بالكِ لا تأتين؟”
التفتت لترى نوكس، الذي اعتاد أن يلازمها كظلٍّ مزعجٍ مخلص، قد توقّف على بُعد خطواتٍ منها.
“سيسي، عودي إلى المنزل أولًا. سأبقى قليلًا لأتفقّد الوضع.”
“أيُّ وضعٍ هذا؟”
ألم يكونا قد دفنا بأيديهما ما سبّب الحادث؟
‘ألعلّه يتذرّع بهذا ليتملّص من العودة؟’ تساءلت وهي تحدّق به بعينين أثقلهما التعب والشك.
كانت تعلم أنّه منذ عودته من العاصمة، لم يكد يذوق راحةً لانشغاله بأعمال الماركيز، فربّما كان يؤثر البقاء في الخارج على العودة إلى قصرٍ يضجّ بالمسؤوليات. لكن صوته حين نطق بالكلمات التالية حمل شيئًا جادًا بدّد شكوكها:
“قد لا يكون حادثًا فحسب.”
توقّفت في مكانها، تحدّق فيه بذهولٍ خافت. كانت كلماته، رغم بساطتها، مشحونةً بثقلٍ لا يُفسَّر.
‘هل يقول ذلك فقط ليبدو عميقًا؟’ فكّرت بفتور، ثم أغمضت عينيها، متعبةً جدًا لتجادله.
“كما تشاء.”
“لكن لا تضيّعي الوقت، عودي مباشرة إلى المنزل، فهمتِ؟”
“سأفعل ما أراه مناسبًا.”
“ميغيل! تولَّ أمرها بدلًا مني!”
لم يلتفت حتى إلى تبرّمها، بل استدار وغادر بخطواتٍ ثابتةٍ، وكأنه ذاهبٌ في مهمةٍ لا تحتمل الانتظار.
وبذلك لم يبقَ معها سوى ميغيل، الذي أصرّ على مرافقتها حتى بوّابة القصر.
“فلنذهب إذن؟”
“نعم.”
في المرة الأولى التي جاءت فيها إلى قاعة الصلاة، كان وجود نوكس المثرثر كافيًا لتبديد ثقل الصمت.
أما الآن، فقد غدت الخطوات صامتةً، والهواء أثقل من أن يُتنفّس، والمشي إلى جانب فارسٍ صامتٍ لا تربطها به ألفة جعل صدرها يضيق كمن يسير في ممرٍّ بلا نوافذ.
“همم!”
أطلقت صوتًا صغيرًا لكسر الجمود الذي كاد يخنقها، لكن الفارس الجليل، الذي أخذ الأمور على محملٍ آخر، شدّ ملامحه بجديةٍ صارمة وقال:
“هل تشعرين بتوعّك؟”
“لا، ليس الأمر كذلك…”
“حقًّا؟ بعد ما شهدتِه اليوم، كان عليّ أن أراعي حالتك أكثر. لقد أسأت التقدير.”
“هاه؟”
“سأحملكِ.”
حدّقت به في ذهولٍ مكتوم.
هل كان رجال المعبد جميعًا مصابين بداء التصرّف قبل التفكير؟
صرخت به في ارتباكٍ واضح:
“لا داعي لذلك!”
‘يا إلهي، ربما بدا صوتي حادًا أكثر مما ينبغي.’
صحيح أن فكرة أن تجد نفسها بين ذراعي فارسٍ بتلك المتانة والهيبة ليست بالأمر المزعج تمامًا… لكنّه نائب قائد فرسان الهيكل!
ليس كـ راين الذي يمكنها مجاراته بالمزاح، والأهم أنّ بقايا ضميرها لم تذبل بعد لتسمح لها بمثل هذا التصرف الطائش.
“يبدو أنكِ حقًا تكرهين الفكرة.”
ربما كان صوتها مرتفعًا حقًا، إذ أعاد ذراعه إلى جانبه ببطء، متراجعًا، بينما انحنت كتفاه بخيبةٍ خافتةٍ بدت كأنها طيف حزنٍ عابر.
سارعت لتدارك الموقف:
“لم أقل إنني أكره ذلك… فقط شعرت بالحرج، لا أكثر.”
“لا بأس. لستِ مضطرةً لمواساتي. أنا معتاد على الرفض.”
“هاه؟ رفض؟!”
رفعت رأسها نحوه بدهشةٍ صادقة، وعيناها تلمعان بوميضٍ من الحيرة.
شَعرٌ فضّيّ يتراقص مع الريح، عينان زرقاوان كأفق البحر عند المغيب، وجسدٌ قويّ يحتضنه الرداء الأبيض النقيّ.
“نعم. يبدو أن كلّ النساء اللواتي أرافقهن يحمَرْن وجوهًا ويرتجفن من النفور.”
‘من النفور؟ أيها الأحمق النبيل، بل من شِدّة الاضطراب والانبهار!’
تردّد في ذهنها مشهدٌ تعرفه جيدًا: بطلٌ وسيم، متحفظ، نبيل، لا يدرك أنه محبوب.
كلّ من حوله، من البطلة إلى المارّة، تغمرهم الهيبة والافتتان، أما هو… فلا يعي سوى الصمت.
وها هو ذلك البطل المتجسّد أمامها الآن.
“لا أظنّ أن نفورًا كهذا موجود. أقسم باسم ويبردين على ذلك.”
مال برأسه قليلًا، وفي عينيه تساؤلٌ صامتٌ عن سبب يقينها.
‘ربما لأنّ كلّ امرأةٍ ترافقك يرتجف قلبها كلّما اقتربت منها، لا غير.’
كلماتٌ كهذه لم يكن يليق أن تُقال لرجلٍ من رجال المعبد، فابتلعتها بصعوبةٍ وأدارت وجهها بعيدًا، تخفي ارتباكها خلف صمتٍ متكلّف.
صحيح أنّها لم تكن بعد في علاقةٍ حقيقية مع راين، لكن أن يخفق قلبها أمام رجلٍ غريب؟ لا، لم يكن ذلك مما تسمح به كرامتها أو توازنها.
وفي تلك اللحظة، التقط بصرها مجموعةً من الكهنة يسيرون في الجهة المقابلة.
يبدو أنّهم كانوا يتولّون تنظيف بقايا الحادث الذي وقع اليوم قرب المعبد، تحت المبنى الذي تعرفه تمامًا.
“يبدو أنّهم لم ينتهوا بعد.”
“نعم… للأسف، وقع الانفجار في قاعة الصلاة الثانية بالذات.”
تمتم ميغيل بنبرةٍ منخفضةٍ، بينما غشّت ملامحه ظلالُ القلق.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"