لقد تأخّر الوقت.
كانت تلك اللحظة الفاصلة التي أيقنت فيها “سيسيليا” أنّ النجاة لم تَعُد مُمكنة، وأنّ الهروب غدا حلمًا مستحيلاً. كأنّ الزمانَ نفسه قد تَثاقل، فتراءت أمام عينيها شظايا الزجاج الحادّة، المتساقطة من العُلا، واضحةً مُفصَّلة كلوحةٍ مرسومة على مهلٍ بفرشاة القدر.
خطت خطوةً إلى الوراء، تتراجع عن مركز السقوط، غير أنّ نطاق الانهيار كان واسعًا كأجنحة الموت. حتى لو نَجَت من جرحٍ غائر، فَخَدشٌ أو كدمٌ طفيف لن يرحمها.
ارتفعت صرخات المؤمنين المذعورين كجوقةٍ من الفزع، فيما أطبقت سيسيليا كفّيها على رأسها، وقد انكمشت روحها في انتظار الارتطام.
وفي تلك اللحظة… إذا بوهجٍ أبيضٍ ساطع ينفجر من يديها، كأنه قبسٌ نازل من سماءٍ عليا.
تناثرت الشظايا حولها، تضرب الأرض بصريرٍ مُروّع، لكن الألم لم يمسسها، ولا سال عليها دمٌ، ولا شعرت بانكسارٍ يُمزّقها.
فتحت عينيها المرتجفتين، فإذا بالأنفاس مُحتبسة في صدور الحاضرين، والدهشة قد جمّدت وجوههم كتماثيل. وأسفل قدميها لم يبقَ زجاجٌ، بل غبارٌ أبيض، كأنّ الضوء قد طحنه طحنًا.
‘…أأنا التي تحطّمت؟ أم الزجاج؟’
أنزلت يديها المرتجفتين، فتساقط منها فتاتٌ مسحوق، كرمادٍ تبعثر في الهواء.
حينها دوّى صوتٌ من بين الصفوف:
“إنّها آية! إنّها معجزة! لقد حَفِظَ الربُّ قَدّيسَتَه بعين العناية!”
كانت تلك الصرخة كشرارةٍ أشعلت القلوب.
فارتفعت الأيادي إلى السماء، وتعالت الأصوات بالتهليل لجلال القدّيسة.
“يا لسطوعِ النور المقدّس!”
“إنّها القدّيسة المختارة، لا ريب فيها!”
خفق قلبها بعنف، لا من خوف، بل من ذهولٍ مُربك.
أهذه هي القوّة المقدّسة التي لطالما تحدّثوا عنها؟!
إنّ ما رأت من قوّة البابا والكهنة لم يكن إلا شفاءً للأرواح والأجساد… أمّا نورها فقد سحق المادّة ذاتها. نظرت إلى يديها المضيئتين، لا تزالان تبرقان كجمرٍ تحت ستارٍ من نورٍ ناعم.
‘جوهر القوّة المقدّسة هو التطهير… فهل تطهيري تطهيرُ المادّة؟!’
لم يكن اختلاف الشكل في ذاته هو الخطر، ولا أنّ يديها تحوّلتا إلى أداةٍ تسحق حتى الزجاج الصلب. إنّما الخطرُ كلّه في السؤال الذي أثقل صدرها:
‘وكيف يُطفأ هذا الضوء؟! أأعيش عمري بيدين تشعّان كالفجر الأبدي؟!’
وبينما دوارُ الفكرة يكاد يطيح بوعيها، إذا بالبابا نفسه يندفع نحوها، وقد انطفأ وقاره، وشحب وجهه حتى بدا كبياض ثوبه.
هتف مرتعشًا: أأنتِ بخير؟ هل مسّكِ سوء؟!”
مدّت شفتيها لتجيبه، لكنّه لم يُمهلها. قبض على كتفيها بكلتا يديه، فانفجرت منه قوّةٌ مقدّسة هائلة، نورها الأبيض يغمرها كبحرٍ من الصفاء.
شعرت كأنّها التفّت في حضنٍ دافئ، كغطاءٍ مجفّف تحت شمسٍ ربيعية.
أغمضت عينيها برهةً، ثم حرّكت رأسها في رفق، تستعيد توازنها.
“قداستك، كما ترى… لم يمسّني أذى.”
ولو كان بجسدها جرحٌ مهما صغر، لمحت النور يلتهمه ويُزيله بلا أثر. فاطمأنّ البابا بعد أن فحصها بعينيه، وأرخى قبضته شيئًا فشيئًا.
“صدقتِ، لم تُصابي… الحمدُ للرب.”
تنفّس الصعداء، وارتسمت على ثغره ابتسامةٌ شاحبة تُخفي ارتجافه.
“ومع ذلك… فلنذهب إلى قاعة العلاج، احتياطًا.”
“أنا حقًا… لا أحتاج…”
تردّدت كلماتها، فقد كان ذهنها ما يزال مشغولًا بالنداء الذي سبق سقوط الشظايا، ذاك الصوت الذي خاطبها وحدها.
ابتسم البابا، ووضع يده على كتفها بحنوٍّ أبويّ:
“أنا فقط… أقلق عليكِ.”
ومن خلفه، ظلّ همسُ المؤمنين يتصاعد، والكهنة يتشاورون، بينما كان فرسان النبيل يهرعون من بعيد.
لم تجد سيسيليا ملاذًا للرفض، فزفرت ببطءٍ ثم أومأت:
“إذن… أستعير رعايتك لبعض الوقت.”
وفي اللحظة التي استدارت فيها بجانبه، أرسلت نظراتها مسرعة بين الحشود، كمن يبحث عن أثرٍ خفي.
لكن الرجل ذي العباءة الثقيلة… كان قد تلاشى، وكأنّ الأرض ابتلعته بلا أثر.
─── ✦ ✧ ✦ ───
اندفعت بها الأقدار اندفاع السيل الجامح، على غفلةٍ وتيهٍ، كأنّها ورقة تتقاذفها ريحٌ عاتية، حتى ألقتها إلى غرفة صغيرة تكسوها ملامح البساطة والسكينة، لا تكاد تتسع إلا لسريرين متنقّلين، وطاولة خشبية ثقيلة العود، وأريكة طويلة تبدو وكأنها شاهدة على قصصٍ مضت وأسرارٍ خفيّة. كان المكان ساكنًا، يلوح فيه عبق قديم، كأن الزمن توقف فيه لحظة لينصت إلى ما سيجري.
‘كنت أظنّ أنّ قاعة العلاج ستفيض بالناس، تضجّ بأنين المرضى، وصدى الأدعية، ووقع خطوات الملهوفين…’
التقط البابا شرارة الحيرة المتوهجة في عينيها، وكأنّ بصيرته أسبق من السمع، فابتسم بهدوء وفسّر بلطفٍ يليق بمقامه: إن هذا المكان خُصِّص خصيصًا للنبلاء الذين يطرقون أبواب الهيكل، طلبًا للشفاء والبركة، بعيدًا عن عيون العامة وضجيجهم.
جلس بنفسه، وهو صاحب الجلالة، يهيّئ بيديه الشاي الدافئ، تصاعد بخاره العابق بالطمأنينة، وأعدّ بعض الحلوى برفقٍ أبويّ، ثم وضعها أمامها. وبعد أن انساب صوته كنسيمٍ يربّت على جراح الروح، قال:
“لقد رُوّعتِ… أليس كذلك؟”
لكن أيكون الأمر رعبًا فحسب؟! لا، بل كان كابوسًا مجسّدًا، أيّ هولٍ أشدّ من أن ينقضّ عليك لوحٌ زجاجي بحجم نافذة كاملة من علياء السماء، كقدرٍ يريد أن يكتب نهايتك في لحظة خاطفة؟! آنذاك لم تسعفها أنفاسها لتدرك هول المشهد، كانت خيوط الحياة لتُقطع في غمضة عين، ورأسها ليتفلّق نصفين كما يُفلق الصخر.
ومع ذلك، تماسكت “سيسيليا”، وكتمت الحقيقة، واكتفت بابتسامة واهية متكلّفة، تُخفي خلفها ارتجاف القلب:
“نعم، لقد فزعتُ بعض الشيء، لكنني بخير… لم يُصبني أذى.”
كان الذي يجلس أمامها قد بالغ في القلق، عينيه تفيض بعاطفة لا تهدأ، ثم إنّ هناك من كانت دموعها تسيل غزيرة منذ أن دلفوا إلى الغرفة.
“هـ… هِيئ! لقد ظننتُ أنّ السيدة القدّيسة أُصيبت إصابةً بالغة!”
كانت تلك “سينا”، الطفلة التي لم تفارق ظلّ البابا. لقد شهدت الكارثة بعينيها البريئتين، فزلزلها المنظر حتى جذورها، فانقضّت على سيسيليا، لصيقةً بها، تبثّ عليها طاقتها المقدسة بإصرار طفوليّ، تُنزِلها على رأسها وحده وكأنها تريد أن تُغرقه بنور السماء.
حتى على رأسها بالذات!
‘يا للضياء الكاسح! يا لوهجٍ يُحرق البصر قبل أن يداوي الجراح!’
اشتدّ النور حتى كاد يُفقئ عينيها، سالت دموعها لا من ألمٍ، بل من وهجٍ يعجز الجسد عن احتماله.
“سينا، كفى… إنني بخير.”
“لكن… لكن الزجاج العظيم كاد يسحقكِ سحقًا!”
“سينا، صدقيني، لم يُصبني أذى.”
“هيئ…!”
“يكفي! أرجوكِ، توقفي!”
مدّت يدها، وأمسكت بكفّ الطفلة المرتجفة فجأة، فانطفأ النور المبهر، كما لو أنّ السحر قد أُبطل بأمرٍ سماوي.
‘يا رب… لقد كدتُ أفقد بصري!’
“أرأيتِ؟ لا جرح هنا، ولا كسر هناك.”
“لكن… إن دموعكِ تتلألأ، شاهدة على الألم…”
‘لو تدري أنها دموعها هي السبب!’
تجولت عينا الطفلة على جسدها بوجل، ثم همست بصوتٍ يخنقه البكاء:
“يبدو أنكِ بخير حقًا…”
ثم أطرقت برأسها، عيناها النديّتان متعلقتان بيد سيسيليا، قبل أن تشدّ عليها كأنها تتمسّك بخيط حياة. بهكذا لمسة وديعة، هدأ اضطرابها شيئًا فشيئًا. عندها فقط، مدّت سيسيليا يدها الأخرى، تُزيح خصلة مبتلّة التصقت بخدّها، كأنها تُعيد للعالم نظامه.
وفجأة!
دوّى صوتٌ حادّ، إذ انفتح الباب دون استئذان. ظهر “نوكس”، أخوها، كعاصفةٍ بشرية، يلهث أنفاسه، عيناه مشتعلتان. هرع إليها بخطوات تزلزل الأرض من تحتها، يهتف بصوتٍ كالصاعقة:
“ليسي! سمعتُ أن رأسكِ قد تحطّم!”
قبضت كفّاه الكبيرتان على وجنتيها، وكانتا مثل جليدٍ مذعور، يقطران من فرط الجزع.
‘ها قد بان قلقه أخيرًا… كأخٍ بحق، مهما تنكّر.’
“اطمئن، لم ينشقّ رأسي.”
“ولو أنّه عضو لا نفع له، فإن فقدانه مصيبة تهزّ أركان العالم!”
تفرّس في رأسها بعينين لا تعرفان الهزل، كأنه يبحث عن شرخٍ مخبوء بين الشعر. فما عساه أن يجد؟! غلبها خاطرٌ آثم، رغبت أن تقتلع من جسده ما لا ينفعه هو!
أبعدت يديه بهدوء، وقالت بصوتٍ رخيم:
‘لا تقلق…’
لكن لسانها خانها، فأفصح عن لبّ قلبها:
“اختفِ عن وجهي.”
“ليسي… لقد نطقتِ بالسرّ مجددًا.”
ابتسم نوكس، ووميض الخطر يلمع في عينيه. لم يتأذَّ، بل ازداد بريقًا.
“أتقولينها لأخيكِ حقًا؟”
“نعم.”
‘لحظة… قلتُها للجميع؟!’
دار على عقبيه بابتسامةٍ ماكرة، ونادى بصوتٍ ساخر:
“ميغيل، أسمعت؟ حتى أنت طردتك القدّيسة!”
هناك، على عتبة الباب، كان “ميغيل”، الفارس الأشقر، يقف متردّدًا، كتفاه ترتجفان. ارتجف حين ناداه نوكس، فانحنى بخزي، كأنّ خطيئة الزجاج المكسور وُضعت على كاهله.
“أ… أعذريني.”
‘وما شأنه هو؟!’
خفض رأسه، كأنه الجاني الذي حطّم النافذة بيديه، فيما الحقيقة بعيدة كل البعد. نوكس، كعادته، لم يُفوّت الفرصة، فأطلق تنهيدة مُفتعلة وهو يتلذذ بالمشهد:
“لقد استدرجته بصعوبة، وهو غارق في لوم نفسه لعدم حمايتكِ. لو علم أنّ جزاءه سيكون القسوة، لما جرؤ على المجيء.”
“كلا! ليس الأمر كما تقول…!”
“مسكين ميغيل، يبدو أن لا بدّ له أن ينسحب، كما أمرتِ.”
اشتعل صدرها غضبًا، كادت أن تطلق قبضتها لتُسكت فم أخيها الوقح، لكن البابا والطفلة يراقبانها، وصورة القدّيسة المهيبة لا يجوز أن تُدنَّس.
‘لا… لا أستطيع أن أُحطّم أحلام الصغيرة.’
التفتت، متجاهلة نوكس تمامًا، ونادت الفارس بصوتٍ ثابت:
“سير ميغيل.”
“نعم، سيدتي.”
“ما دمتَ لم تكسر الزجاج بيديك، فلا ذنب عليك. ادخل، من فضلك.”
تردّد لحظة، حتى أذن له البابا بهزّة رأسه، فتقدّم ببطء، وانحنى أمامها بكل إجلال:
“شكرًا لغفرانكِ.”
‘غفران؟! أيّ غفرانٍ هذا؟’
لكن رؤيته بهذا الانكسار على محيّاه الوسيم بعثت في قلبها غصّة، وأربكتها. وما لبثت أن همّت لتواسيه، فإذا بالبابا يقطع الصمت بصوتٍ رزين:
“سير ميغيل، هل سوّيت أمر الصخب في الخارج؟”
“نعم. أعدتُ جميع المؤمنين إلى بيوتهم.”
“أحسنت صنعًا.”
“وخلال التحقيق، عثرتُ على ما يُحتمل أن يكون سبب الحادث.”
“حقًا؟”
حينها، رفع الفارس يده فجأة، كاشفًا عمّا كان يخفيه بين قبضته…
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"