“إنكاركَ المبالغُ فيهِ بهذا الشكل، ألا يعني أنكَ تلقيتَ تحريضًا بالفعل؟”
“ليسَ الأمرُ كذلك، بل…….”
وبينما كانَ يهمُّ بالتلعثمِ مجددًا، تدخلَ مرافقُهُ الذي لم يطقِ المشهد:
“سعادةَ الكونت، عليكَ إتمامُ جدولِ أعمالكَ لهذا اليوم.”
“آه، صحيح، هذا صحيح! سموَّ الدوقةِ الكبرى، أعتذرُ منكِ، لكنني مشغولٌ للغايةِ اليومَ ولن أتمكنَ من إكمالِ هذا الحديث. أراكِ في وقتٍ لاحق.”
قالَ ذلكَ ثم بدأ يبتعدُ بخطواتٍ واسعة، ضاربًا بكرامةِ النبلاءِ عرضَ الحائط.
راقبتُ ظهرهُ وهو يفرُّ هاربًا، فشعرتُ بصداعٍ يداهمني.
لكنني لم أرغب في اللحاقِ به. فهذهِ المعركةُ لن تُحسمَ بمواجهةِ الكونت ميلين، بل بمواجهةِ الأميرةِ أبيغيل.
لإخمادِ النيرانِ المشتعلةِ حاليًا، لم يكن عليَّ التوسلُ للكونت ميلين، بل كانَ عليَّ حلُّ الأمرِ بيدي.
تحركتُ مجددًا، وهذهِ المرةَ كانت وجهتي المبنى الشماليَّ حيثُ نقيم.
***
اصطحبتُ هيلا وعددًا من الجنودِ وغادرتُ قلعةَ اللورد ميلين. إن كانوا سيمنعونَ عنا المؤن، فسأشتريها بمالي الخاص.
كانَ ذلكَ كافيًا لرفعِ معنوياتِ جنودِ عائلة وينسلي ولو قليلًا.
رآنا الكثيرونَ ونحنُ نجرُّ العربةَ الكبيرة، وبالتأكيدِ وصلَ الخبرُ إلى مسامعِ الكونت ميلين. ولحسنِ الحظ، لم يعترض طريقنا أحد؛ إذ لم تكن لديهم ذريعةٌ لمنعنا.
لكننا أدركنا السببَ الحقيقيَّ فورَ وصولنا إلى القرية.
“ألم يقال إنَّ أضرارَ القريةِ طفيفة؟”
“بلى. سمعنا أنَّ هجماتِ الوحوشِ المباشرةَ على السكانِ كانت نادرةً للغاية.”
“إذًا لِمَ الوضعُ هكذا…….”
كانت حالةُ القريةِ يرثى لها. الشوارعُ خاليةٌ من المارة، وبالتبعيةِ كانَ وضعُ السوقِ سيئًا.
أغلقت معظمُ المتاجرِ أبوابها، ولم يتبقَ سوى الدكاكينِ الصغيرةِ التي يسعى أصحابها لتأمينِ قوتِ يومهم. كانت أصغرَ بكثيرٍ من أن توفرَ مؤنًا لجيش.
توقفتُ في منتصفِ حديثي وقد أدركتُ الحقيقة. إذا كانت طرقُ الإمدادِ مقطوعة، فمن أينَ أتى الكونت ميلين بكلِّ تلكَ المؤنِ التي وزعها؟
كانَ مجردُ التخيلِ أمرًا مروعًا. في ظلِّ هذا الوضعِ الاقتصاديِّ المتردي، لا بدَّ أنَّ الكونت ميلين قد اعتصرَ دماءَ القرويينَ ونهبَ أرزاقهم لتوفيرِ تلكَ المؤن. وشككتُ كثيرًا في أنهُ دفعَ لهم ثمنًا عادلًا.
“……علينا العودةُ الآن. سأبحثُ عن طريقةٍ أخرى لتأمينِ المؤن.”
وهكذا، لم يكن أمامي سوى العودة خاليةَ الوفاض. لا، بل قمتُ بجمعِ الأغراضِ التي لا نستخدمها من حصتنا وأرسلتها للقريةِ لتباعَ بأسعارٍ زهيدة.
وبعدَ ذلكَ اليوم، خضنا معركةً أخرى. وهذهِ المرةَ تمكنا من تأمينِ المنطقةِ حتى البحيرةِ حيثُ تقفُ شجرةٌ عتيقةٌ ضخمة. ومع ذلك، ظلت مشكلةُ المؤنِ قائمة.
وفي تلكَ الأثناء، جاءَ شخصٌ لزيارتي.
كانت امرأةً ترتدي رداءً بلونِ المشمش، وتحتَ القبعةِ التي تغطي رأسها، لمحتُ قناعًا أبيضَ يخفي عينيها وخصلاتِ شعرٍ قرمزية.
تذكرتُ شخصًا ما عندَ رؤيةِ ذلكَ اللونِ الأحمرِ الزاهي، لكنني نفيتُ الفكرةَ برأسي. فلا يعقلُ أن تكونَ هي هنا.
انحنت المرأةُ بأدبٍ لكنها لم تنبس ببنتِ شفة. وتحدثَ الخادمُ الواقفُ بجوارها نيابةً عنها:
“نحنُ قادمونَ من طرفِ عائلةِ البارون هيرا.”
بصراحة، لم أتذكر الاسمَ فورًا. وبعدَ لحظاتٍ من البحثِ في ذاكرتي، تذكرتُ الآنسةَ سينا هيرا، ابنةَ البارون التي كانت تعاملني بودٍ مبالغٍ فيه. تلكَ الآنسةُ التي صارحتني برغبتها في شراءِ الأحجارِ السحريةِ النادرة.
أخرجتِ المرأةُ ذاتُ الشعرِ الأحمرِ شعارَ عائلةِ هيرا المصنوعَ من الذهبِ وأرتني إياه. فكرتُ في أنهُ شعارٌ يليقُ بعائلةٍ تفضلُ المالَ على الشرف.
“ما سببُ الزيارة؟ لا أرى الآنسةَ هيرا معكم.”
“هل يجبُ أن تحضرَ الآنسةُ بنفسها؟”
هذهِ المرة، كانت المتحدثةُ هي المرأةَ ذاتَ الشعرِ الأحمر. لكنَّ صوتها كانَ مألوفًا وكأنني سمعتهُ من قبل. لم يغادرني الشك.
“ليسَ بالضرورة، ولكن…… هاه؟”
توقفتُ عن الردِّ ورحتُ أحدقُ في المرأة. رسمت ابتسامةٌ ساحرةٌ أسفلَ القناع. ثم رفعت يدها وخلعتِ القناعَ ببطء. وعندما رأيتُ وجهها الأبيضَ المكشوف، انفرجت شفتاي بذهول.
قفزتُ دونَ وعيٍ وعانقتُ ماريان بقوة. خشيتُ أن تترنحَ من شدةِ العناق، لكنها صمدت بشكلٍ غيرِ متوقع.
تلكَ الآنسةُ التي كانت تعجزُ عن التقاطِ أنفاسها بسببِ مشدِّ الخصر، متى أصبحت بهذا الثباتِ والقوة؟
“سيدتي، لم أكن أتوقعُ ترحيبًا حارًا كهذا.”
قالت ماريان بضحكةٍ سعيدة. وبدا من بريقِ عينيها الجميلتينِ أنها مسرورةٌ بلقائي أيضًا.
“كيفَ حدثَ هذا؟ وكيفَ وصلتِ إلى هنا؟ وما قصةُ شعارِ عائلةِ هيرا؟ وهل واجهتِ أيَّ خطر؟”
غطت ماريان فمها وضحكت بإشراق. بدا وجهها أفضلَ بكثيرٍ مما كانَ عليهِ عندَ فراقنا. في ذلكَ الحين، كانت تبدو مرتاحةً ولكن القلقَ من بدايةِ حياةٍ جديدةٍ كانَ يساورها، أما الآن، فقد بدت أكثرَ نضجًا وثقة.
أمسكت ماريان بيدي وقالت:
“لنشربِ الشايَ أولًا. لقد أحضرتُ معي شايًا فاخرًا. هل لديكِ وقت؟”
“بالطبع. تفضلي بالدخول.”
قدتُ ماريان بصوتٍ مبتهج. بعدَ رؤيةِ الجنودِ بوجوههم الشاحبةِ طوالَ الوقت، شعرتُ وكأنَّ عينيَّ قد أضاءتا برؤيةِ هذهِ الآنسةِ المشرقة.
قمتُ بغلي أوراقِ الشاي التي قدمتها لي ماريان بنفسي. ورغمَ أنَّ إبريقَ الشايِ المخصصَ للجيشِ كانَ خشنَ الصنع، إلا أنهُ لم يفسد عبقَ الشاي. كانَ للشاي رائحةٌ حلوةٌ ومذاقٌ منعشٌ غيرُ لاذع.
“الشايُ رائعٌ حقًا.”
“أليسَ كذلك؟ لقد اختارتهُ الآنسةُ سينا بنفسها هذهِ المرة. وهي تفكرُ حاليًا في اسمٍ تطلقهُ عليه.”
رمشتُ بعينيَّ وسألتُ عما كانَ يثيرُ فضولي طوالَ الوقت.
“تبدينَ مقربةً جدًا من الآنسةِ هيرا، كيفَ تعرفتِ عليها؟”
“فوفو، كنتُ أعلمُ أنَّ هذا سيثيرُ فضولكِ.”
“لا تماطلي وأخبريني بسرعة.”
أومأت ماريان برأسها وتابعت:
“لا أدري كيفَ عرفت الآنسةُ هيرا بأمري، لكنها عثرت عليّ. وقالت لي بما أنني لا أملكُ مكانًا أذهبُ إليه، فعليَّ أن أتبعها.”
“لماذا؟”
“لأنها تعتقدُ أنني سأكونُ مفيدةً في المستقبلِ عندَ عقدِ صفقاتٍ مع عائلةِ دوزخان.”
“أبسببِ الأحجارِ السحريةِ النادرة إذًا؟”
“نعم. في البدايةِ ظننتها شخصًا خطيرًا ولم أنبس بكلمة. لكنها داومت على زيارتي يوميًا بإخلاصٍ شديد، حتى أصبحَ من الصعبِ تجاهلها. والأهمُّ من ذلك، أنَّ القصصَ التي كانت ترويها لي كانت ممتعة.”
التعليقات لهذا الفصل " 87"