استدعاني أبي إلى مكتبهِ المؤقتِ فورَ سماعهِ نبأَ ذهابي لفضِّ عراكٍ، فانتهى بي الأمرُ بافتعالِ مشكلة. كانَ أبي جالسًا على الأريكة، يضعُ يدهُ على جبينهِ وكأنَّ صداعًا يغالبه.
“لِمَ فعلتِ ذلك؟”
“لأنني غضبت.”
“أنتِ ابنتي، لكنكِ في الوقتِ ذاتهِ الدوقةُ الكبرى لمنطقةِ دوزخان. عليكِ مراعاةُ هيبةِ الدوقِ الأكبر.”
انفجرتُ ضاحكةً على هذهِ الشكوى التي لا تُقالُ إلا بينَ أفرادِ العائلة.
“أمي أيضًا كانت تقولُ إنها لا تدري كيفَ لرجلٍ هادئٍ مثلِ أبي أن يُنجبَ ابنةً مثلي.”
على إثرِ إجابتي الوقحة، أطلقَ أبي أنينًا خافتًا وأسندَ ظهرهُ إلى الأريكة، لكنَّ ابتسامةً هادئةً ارتسمت على ثغره.
“سأعفو عنكِ هذهِ المرة، فقد شُفيَ غليلي أنا أيضًا.”
“أليسَ كذلك؟”
ضحكتُ مجاريةً أبي. وحينَ جلستُ بجوارِهِ، هزَّ رأسهُ يمنةً ويسرةً بقلةِ حيلة. وسرعانَ ما تلاشى المرحُ من وجهِهِ الذي كانَ يتبادلُ معي النكاتَ الصغيرة.
“يُقالُ إنَّ جيشَ الإمبراطوريةِ تمترسَ في الخطوطِ الخلفيةِ حيثُ الأمان، وهم من كانَ يجبُ أن يقفوا في طليعةِ الجبهة.”
“لوِ انكشفَ أمرُ شربهم للخمر، فلن ينتهي الأمرُ على خير.”
“……أجل.”
بدا أبي خائبَ الأملِ تمامًا في مسلكِ الجيشِ الإمبراطوري. لقد كانَ رجلًا يرهنُ حياتهُ للشرف، ويرى في الولاءِ للحاكمِ المثاليِّ شرفًا حقيقيًا.
أمسكتُ يدَ أبي برفق.
“جلالةُ الإمبراطورِ يثقُ بكَ يا أبي. وأنتَ تبلي حسنًا. لكن……”
نظرَ أبي بتمعنٍ إلى يدي التي غطت ظاهرَ كفه، وخرجت من فمهِ تنهيدةٌ عميقة.
جالَ ببصرهِ في الأرجاء، وبعدَ أن تأكدَ من خلوِّ الغرفة، سألني هامسًا:
“أنتِ ترغبينَ في اختيارِ الإمبراطورِ الصالح، أليسَ كذلك؟”
فوجئتُ بسؤالهِ المباشر، رحتُ أحدقُ فيهِ تارةً وأديرُ عينيَّ في الفراغِ تارةً أخرى.
لكن لم يكن هناكَ مفرٌ من هذا السؤال. بللتُ شفتيَّ الجافتينِ من التوتر، وأجبتُ بصوتٍ رزين:
“نعم.”
“قلتِ إنَّ الأميرةَ أبيغيل تطمحُ للعرش. إذًا، هل ترينَ أنَّ الإمبراطورَ الصالحَ هو وليُّ العهد؟”
كانَ لا بدَّ من الإجابةِ بحذر. صمتُّ قليلًا لأرتبَ أفكاري. ولحسنِ الحظ، انتظرَ أبي إجابتي بصبرٍ كافٍ.
“قد لا يكونُ الشخصَ الأكثرَ ملاءمةً للإمبراطوريةِ في هذا العالم. لكنَّ وليَّ العهدِ هو الوريثُ الشرعيُّ الذي وُلدَ من رحمِ الإمبراطورة، وبفضلِ ذلكَ يمكنهُ اعتلاءُ العرشِ بأقلِّ قدرٍ من الفوضى. صراعُ العرشِ لا يورثُ الشعبَ إلا الجوع. كما أنَّ وليَّ العهدِ، كما رأيته، شخصٌ يراعي نظرةَ الجماهيرِ ويجيدُ عقدَ الصفقات. لا يمكنني الجزمُ بأنهُ شخصٌ صالحٌ تمامًا، لكنني أظنهُ يحافظُ على الحدِّ الأدنى من المبادئ. أعتقدُ أنَّ وليَّ العهدِ هو الخيارُ الأفضلُ المتاحُ حاليًا.”
“ولمَ ترينَ أنَّ الأميرةَ أبيغيل لا تصلح؟”
“الأميرةُ أبيغيل ذكيةٌ بلا شك. لكنَّ مؤهلاتها تليقُ بمخططٍ استراتيجيٍّ لا بإمبراطور. الإمبراطورُ يقفُ أمامَ الجميع، بينما هي لا ترغبُ في تحملِ مسؤوليةِ أيِّ شيء، وتفضلُ التحركَ في الظلال. ولأجلِ ذلك، تملكُ من القسوةِ ما يجعلها تضحي حتى بشقيقها.”
أضفتُ وأنا أبتسمُ بمرح:
“لو أصبحت لاعبةَ شطرنج، لربما حققت نجاحًا باهرًا.”
ضحك أبي بخفةٍ وكأنهُ لا يستطيعُ مجاراتي.
لم يأتِ ذكرُ الأميرِ كين في حديثنا. فحقيقةُ أنهُ لا يليقُ بالعرشِ أمرٌ يدركهُ حتى الأطفال.
حدقتُ في أبي بتمعن، كنتُ فضوليةً بشأنِ إجابته. وعلى عكسِ أبي، لم أكن صبورة، فبدا القلقُ واضحًا على وجهي.
ابتسمَ أبي ومدَّ سبابتهُ ليدفعَ جبيني برفق.
“انتظري، ألم تريني أفكر؟”
“لم أقل شيئًا.”
“كلُّ شيءٍ مكتوبٌ على وجهِك.”
مططتُ شفتيَّ بتذمر. مالَ أبي بجسدهِ إلى الأمامِ غارقًا في التفكير، فأسندتُ ظهري بارتياحٍ إلى الأريكةِ محاولةً استجماعَ بعضِ الصبر.
“أبي.”
“ما الأمر؟”
“لقد ترددتُ طويلًا قبلَ أن أقولَ هذا.”
لتفتَ إليَّ أبي مبتسمًا بدفء.
“ما الذي جعلكِ تترددينَ كلَّ هذا التردد؟”
أطبقتُ شفتيَّ بقوةٍ ثم فتحتهما أخيرًا:
“إذا أصبحت الأميرةُ أبيغيل إمبراطورة، فستختلقُ ذريعةً لقتلنا بالتأكيد؛ لأنها تعلمُ أنها لن تنالَ ولاءنا. لكنَّ وليَّ العهدِ يرغبُ في كسبِ ولاءِ عائلة وينسلي. وربما طوالَ حياتنا، لو أخلصنا لهُ، فلن يخوننا. أريدُ منكَ يا أبي أن تضعَ سلامةَ عائلةِ وينسلي في الحسبان.”
عقدَ أبي حاجبيهِ قليلًا، لكنني لم أتوقف.
“في المستقبل، أعتقدُ أنَّ روين سيقودُ العائلةَ ببراعة، وسيصمدُ آدم ويساعده. شرفُ عائلة وينسلي سيحفظهُ هؤلاءِ الأبناء. لمرةٍ واحدةٍ فقط، أرجوكَ أن تخلطَ قليلًا من الأنانيةِ بقرارِك.”
اهتزت حدقتا أبي إثرَ كلماتي. أدركتُ أنهُ من الصعبِ سماعُ إجابةٍ فورية. فنهضتُ من مكاني ليتمكنَ من التفكيرِ بأريحية.
“سأنتظرُ إجابتكَ إذًا يا أبي.”
“……اذهبي لترتاحي.”
لم يمنعني أبي من المغادرة. خرجتُ من الغرفةِ مطأطئةَ الرأس.
المعركةُ المفاجئة، ومراسمُ التأبينِ التي تلتها، ثم حديثي مع أبي.. كلُّ ذلكَ أرهقَ جسدي وروحي.
‘لكن لا مجالَ للراحة. غدًا لا بدَّ من لقاءِ الكونت ميلين.’
بمعزلٍ عن إجابةِ أبي، لم يعد بإمكاني تركُ جنودِ عائلة وينسلي يعانونَ من التمييز.
سيكونُ ذلك جيدًا لمواجهةِ تهمةِ الخيانةِ التي تخططُ لها الأميرةُ أبيغيل، وسيرفعُ من معنوياتِ جنودنا.
***
عزمي الذي قطعتُهُ ليلةَ أمسِ عندَ مغادرةِ غرفةِ أبي، سرعانَ ما تهاوى. ذهبتُ بنفسي للقاءِ الكونت ميلين. توجهتُ أولًا إلى القلعةِ الرئيسيةِ وأخبرتُ الحارسَ بقدومي.
فأجابَ الحارسُ وكأنَّ الأمرَ بديهي:
“سعادةُ الكونتِ ليسَ هنا. لقد أعارَ هذا المكانَ للجيشِ الإمبراطوري، وهو يقيمُ مع عائلتهِ في الملحقِ الصغيرِ بالجنوب.”
“حقًا؟ فهمت.”
قلتُ ذلكَ وتوجهتُ نحو الملحقِ الجنوبي. لكن ما إن وصلت، حتى اعترضَ طريقي كبيرُ الخدمِ بأدبٍ جم.
“ابنة الكونتِ هي من بالداخل.”
“أين الكونت؟”
“ذهبَ للتعزيةِ في الجنوبِ نظرًا لكثرةِ الضحايا هناك.”
“فهمت.”
عدتُ أدراجي نحو المبنى الجنوبيِّ حيثُ يقيمُ جيشُ الماركيز إريانت وجيشُ الكونت ساشا.
لكن هناكَ أيضًا……
“سعادةُ الكونتِ ميلين مكثَ قليلًا ثم عادَ إلى القلعةِ الرئيسية.”
“أوه، أليست هذهِ سموَّ الدوقةِ الكبرى؟ ما الذي جاءَ بكِ إلى هنا؟”
بدا وكأنهُ يريدُ تجاوزَ ما قالهُ عني خلفَ ظهري. وددتُ لو ألكمُ أنفهُ وأجبرهُ على الاعتذار، لكنَّ لديَّ أمرًا أكثر إلحاحًا. ابتسمتُ في وجهِ الكونت ميلين.
“جئتُ لأعرضَ مقترحًا على الكونت ميلين.”
“ها، هاها. وعن أيِّ شيءٍ تتحدثين؟”
“المبنى الشماليُّ معزولٌ للغايةِ ومتهالك، مما يصعبُ الإقامةَ فيه.”
“ماذا؟ أكانَ الأمرُ كذلك؟”
سألَ الكونت ميلين وقد فتحَ عينيهِ على اتساعهما متظاهرًا بالجهل. مع أنهُ لا يمكنُ أن يجهلَ ذلك. واصلتُ حديثي وأنا أحافظُ على ابتسامتي.
“من المؤسفِ أننا فقدنا العديدَ من الجنودِ في حملةِ التطهيرِ الثانية. لكن ألا يجبُ للأحياءِ أن يقيموا في بيئةٍ جيدة؟”
انكمشَ الكونت ميلين بملامحهِ التي تشبهُ الفأر. بدا التوترُ واضحًا على وجههِ وكأنهُ يخفي شيئًا. لم يكن يظنُّ أنني سأجهلُ ما فعله. يا لهُ من شخصٍ وقح.
“لستُ أفهمُ ما تعنينَ بالضبط…….”
“اسمح لجيشِ عائلة وينسلي بالإقامةِ في الجنوب. ولو لجزءٍ منهم.”
عندَ سماعِ طلبي، اختلسَ الكونت ميلين النظرَ بحذرٍ ثم بدأ يبالغُ في ردةِ فعله.
“هذا مستحيل. أليسَ ذلكَ المبنى مشؤومًا حيثُ ماتَ الكثيرون؟ كيفَ لي أن أجعلَ أفرادَ عائلةِ وينسلي ذوي الكبرياءِ يقيمونَ في مكانٍ كهذا. لا أستطيعُ فعلَ ذلك. وصحيحٌ أنَّ سموَّ الدوقةِ الكبرى قد ترينَ المبنى الشماليَّ قديمًا ومعزولًا، لكنهُ في الحقيقةِ أولُ مبنى شُيِّدَ باسمِ عائلةِ ميلين. يمكنُ القولُ إنهُ مبنى ذو تاريخٍ عريق.”
أضفتُ فورًا وقد تملكني الذهولُ من منطقه:
“وجودُ تاريخٍ للمبنى لا يعني أنَّ الجنودَ يمكنهم الإقامةُ فيهِ براحة، أليسَ كذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 86"