اهتزَّ شعر شوان البني الفاتح مع الريح. كانت ملامحه الجميلة، التي تشبه أجمل امرأة في الإمبراطورية، تبعث شعوراً بالحزن، مما جعل درعه الفضي يذكِّر بـ “أمير من القصص الخيالية”.
وقفتُ أمامه أنظر إليه بصمت، فاقترب شوان مني أولاً.
“أُحيِّي صاحبة السمو الدوقة الكبرى.”
أومأتُ برأسي مرة واحدة على تحية شوان المهذبة.
“لم أكن أتوقَّع مجيئكَ.”
“لم أكن أتوقَّع مجيئكِ.”
تحدَّث شوان وأنا في الوقت نفسه. عبستُ وسألتُ أولاً قبل أن يتمكَّن من طرح سؤاله:
“لماذا؟”
في الواقع، لم أكن مستاءة، لكنني لم أكن أريد أن أُسلب حقَّ طرح السؤال أولاً.
“لم يمضِ وقت طويل على زواجكِ من الدوق الأكبر. اعتقدتُ أنكِ ستكونين مشغولة بما يكفي بتنمية الإقطاعية.”
كان من الممكن تفسير ذلك بطرق عديدة، لكن شوان كان ببساطة يعبِّر عن “المعنى الحرفي” لكلماته.
“أنا موهوبة جداً. وكذلك الدوق الأكبر.”
ضحك شوان بمرارة على كلامي.
“هذا صحيح.”
لم يعجبني ابتسامة شوان المريرة. ولم يعجبني أيضاً أنه كان مُضطرباً ولا يعرف ماذا يفعل في مسألة الصفقة بين أخته وبيني.
لو كان قد خانني تماماً واختار أخته، لربما تفهَّمتُ ذلك كاختياره. لأنَّ أهمَّ شيء بالنسبة لي هو شعبي.
سأل شوان بعد فترة من الصمت:
“لماذا اعتقدتِ أنني لن آتي؟”
“لأنك ستكون مشغولاً بشقيقتك التي عادتْ للتو إلى حضن العائلة.”
عند كلماتي، عجز شوان عن الكلام مرة أخرى. قرَّرتُ التوقُّف عند هذا الحدِّ. لم يكن إزعاجه يجعلني أشعر بتحسن.
والأهمُّ من ذلك، أنَّ يوليان لن يُعجبه وجودي معه، لذا لم أُرِد إضاعة المزيد من الوقت.
من الطبيعي أن يكون تظاهراً بالمرض. بدا شوان وكأنه يُفكِّر بنفس الشيء.
“حسناً، إلى اللقاء إذاً.”
استدرتُ وكأنني لم أعد بحاجة إلى التأكُّد من أيِّ شيء آخر. كانتْ عائلة ماركيز إريانت لديها آري، وكان الكونت ساشا نفسه مؤيداً للأمير الثاني، لذا فمن الطبيعي أن يتبعوا أوامر الأميرة أبيغيل.
بالنظر إلى هذا الوضع، كان من المعقول أيضاً افتراض أنَّ عائلة الكونت ميلين كانت أيضاً من أتباع الأميرة أبيغيل.
بينما كنتُ أستعدُّ للعودة إلى الشمال مع هيلا، ناداني شوان.
“يا صاحبة السمو الدوقة الكبرى.”
كنتُ سأتجاهل نداءه وأذهب، لكنني استدرتُ نصف دورة.
“أعلم أنني لستُ مُستَحسَناً. لكنني سأسدد ديني مهما كلَّف الأمر.”
“إذاً اذهبْ بعيداً مع أختك. بهذه الطريقة، يمكنك تقليل عدد القتلة الذين يُحاولون قتلي.”
استدرتُ ورحلتُ دون أن أنظر إلى شوان. شعرتُ فقط أنني سمعتُ كلاماً لا قيمة له.
***
لم يستطع شوان سوى مشاهدة لايلا وهي تغادر بقسوة. كانتْ لايلا على حق. لو استطاع المغادرة مع آري، لفعل ذلك.
لقد حاول إقناع آري لعدة أيام. قال لها مراراً وتكراراً إنَّ الأميرة أبيغيل لا يمكنها الحصول على العرش، وأن عليها أن تستسلم. وكلما قال ذلك، أصبحتْ آري أكثر حزماً.
‘إنها الشخص الوحيد الذي يمكن أن يكون إمبراطور هذه البلاد!’
‘لماذا تفكِّرين بهذه الطريقة؟ ليس للأميرة أيُّ أساس سليم. وعلاوة على ذلك، إنها قاسية جداً.’
‘قاسية! إنها مُنقذتي!’
صرختْ آري بذلك وهي تضع يدها على صدرها. هدَّأ شوان قلبه المُضطرب وسأل مرة أخرى.
‘مُنقذتكِ؟ ماذا تقصدين بذلك؟’
عندما سأل شوان وكأنه لا يفهم، “سخرتْ” آري. كان هذا موقفاً لم يره شوان أبداً من أخته التي كانتْ دائماً “لطيفة وجميلة”.
منذ متى كان هذا؟ لم يستطع شوان أن يفهم أبداً ما يدور في ذهن آري.
‘أنتَ لا تعلم كم كان الأمر جحيماً أن أعيش في المجتمع باسم “أجمل امرأة في الإمبراطورية”. لقد كان عمري أربعة عشر عاماً فقط عندما شاركتُ في حفلة الظهور الأولى.’
لم تقل آري أكثر من ذلك. لقد نظرتْ إلى شوان كأحمق لا يستطيع أن يفهم حتى هذا.
ضحكتْ آري وهي تغطِّي فمها. كانت ابتسامتها المشرقة وكأنها عادتْ إلى طفولتها مُقشعرَّة إلى حدٍّ ما. وكأنها تُخبر شوان أنَّ كلَّ الابتسامات التي رآها من آري حتى الآن كانتْ مجرَّد تمثيل.
‘هل تظنُّ أنني لا أعلم أنَّ قلبك يميل إلى تلك المرأة، يا أخي؟’
تردَّد شوان ثمَّ أجاب:
‘لا تتحدثي يالهراء. أليس هذا شيئاً لا ينبغي أن يُقال في هذا الموقف؟’
‘بل يجب أن يُقال. أُريدك أن تُساعدني في إيقاع تلك المرأة في فخّ. ألن يكون الأمر مُحرجاً إذا كانتْ لديك مشاعر شخصية؟’
‘لا تظنِّي أنني سأتعاون في مثل هذا الأمر!’
صرخ بهذا، لكن آري ضحكتْ بصوت عالٍ. خرج شوان من غرفة آري وكأنه لا يُريد أن يسمع المزيد.
لا يزال صوت ضحك آري الذي تسرَّب من شقِّ الباب واضحاً في أُذنيه حتى الآن.
شوان الآن ينظر إلى ظهر لايلا وهي تغادر. كانتْ الريح تهزُّ شعر لايلا الأشقر المربوط عالياً، وكانتْ تتحدث إلى الفارسة الواقفة بجانبها.
لقد كان شيئاً غريباً حقاً. بعد محادثته مع آري، لم يمضِ وقت طويل حتى وقعتْ حادثة التزايد المفاجئ للوحوش السحرية في سهل ليار الغربي. وقالتْ آري لشوان أن ينضمَّ إلى حملة القضاء على الوحوش بموقف هادئ وكأنها كانتْ تعلم ما سيحدث.
‘كلُّ شيء سيسير وفقاً لإرادتها.’
إذاً، هل الأميرة أبيغيل لها علاقة بهذا الأمر؟ نفض شوان رأسه بعد أن توصَّل إلى فكرة مروِّعة.
لو كانتْ الأميرة أبيغيل تمتلك السحر، وخاصة موهبة ساحرة قوية إلى هذا الحد، لكان قد تمَّ الكشف عن ذلك في طفولتها.
ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف بحقِّ خالق السماء… سواء كان الأمر كذلك أم لا، فمن الواضح أنَّ الأميرة أبيغيل لا تملك المؤهلات لتكون إمبراطورة.
شاهد شوان لايلا وهي تبتعد تدريجياً. عندها رنَّ صوت آخر لـ آري في أُذنيه.
‘هل تظنُّ أنني لا أعلم أنَّ قلبك يميل إلى تلك المرأة، يا أخي؟’
اعتقد أن لا أحد سوف يعرف ذلك. لقد حاول جاهداً ألاَّ يكشف عن هذا الشعور غير المؤهل لأيِّ شخص. لم يستطع تحمُّل العار بمجرَّد أنَّ شخصاً ما اكتشف هذا الشعور.
كيف حدث هذا؟ في البداية، اعتقد أنها كانتْ مجرَّد امرأة مثيرة للاهتمام. لم تكن خطواتها دائماً مُشرقة.
لقد كانتْ تبحث عن المعلومات، وتثير الصراعات، وتهدِّد شخصاً ما. ومع ذلك، انجذب شوان إلى خطواتها الجريئة، وتعمَّقتْ مشاعره. هذا الشعور الذي لا يستحقُّ حتى أن يكون موجوداً.
***
بعد أن أكملتْ الجيوش القادمة من القصر الإمبراطوري والعائلات المختلفة استعداداتها، تمَّ تحديد تاريخ أول حملة للقضاء على الوحوش.
كان هناك بحيرة تُدعى إيريس في سهل ليار، وكان الهدف من هذه الحملة هو استعادة بحيرة إيريس من الوحوش السحرية.
قبل بدء حملة القضاء على الوحوش، ذهبتُ إلى معسكر السحرة للتأكُّد من أنَّ قلادة الحجر السحري التي أهداها لي يوليان كانتْ تحجب المانا بشكل صحيح. ولحسن الحظ، تلقَّيتُ رداً بأنه لا توجد مشكلة.
بعد تنظيم التشكيلات، تقدَّم الجنود نحو الوحوش السحرية وهم يحملون الأعلام والرماح والدروع والسيوف. كنتُ أركب حصاني أمامهم مع أبي وروين وآدم.
شعر السحرة بمانا الوحوش السحرية من مسافة بعيدة وتأكَّدوا من أعدادها التقريبية. كان عدد الوحوش السحرية التي من المحتمل مواجهتها حتى البحيرة حوالي مائتي وحش صغير، وخمسين وحشاً متوسطاً، وثلاثين وحشاً كبيراً.
كان وجود ثلاثين وحشاً كبيراً يُشكِّل تهديداً كبيراً. ولهذا السبب، حدثتْ ضجة بين الجنود.
لكن جنود عائلة وينسلي لم يخافوا. كانوا مقاتلين اعتادوا على قتال الوحوش السحرية في المنطقة الحدودية.
كان التوتُّر المناسب الذي يسري بينهم ناتجاً عن خبرتهم المتراكمة. كان يُمكن رؤية روح القتال التي لا تستخفُّ بالخصم، وفي الوقت نفسه لا تستسلم للخوف المسبق.
نظرتُ إلى الأمام وأنا أركب حصاني. كانتْ الأرض واسعة ومسطحة، لذا كان بإمكاني أن أرى أنَّ هناك العديد من الوحوش السحرية التي تحتلُّ هذا المكان، حتى دون أن أكون ساحرة.
كان الوحش السحري الضخم الذي يُخرج رأسه من وسط البحيرة مُهدِّداً للغاية.
كم سيكون حجم جسده تحت هذه البحيرة العملاقة؟ لم أرَ وحشاً سحرياً بهذا الحجم من قبل.
صرخ أبي بصوت عالٍ لرفع معنويات الجنود.
“هذا مجرَّد جبل آخر تسلَّقناه! دعونا نُريهم مَن حمى الإمبراطورية طوال هذا الوقت!”
وااااااه-
أطلق الجنود صيحات عالية. وبعد فترة وجيزة، سُمعتْ صيحات من كلِّ جيش.
بعد أن أنهى الجيش الإمبراطوري حديثه بالشكر للجميع وعبَّر عن أمله في أن يُقاتلوا بشجاعة، بدأتْ جميع التشكيلات في التقدُّم.
عندما بدأ صوت أقدام الناس والخيول يهزُّ الأرض، رفعتْ الوحوش السحرية التي كانتْ تتسكَّع على الأرض رؤوسها.
اتجهتْ حدقة الوحوش السحرية الحادَّة الشبيهة بالسحالي نحو البشر. وبعد فترة وجيزة، بدأ صوت أقدام الوحوش السحرية يتردَّد عالياً أيضاً.
كلما اختلط البشر والخيول والوحوش السحرية وبدأتْ في الهيجان، سُمع صوت اصطدام المعدن الحاد والمخالب ببعضها البعض.
قاتلتُ بشكل أساسي الوحوش السحرية المتوسطة وأنا على ظهر الحصان. على الرغم من أنَّ كاحلي كان قد شُفي تقريباً، إلا أنني كنتُ قلقة من أنَّ القتال العنيف قد يتسبَّب في انتكاسه مرة أخرى.
كنتُ أُثبِّتُ جسدي بقوة على ظهر الحصان ودفعتُ سيفي في فم وحش سحري متوسط الحجم، ثمَّ سحبتُه إلى الخارج.
غررررر-
سُمع صوت عواء وحش سحري آخر من خلفي مباشرة. أدرتُ سيفي على الفور وحاولتُ طعنه في الخلف.
“احذروا!”
وقف أحدهم بيني وبين الوحش السحري. تراجع الوحش السحري بضع خطوات بسبب الهجوم المفاجئ. ونتيجة لذلك، قطعتُ سيفي في الهواء.
“سيد إريانت.”
“هل إصابة ساقكِ لم تُشفى بعد؟”
لا بدَّ أن شوان كان يعلم بإصابتي لأنه حضر مسابقة الصيد. لم يعجبني أنَّ شوان كان قلقاً عليَّ و يحميني.
ضربتُ نصل سيف شوان بقوة وركبتُ حصاني نحو الوحش السحري المتوسط، وطعنتُ عنق هذا الوحش السحري هذه المرة. اندفع الدم اللزج وتمايل الحصان. مسحتُ عرف الحصان ونظرتُ إلى شوان بغضب.
التعليقات لهذا الفصل " 83"