عندما استيقظتُ فجأة من النوم، كان صوت المطر الذي يضرب النافذة بقوة لا يزال مسموعاً. فتحتُ عينيَّ الخاملتين بصعوبة ونظرتُ حولي.
في البداية، لم أتمكَّن من رؤية أيِّ شيء بسبب الظلام. ولكن عندما أدركتُ أنَّ أنفاس يوليان تُسمع من مكان قريب، بدأتْ رؤيتي تتضح تدريجياً.
“… أفزعتني.”
كان أول ما دخل عينيَّ هو عينا يوليان. تكشف عيناه عن لون أحمر خفيف حتى مع أقلِّ قدر من الضوء. حتى مع ضوء القمر الخافت الذي يتسلَّل من النافذة. مسح يوليان كتفي العاري بلطف.
“هل أفزعتُكِ؟”
“هل كنتَ تنظر إليَّ طوال الوقت؟”
“نعم.”
بطريقة ما، شعرتُ بخجل. سحبتُ الغطاء وغطيتُ نفسي حتى ذقني. أنا للتو فتحتُ عينيَّ ولا يمكنني تمييز سوى عينيه، لكن يوليان ليس كذلك. ضحك يوليان بصوت منخفض على تصرُّفي.
“أنتِ مُختلفة عن البارحة.”
عند كلماته، لم يكن أمامي سوى أن أتذكَّر ما حدث بيننا بالأمس. سحبتُه إلى السرير و حدث الكثير من الأشياء بعد ذلك.
“لم أكن في كامل وعيي البارحة.”
عندما قلتُ ذلك بنبرة مُربكة، انحنى يوليان نحوي. انزلق الغطاء عن جسده، وكشف عن صدره **العريض**. كلما تحرَّك، كانتْ العضلات المنحوتة في جسده العاري تتحرَّك معه.
“هل تندمين على ذلك؟”
قبَّل يوليان زاوية عينيَّ عندما قال تلك الكلمات، واعتقدتُ أنَّ هذا تصرُّف جبا* حقاً. لا أحد يستطيع أن يندم على قضاء ليلة مع رجل بهذه الجاذبية.
“لا. لقد فكَّرتُ فقط في أنني يجب أن أجرَّك إلى السرير في كثير من الأحيان.”
قلتُ ذلك بحزم، وضحك يوليان وكأنني دغدغتُه. وضعتُ يدي على خصر يوليان ونظرتُ إليه. لم أُرِد أن أُفسد هذا الوقت الهادئ، لكن كان عليَّ أن أقول ما يجب قوله.
“عائلتي سوف تتطوَّع لحملة القضاء على الوحوش السحرية.”
لقد أرسلتُ الرسول، لكنني لم أكن أعتقد أنَّ عائلتي ستطيع كلامي. أفراد عائلة ماركيز وينسلي كانوا من النوع الذي يفعل ما يعتقد أنه صحيح، حتى لو تسبَّب ذلك في اتهام الآخرين لهم.
لذا، حتى لو كان هناك احتمال أن يُتهموا بالخيانة، فإنهم لن يتجاهلوا سهل ليار الذي يتعرَّض لهجوم من الوحوش السحرية.
بدا أنَّ يوليان يتفق معي، فلم يقل شيئاً.
“لا أُريد أن أتخلَّى عن عائلتي هذه المرة.”
“هل تُريدين التطوُّع لحملة القضاء على الوحوش السحرية؟”
“نعم. أُريد أن أُشارك معهم وأُوفِّر دليلاً على أنهم لم يكونوا يُخطِّطون للخيانة.”
سحب يوليان جسده الذي كان قريباً مني إلى الخلف. ثمَّ قال بصوت هادئ:
“أنتِ مُصابة. وحتى لو لم تكوني كذلك، يجب أن تتخلَّصي من اللعنة.”
“سأُشفى من الإصابة قريباً. واللعنة بخير طالما أنَّ الخاتم يحميها.”
اقتربتُ منه وقلتُ ذلك وكأنني أتوسَّل إليه. أغمض يوليان عينيه وأخذ نفساً عميقاً. نهض من السرير وارتدى الروب الذي كان على الأرض.
“يوليان.”
نهضتُ لأُقنعه، خشية أن يكون غاضباً. لكنه أضاء المصباح على الطاولة واقترب مني وهو يحمل صندوقاً صغيراً.
جلس بجانبي مرة أخرى وفتح الصندوق. حتى في ضوء المصباح الخافت، كان بإمكاني أن أرى أنها قلادة.
“هل هي مصقولة من حجر سحري نادر؟”
“نعم. لقد فكَّرتُ في الأمر عندما رأيتُكِ تكذبين في مسابقة الصيد.”
“أيُّ كذبة… آه.”
لقد قلتُ إنني ألقيتُ حجراً سحرياً نادراً على الوحش السحري في مسابقة الصيد، وإنني حصلتُ عليه كهدية من يوليان.
لقد كانتْ مجرَّد كذبة ألقيتُها لتجنُّب الأزمة، لكن يبدو أنَّ يوليان كان يُفكِّر فيها طوال الوقت.
“هل أنتَ حقاً تُعطيني إياها؟”
“لم أكن لأصنعها لنفسي، أليس كذلك؟”
كان صوته مُنزعجاً بعض الشيء. يبدو أنه لم يكن سعيداً على الإطلاق بـ مُشاركتي في حملة القضاء على الوحوش.
“أنا أعرف بالفعل أنكِ شجاعة بما يكفي لرمي حجر سحري نادر على وحش سحري، لذلك وضعتُ عليه سحر حجب المانا. من حسن الحظ أنني فكَّرتُ في ذلك، بما أنكِ تقولين إنكِ ستقتحمين الوحوش السحرية هذه المرة.”
ابتسمتُ ليوليان بخجل ووضعتُ يدي على القلادة. تأكَّدتُ من حجب المانا، ولم أرَ الهلاوس التي كانتْ تأتيني في كلِّ مرة ألمس فيها حجراً سحرياً نادراً.
“إذاً، هل هذا يعني التمنِّي لي بحظ سعيد؟”
“يعني أيضاً أنني أُريد أن أُعطيكِ أغلى جوهرة في العالم.”
“بالتأكيد. سأكون أول امرأة تستخدم حجراً سحرياً نادراً كزينة دون أيِّ تأثير.”
أعطاني يوليان الصندوق ورفع القلادة. يبدو أنه ينوي وضعها حول عنقي.
أمسكتُ شعري بيدي ورفعتُه قليلاً. عندما لفَّ يوليان ذراعه حول عنقي، لمستْ عظمة الترقوة ملمس المعدن البارد. مع صوت نقرة خافت، وُضعتْ القلادة، ولمستُها بيدي.
“سنُغادر بعد أن تُشفى إصابتكِ بالكامل.”
أومأتُ برأسي بـإذعان. كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله لهذا الرجل الضعيف أمامي.
“لديَّ طلب.”
“ما هو؟”
“ابقَ في العاصمة وراقب الأميرة أبيغيل. حتى لا تتمكَّن من فعل أيِّ شيء في حملة القضاء على الوحوش السحرية.”
“سأفعل.”
استلقينا على السرير مرة أخرى. لم نُطفئ المصباح، لذا كان بإمكاننا رؤية أجساد بعضنا البعض بوضوح.
نظرتُ إلى يوليان ورأسي مائل على الوسادة. كان جسده الذي كان مجرَّد مُحيط قبل قليل يبدو أمراً غريباً بعض الشيء. حاولتُ النظر إلى وجه يوليان، لكن عينيَّ نزلتا إلى جسده بين الحين والآخر.
“زوجتي مُتطلِّبة بعض الشيء.”
“هل أنتَ أفضل حالاً مني بالأمس؟”
تبادلنا المزاح. بعد أن نظرتُ إلى جسد يوليان عدة مرات، شعرتُ فجأة بتناقض قوي.
مددتُ يدي وأزحتُ الروب الذي كان يغطِّي جسده بصعوبة. شعرتُ بـ تجمُّد جسد يوليان من الدهشة، لكنني لم أتوقَّف.
“يوليان.”
“… لماذا.”
“جسدك…”
فتحتُ عينيَّ على مصراعيه ودفعتُه على السرير. ثمَّ خلعتُ الروب حتى كتفيه. أمسك يوليان بذراعيَّ، لكنني لمستُ كتفه كشخص لا يعرف الخجل على الإطلاق.
“يوليان!”
عندما ناديتُ يوليان بفرح، بدا وكأنه أدرك شيئاً هو أيضاً. نظر إليَّ بذهول ومسح كتفه، ثمَّ صدره وبطنه.
كانتْ الصخور والحجر السحري الذي كان يُغطِّي نصف جسده قد بهتتْ. تماماً كما تضاءل الحجر السحري في يده في المرة السابقة.
كان الحجر السحري لا يزال على وجهه، لكن المنطقة التي كان يشغلها الحجر السحري حول رقبته قد تقلَّصتْ كثيراً. هذا يعني أنه لم يعد بحاجة إلى ارتداء عباءة مُحرجة لإخفاء جسده المُتشوِّه.
احتضنتُ يوليان بشدة ووضعتُ خدِّي على صدره. عندها سمعتُ بوضوح صوت قلبه. كان القلب الذي يدقُّ بقوة يعني الأمل.
لفَّ يوليان ذراعيه حول جسدي بـ حركة متصلِّبة. ثمَّ قال بعدم تصديق:
“أنتِ مُعجزتي يا لايلا.”
كانتْ كلماته التي قالها وكأنه غائب عن الوعي حلوة وجميلة للغاية. لا يزال هناك وقت حتى يتوقَّف المطر.
تمنَّيتُ أن تكون هذه الغرفة الضيِّقة هي العالم كله. تمنَّيتُ بشدة أن يستمرَّ الوقت حيث نقبِّل بعضنا البعض إلى الأبد، دون عائلة نخسرها، ولا أشخاص يُؤذونني.
***
بعد أن توقَّف المطر وجفَّتْ الأرض، استعدَّينا للمغادرة على الفور. واصلت سيلفيا، بوجهها الخال من التعبير، علاج ساقي بكلِّ إخلاص، وبفضلها تمكَّنتُ من المشي بشكل طبيعي. إذا توخَّيتُ الحذر قليلاً، فسأتمكَّن قريباً من الركض وركوب الخيل.
“يا صاحبة السمو الدوقة الكبرى، سأُرسل إليكِ رسائل إلى سهل ليار بمجرد تقدُّم العمل.”
قالت سيلفيا بإخلاص، وعبَّرتُ عن امتناني.
“إذا شفيتِ لعنتي يا سيلفيا، فسأعتبركِ مُنقذتي.”
“هذا واجبي. لا أتوقَّع مكافأة مُبالغاً فيها.”
أُعجبتُ بـ سيلفيا التي كانتْ صارمة إلى حدٍّ مُفرط. لم تنظر إلينا أو إلى زوجي الملعون بغرابة، ولم تعتبرنا أهدافاً للتجارب. لقد حمتْنا حتى من السحرة الآخرين الذين كانوا ينظرون إلينا بفضول.
لقد كانتْ أقلَّهم شبهاً بـ ساحرة، ولكن في الوقت نفسه، كانتْ الشخص الذي لديه أكبر قدر من الفخر بمهنة الساحر.
“شكراً لكِ يا سيلفيا. سنلتقي قريباً.”
“أتمنى لكِ التوفيق.”
بعد أن ودَّعتُ سيلفيا، صعدتُ إلى العربة بمرافقة يوليان. جلستُ بجوار يوليان وأسندتُ رأسي على كتفه. كلما ابتعدنا عن الغرب واقتربنا من الشرق، زادتْ قبضة يوليان على يدي.
توقَّفنا أولاً في مكان يمكننا فيه سماع أخبار عائلة ماركيز وينسلي وجمع المعلومات. عندما سألنا أحد الحُرَّاس الذين يحرسون بين الإقطاعيات، جاءنا الردُّ المتوقَّع.
“ما الذي تتوقَّعونه من ماركيز وينسلي؟ يُقال إنه هرع إلى الغرب بمجرد سماعه أخبار ظهور الوحوش السحرية.”
“شكراً لك.”
كان ذلك متوقعاً، لكنه حدث. حتى أنني فكَّرتُ أنَّ الرسالة التي أرسلتُها ربما لم تصل إلى عائلة الماركيز وينسلي قبل أن يُغادروا. إذا كان الأمر كذلك، كان عليَّ أن أُسرع أكثر.
قرَّرتُ ركوب الخيل بدلاً من العربة البطيئة. بدا يوليان وكأنه يُريد أن يمنعني، لكن عندما رأى إصراري القوي، سمح لي في النهاية.
عندما ركبتُ الحصان، قال يوليان وهو يُمسك بلجام الحصان:
“لا تنسي أن لديكِ ديناً يجب أن تدفعيه لي.”
عند سماع كلماته، انحنيتُ وقبَّلتُ يوليان.
“سأعود لتسديده بالتأكيد.”
تبادلتُ النظرات مع يوليان وقلتُ وداعاً، ثمَّ ضربتُ اللجام بسرعة. بمجرد أن بدأ الحصان في الركض، اتسعتْ المسافة بيني وبين العربة على الفور. عضضتُ على أسناني وشعرتُ بملمس القلادة وهي تهتزُّ داخل ملابسي.
التعليقات لهذا الفصل " 80"