4
تجمّدت تماماً وأمسكت قدمه بين يديّ، وانحنيت مراراً حتى كاد رأسي يلامس الأرض.
“آسف، آسف، أنا آسف حقاً!”
لكنني تذكرت فجأة أن الاستمرار في الإمساك بقدمه قد يكون سلوكاً غير لائق، فوضّعتها بلطف على الأرض.
أدركت أنني قد أموت قبل أبيل إن استمر الأمر هكذا.
وبالطبع، لم يكن بوسعي أن أموت هكذا.
شرعت أدير عجلة أفكاري بسرعة.
التوسل هو الحل الوحيد الآن.
وقبل أن أنهي تفكيري، وجدت نفسي جاثياً على ركبتي أمامه.
“ارْحَمْنِي! لا أستحق العيش!”
وفي تلك اللحظة بالضبط، فُتح باب غرفة الدوق.
بدأ لون وجه رويل يَشِحّ تدريجياً وهو يرى الدوق جالساً على الأرض بإحدى ساقيه ممددة بشكل غير مريح، وأنا جاثٍ على ركبتي أمامه.
نظرت بحذر نحو الدوق، وأنا أتساءل إن كان هذا هو القدر الذي سينهي حياتي هنا.
والتقت عيناي بعينيه اللتين لا يمكن قراءة ما يجول خلفهما.
بدا الهالات السوداء المحيطة بعينيه وكأنها أصبحت أعمق.
شعرت بقشعريرة باردة تسري على طول ظهري في لمح البصر.
في هذا الجو المشحون، وقف رويل أيضاً كأنه مُسمرّ في مكانه، غير قادر على فتح فمه بتهور.
“… أتريد الموت حقاً؟”
حينها، اخترق الدوق الصمت المحيط بكلامه.
وعندما سمعت عبارته، شعرت وكأن قلبي سقط من مكانه.
ماذا، ماذا يجب أن أرد؟
كان الجو مشحوناً لدرجة أن مجرد التنفس بدا صعباً.
لكن ذلك لم يدم طويلاً، فرفع الدوق زاوية فمه قليلاً.
“أنا أمزح.”
“……”
نظراً للجو المشؤوم، لم يبدو كلامه وكأنه مزحة على الإطلاق، لكن بما أنه هو من وصفه بالمزحة، فلا بد أنها كذلك.
بينما كنت أراقب ردة فعله، نهض الدوق من مكانه.
ثم انهار على الأريكة، ومرر يده عبر خصلات شعره المتساقطة.
لم يبدو إطلاقاً كشخص سقط أرضاً.
بل بدا مفعماً بالاتزان والهدوء.
ارتفع صوته الكسول من فوق رأسي:
“أأبدو لك كشخصٍ يقتل الناس بهذه السهولة؟”
“بالطبع لا!”
أجبته فوراً كمن كان ينتظر السؤال، خشية أن يساء فهمي.
بدا أن إجابتي أرضته، فابتسم ابتسامة خفيفة.
مع ابتسامته، بدا أن بعض التوتر لديّ قد خف.
هل كان بسبب ذلك؟ بدا وكأن وجه الدوق يشرق.
كان مختلفاً تماماً عن الصورة التي سمعت عنها من الشائعات.
وماذا في ذلك؟ المهم أنه يعامل خطئي بتسامح كبير كهذا!
على عكس توقعاتي، بدا الدوق في مزاج جيد جداً، وبدأ قلبي الذي كان يخفق بشدة يعود إلى طبيعته.
أخرج سيجاراً من علبة السيجار الموجودة على الطاولة.
ثم قطع طرفه ووضعه بين شفتيه.
“ما اسمك؟”
على الرغم من أنني لم أخبره باسمي إلا قبل أقل من يوم، إلا أنني أجبت دون ذعر وبهدوء:
“(تشيس).”
لكن الدوق، وكأنه لم يسمعني، أدخل يده في جيبه باحثاً عن شيء ما.
لكن يبدو أنه لم يجده.
تقلصت حاجباه الرقيقان قليلاً.
(رويل)، الذي كان يترقب الموقف بجانبنا، أسرع وأشعل السيجار الموضع بين شفتي الدوق الحمراوين.
حدّق الدوق بيّ، وأنا لا أزال جاثياً على ركبتي أمامه، بينما السيجار في فمه.
ثم أطلق دخاناً كان يحتفظ به في فمه.
من بين الدخان الكثيف، لم أستطع حتى تخمين ما يدور في ذهنه.
“انهض.”
وقبل أن يكمل جملته، قفزت واقفاً على الفور.
فأشار الدوق برأسه نحو الأريكة الموضوعة أمامه.
ترددت قليلاً، ثم جلست على حافة الأريكة كما أمر.
رويل، الذي كان يراقبنا، أطلق أخيراً تنهيدة ارتياح، وكأن قلبه اطمأن، وبدأ يضع الأطعمة التي أحضرها على الطاولة.
حينها، بدأ الدوق فجأة يقول كلاماً غريباً.
“أيها الشاب.”
“نعم!”
“هل تناولت الفطور؟”
عندما يسألني بشخص وسيم بمثل هذه اللطافة إن كنت تناولت الفطور، لماذا أشعر بهذا الشعور الغريب؟
أجبت على سؤاله بإيماءة خفيفة من رأسي:
“نعم، لقد تناولته قبل المجيء.”
“أحقاً؟ إذاً أنت جائع الآن؟”
بينما كان عقلي يدور بسرعة لمحاولة فهم قصده، وكأنه يريد إسكات أفكاري، تابع الدوق الحديث بصوت مشبع بسخرية خفيفة:
“أنا شخص متسامح إلى حد ما كما تعلم.”
“ماذا؟ آه، نعم، سيادة الدوق، تبدو متسامحاً جداً بالفعل.”
أجبته وأنا أومئ برأسي بسرعة تأييداً لكلامه.
بالنظر إلى وجهه فقط، يبدو وكأنه أكبر شرير في هذا العالم، لكني سمعت أنه لا ينبغي الحكم على الأشخاص من مظهرهم.
بدا الدوق في غاية الرضا عند سماع إجابتي.
بل بدا وكأنه في مزاج جيد بشكل غريب.
التفت الدوق نحو رويل، الذي كان قد تجمد تماماً أثناء استماعه لحديثنا، وفتح فمه بصوت قاسٍ:
“ماذا تفعل واقفاً هناك؟”
“….آسف سأجهز الطعام فوراً.”
لم يتمكن رويل من إخفاء نظرات قلقه المستمرة وهو يرتب الأطباق على الطاولة.
وبالطبع، كانت مشاعره متوافقة إلى حد ما مع مشاعري.
… لماذا يتصرف هذا الرجل بهذه الطريقة؟
أطفأ الدوق السيجار وفتح فمه:
“استمع.”
مرّ أقل من دقيقة (شعورياً) منذ أن قلت إنني تناولت الفطور.
لكن نظرات الدوق الثاقبة الموجهة نحوي كانت أشد حدّة مما توقعت.
وكأنه لاحظ أنني بدوت خائفاً بعض الشيء بسبب تعابيره المشؤومة، أرخى الدوق زاوية فمه قليلاً وتحدث:
“لقد أعجبتني كثيراً، لذلك أدعوك لتناول الطعام معي، فلِم لا تريح نفسك من هذا التوتر؟”
“…إذاً، سأتناوله بشكر.”
كان فطوري رائعاً جداً، لكن وجبة الدوق كانت أكثر روعة.
كان وكأن الألعاب النارية تنفجر في فمي.
لكن لم أستطع إطلاق هتافات بوقاحة أمام الدوق، لذلك اكتفيت بتكرار عبارات الشكر له كالببغاء.
وكانت الابتسامة الدافئة التي أظهرتها بين الحين والآخر مجرد إضافة.
“أنا سعيد لأنك تستمتع به.”
ابتسم الدوق ابتسامة عريضة وهو يدرسني بانتباه، ثم اتكأ بظهره بسهولة على مسند الأريكة.
صحيح أنني، وأنا الذي كنت أجوع في الشوارع دون طعام، محظوظ جداً لتناول مثل هذه الوجبة.
وصحيح أيضاً أن تناول الطعام بمفردي أمام الدوق الوحيد في المملكة هو أمر يتجاوز مقامي…
لكن هذا الموقف كان غريباً جداً.
وخير دليل على ذلك، كان رويل الواقف بجانبي يتلوى من عدم الارتياح.
وفي النهاية، وكأن إحساس الدوق بهذا الأمر قد ازداد، أصدر أمراً لـرويل بمغادرة المكان.
وبمغادرة رويل، الذي كان شريان الحياة الوحيد بالنسبة لي، توقفت الأطعمة عن المرور عبر حنجرتي.
بالإضافة إلى ذلك، كانت نظرات الدوق الثابتة نحوي مرهقة للغاية لدرجة أنني لم أعد أميز إن كان الطعام يدخل عبر أنفي أم فمي.
في النهاية، لم يكن بوسعي إلا أن أسأل الدوق بحذر، وهو الذي كان ينظر إليّ كأنه على وشك افتراسي:
“لكن… ألا تأكل أنت، سيادة الدوق؟”
ابتسم الدوق ابتسامة جميلة عند سماع سؤالي وقال:
“مجرد مشاهدةك تأكل يملأ معدتي.”
كان لدى الدوق موهبة استثنائية في جعل الناس يشعرون بالخوف بمجرد مجاملاته البسيطة.
“على ما يبدو، يجب أن أدعوك لتناول الطعام بين الحين والآخر كلما فكرت في الأمر، يبدو أنه يوفر عليّ تكاليف الطعام وهو أمر جيد.”
كان الأمر أشبه بالجلوس على جمر.
بالطبع، مقارنة بالشائعات المشؤومة حول الدوق، كان هذا عقاباً معتدلاً جداً…
وبينما كان يراقبني بتأنٍ وأنا أتناول الطعام، غيّر الدوق وضعه.
“هل أنت من الجنوب؟”
كنت أتقلص عند كل حركة من حركاته، فأومأت برأسي بحذر.
“مسقط رأسي في الجنوب، لكنني عشت في العاصمة باستمرار منذ أن كنت في الحادية عشرة.”
“إذاً أنت تقريباً من سكان العاصمة؟”
“هذا…صحيح.”
“أي نوع من الأشخاص كان والداك؟”
لم يسأل إذا كانا أحياء أم ميتين، بل سأل “أي نوع” من الأشخاص كانا.
من الواضح أنه قرأ خطاب التوصية بعناية.
“كانا شخصين طيبين لدرجة أنني أتساءل إذا كنت سأقابل أشخاصاً مثلهما مرة أخرى خلال حياتي.”
حلّ الصمت فور انتهاء كلامي.
طبعاً، لم يكن صمتاً تاماً.
كان هناك صوت تحرك عقارب الساعة، وصوت احتكاك أدوات المائدة بينما كنت أستخدم الشوكة.
ثم فتح رايدن فمه بتعابير وجه جامدة:
“أتأكل جيداً.؟ “
“ن، نعم شكراً. أنا أحب الأكل كثيراً.”
“يبدو ذلك.”
عند سماع مجاملته، أمسكت الشوكة بجد مرة أخرى.
طالما أنه لا يطلق الرصاص على رأسي بمسدسه، فالأمر أفضل من تلك الشائعات المشؤومة التي تقول إنه يقتل الناس دون أسباب كبيرة.
***
“(تشيس)!”
رأيت بيتر يقترب وهو يلوح لي من نهاية الممر. اقترب مني وضرب كتفيّ بخفة وهو يمازحني وسأل:
“كيف كان يومك الأول في العمل اليوم؟”
ابتسمت ابتسامة محرجة عند سماع سؤاله وخدشت خدي.
“حسناً… في الحقيقة، تسببت في حادثة.”
لم أذكر أنني طرحت الدوق أرضاً بكل قوتي.
عند سماع كلامي، ضحك بيتر ضحكة مكتومة وقال:
“ارتكاب الأخطاء أمر طبيعي للموظف الجديد أنت شخص طبيعي.”
على الرغم من كلمات بيتر الدافئة، لم أستطع التخلص من شعور القلق بسهولة.
“ماذا لو كرهني الدوق بسبب هذا….؟”
“لا بأس. أنا أيضاً ارتكبت الكثير من الأخطاء في البداية، لكني ما زلت أعمل هنا بسلام حتى الآن.”
أشار بيتر بكتفيه وكأنه يقول لي لا تقلق.
“… هل ارتكبت أنت أيضاً الكثير من الأخطاء؟”
“نعم. لا أتذكر التفاصيل، لكن ما أتذكره جيداً هو أن الدوق غضب غضباً شديداً وحملني على كتفه وهمّ برميي من النافذة.”
“……”
“لكن…كما تعلم، كانت أول مرة أشتغل فيها كخادم عندما بدأت أعتاد على العمل، لم يعد يعيرني أي انتباه لذلك لا تلـم نفسك كثيراً.”
ضحك بيتر ضحكة عريضة وهو يربت على كتفيّ.
طمأنتني كلمات (بيتر) قليلاً.
لكن ركناً من قلبي كان لا يزال ثقيلاً.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 4"