3
رغم أنني سعيده بأن الوجبة كانت لذيذة، إلا أنني لم أستطع فهم سبب تنازل الكثيرين عن هذا الطعام والراتب وتركهم لقصر الدوق.
‘هل لهذا السبب بدأت أشعر بالقلق الآن بشدة من صعوبة العمل؟’
وكأنه يريد أن يطمئنني على سؤالي، فتح بيتر فاه متحدثًا:
“لأنهم كانوا جميعًا سيدات صغار لم تلمس أيديهم قطرة ماء.”
“سيدات صغار؟”
“أجل. أليست عائلة دوق آكاروت أعرق عائلة في المملكة؟ لذا، عندما تولى الدوق الحالي لقبه، تقدم العديد من السيدات الصغار أصحاب الألقاب الفخرية لوظيفة الخدمة الشخصية لعلهن ظنن أن بوسعهن إقامة علاقة ما مع العائلة الدوقية بأي طريقة.”
“فهمت.”
“من المؤكد أنهم كانوا مغمورين بغطرسة كونهم نبلاء، لكن الدوق لا يميز بين الناس ويعامل الجميع على قدم المساواة ألم تشهد ذلك في أول يوم؟ الجميع يهربون بسبب شخصية الدوق.”
شخصية الدوق…
بكلمات بيتر، استحضرت دون قصد الإشاعات المنتشرة في المملكة عن الدوق.
ترددت للحظة في سؤاله عن تلك الإشاعة، لكنني في النهاية فتحت فمي:
“… لكن، هل تلك الإشاعة حقيقية؟”
عند سؤالي، توقف بيتر للحظة.
رغم أنني لم أذكر له تحديدًا أي إشاعة عن الدوق، إلا أن تعبير وجهه بدا وكأنه يعرف ما أعنيه.
“حسنًا… هذا شيء يجب أن تحكم عليه بنفسك من الآن فصاعدًا”
قال ذلك مبتسمًا ابتسامة صغيرة.
كانت ابتسامته غريبة بشكل مخيف.
دون وعي، قلدت ابتسامته وابتلعت قطعة الفاكهة التي كانت في فمي.
كان آل آكاروت سيف المملكة الحامي.
كان الأمر كذلك من الماضي حتى الحاضر، وكان الناس يؤمنون دون شك بأنه سيكون كذلك في المستقبل أيضًا.
وإلى جانب هؤلاء الآكاروت، كانت هناك دائمًا سيدة النصر.
فقط خذ مثال الدوق السابق لآكاروت، الذي انتصر بجدارة في الحرب الأحدث.
لكن بطل الإشاعة كان رايدن آكاروت.
على عكس والده البطل، لم تتجه فوهة مسدسه نحو الأعداء فقط.
كان الدوق يعتبر الجميع أعداءً باستثناء نفسه، فقد وجه مسدسه نحو الجميع على قدم المساواة، ولم تكن معاييره لذلك واضحة أبدًا.
في أحد الأيام كان مزاجه سيئًا، وفي يوم آخر لم يعجبه الطعام، وفي يوم آخر لأن الطقس كان صحوًا.
بعذرٍ شتى، أطلق النار عشوائيًا.
وقد سمعت أن العديد من الناس سقطوا ضحايا له.
ولهذا السبب، كان أهل المملكة يقولون إنه، وهو الذي يسير في طريق مختلف تمامًا عن رؤساء عائلة آكاروت السابقين، مجنون.
تذكرت شكل رايدن الذي رأيته بالأمس، وبدأت أعتقد أن تلك الإشاعة قد تكون جميعها صحيحة.
ربما كان له دور في سبب مقتل آبيل.
فجأة، لم يكن التفكير في ذلك أمرًا غير معقول.
***
“تشيس، ستكون مسؤولاً عن خدمة الدوق يمكنك تعلم العمل باتباعي لمدة شهر.”
لحسن الحظ، جاء الحظ بطريقة غير متوقعة.
أنا، وليس آبيل، من سيكون في خادم الدوق.
بقدر ما كنت قلقة من أن يكون الدوق قد آذى آبيل دون سبب، كان هذا أمرًا محظوظًا للغاية.
“أخي الأكبر، هل… يمكنني أن أسأل عن المهمة التي سيتوللها أخي؟”
“آبيل لديه بنية جيدة جدًا، لذا سيتولى مع بيتر الأعمال التي تتطلب قوة بدنية أو استقبال الضيوف الذين يزورون القصر الدوقي.”
أضاف رويل كما لو كان يطمئنني.
“وجهه الوسيم مناسب تمامًا لخدمة الضيوف.”
كان آبيل وسيمًا بالفعل، كما قال.
لخص كلمات رويل التالية بأنني في المستقبل سأتبعه وأتعلم كيفية خدمة الدوق، وعند وجود حفلة أو جدول أعمال مهم في المنتصف، يجب أن أساعد في الأعمال.
“سمعت من السيد هنري أنك تستطيع القراءة والكتابة. أليس كذلك؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“هذا جيد. ذلك سيجعل العمل أكثر سهولة.”
مدّ لي رويل الكتاب الذي كان يحمله.
عندما ألقيت نظرة سريعة على فهرس الكتاب، كان كتابًا عن آداب السلوك الأساسية مثل ترتيب تقديم الطعام وطريقة تحية السيد، إلخ.
“سأخبرك شخصيًا بالتفصيل عن النقاط التي يجب الانتباه إليها عند خدمة الدوق بالترتيب، ولكن أولاً، من الأفضل أن تحفظ آداب السلوك الموجودة في ذلك الكتاب حتى مواقع وضع الأطباق أثناء الوجبات محددة.”
كنت أعرف مواقع وضع الأطباق تقريبًا.
لأنني تلقيت رعاية من عائلة الماركيز وعوملت كنبيل.
حسنًا، بسبب ذلك، تعرضت أنا وآبل لمضايقات صغيرة من الخدم الذين كانوا يستاءون من تعاملنا كأيتام معاملة النبلاء.
“ويجب أيضًا أن تعرف كيفية العزف على الآلات الموسيقية الأساسية… لم تتعلم العزف على آلة موسيقية من قبل، أليس كذلك؟”
عند سماع كلماته، أومأت بحذر.
أضاف رويل كلماته كما لو كان يقول لا بأس.
“على أي حال، تعديل مزاج السيد هو أيضًا من مهامنا بالطبع، ستتعلم طريقة العزف على الآلة الموسيقية في النهاية هناك عازفون منفصلون، لذا ليس الأمر عاجلًا.”
“حسنًا!”
عند ردّي القوي، ابتسم رويل ابتسامة صغيرة ثم أومأ برأسه كما لو كان يقول اتبعني.
كان المكان الذي اتجهنا إليه أنا ورويل أمام غرفة الدوق.
“اليوم، فقط شاهد ما أفعله.”
همس رويل بهدوء قبل أن يطرق باب غرفة الدوق.
لحسن الحظ، يبدو أننا لن نبدأ التدريب العملي بعد.
مع كلماته الدافئة، بدا أن جسدي الذي كان متوترًا ومتصلبًا قد استرخى قليلاً.
عندما أومأت برأسي موافقة، بدا أن رويل قد اطمأن أخيرًا وقرع باب الغرفة.
ثم سقطت كلمة الإذن بالدخول من داخل الغرفة.
وقفت منتصب القامة كما علمني رويل.
بعد ذلك، تعلمت بعيني الجانبية مما كان يفعله رويل وانحنيت بانحناءة مهذبة.
كان الدوق جالسًا على الأريكة يقرأ الجريدة وقدماه على الطاولة.
كان منظر الدوق، بلباسه الخارجي الأنيق وحذائه الأسود، في هذه الوضعية غير اللائقة، يبدو غريبًا للغاية.
“بما أنك متعب، هل تفضل الاستحمام أولاً؟”
عند كلمات رويل، توقفت للحظة.
“هل دخل للتو في الصباح؟”
نظرت دون وعي إلى خارج النافذة حيث كانت شمس الصباح تشرق بسطوع.
“لا داعي، استعد من الصباح.”
الآن حين فكرت، يبدو وجهه أكثر تعبًا بكثير من الأمس.
على عكس الأمس حيث كان يبتسم بخبث رغم كلماته العنيفة، كان اليوم بلا أي تعبير على وجهه تمامًا.
أي بعبارة أخرى، كان اليوم يبدو أكثر خطورة من الأمس.
انطلق جرس الإنذار الأحمر في رأسي.
صححت وقفتي مرة أخرى كي لا أغضب الدوق قدر الإمكان.
لكن نظرة الدوق اتجهت نحوي على الفور.
“هل لديه شيء ليقوله؟”
عندما نظرت إلى الدوق بحذر، أومأ الدوق برأسه نحو قدميه.
… ما هذه الإشارة؟
لم يعلمني رويل بشيء كهذا.
لحسن الحظ، قبل أن أرتكب خطأ، سبقني رويل.
“تشيس لا يزال متدربًا، لذا سأفعل ذلك بدلاً منه—”
“أليس أحمقًا حتى لا يستطيع خلع حذاءٍ واحد؟”
عند كلمات الدوق الغاضبة، أُغلق فم رويل على الفور.
كانت عينا الدوق داكنتين كلون شعره بسبب التعب الشديد.
كنت لأفضل لو كان يبتسم بخبث كما كان بالأمس.
قال الدوق كما لو أن الأمر لا يستحق مزيدًا من الكلام.
“اذهب وأحضر الفطور.”
لو جمعت كل خشونة العالم لصنع مقلة عين، ستكون بالتأكيد تلك العينان.
“… حسنًا.”
بدأت الزلازل في بؤبؤة عين رويل.
اقتربت من الدوق بحذر، مضطرًا ومكرهًا.
كما قال الدوق، كان خلع حذاء واحدًا شيئًا يمكنني القيام به دون تدريب.
نظر رويل إليّ بعينين قلقتين ثم غادر الغرفة على مضض.
أخذت نفسًا عميقًا في داخلي ثم اقتربت من الطاولة حيث كانت قدماه مستقرتين وجلست القرفصاء بجانبها.
لحسن الحظ، كان الدوق يقرأ الجريدة، لذا كان شكلي جالسًا تحت قدميه مخفيًا خلف الجريدة.
الحذاء الذي يرتديه ليس حذاءً بسحاب أو أربطة، بل حذاء مستقيم الشكل يُلبس بدفع القدم بقوة داخله.
‘أليس من المفترض أن تكون رائحته كريهة؟ ماذا لو لم أستطع تحمل الرائحة وتقيأت؟’
وضعت يدي على حذاء الدوق وأنا أحمل شعورًا بعدم الأمان.
استعدادًا لأي رائحة محتملة، وأنا أحبس أنفاسي، أمسكت بطرفي الحذاء ودفعته بقوة للأمام.
لكن الرائحة لم تكن المشكلة.
مهما بذلت من قوة، لم يتحرك الحذاء الضيق على قدم الدوق حتى بمقدار ذرة.
شعرت وكأن العرق يتساقط من يدي، فمسحتهما على سروالي بسرعة ثم بذلت قوة مرة أخرى لخلع الحذاء.
بعد معاناة طويلة، خلعت أخيرًا الحذاء الأيمن للدوق.
لحسن الحظ، لم تكن هناك رائحة.
مهما شممت، لم تكن هناك رائحة قدم كريهة.
كانت رائحة الهواء النقي ثقيلة فحسب.
كان شعوري بالدهشة لحظة عابرة، ثم تحركت لمكاني لخلع الحذاء الآخر.
كما فعلت سابقًا، بذلت قوة في يدي الممسكة بالحذاء واهتزت مرة أخرى.
لكن يبدو أن الحذاء اللعين كان ملتصقًا بقدم الدوق بقوة أكبر من السابق.
مهما بذلت من قوة، لم يتغير شيء.
في تلك اللحظة، سقطت الجريدة التي كان يمسكها الدوق على الأرض بصوت حفيف.
نظرت إليه دون قصد فزعًا، كانت عينا الدوق القاسيتان مغمضتين.
‘لا عجب أنه لم يقل شيئًا رغم أن ما أفعله الآن يستحق العقاب.’
قررت إنهاء كل شيء قبل أن يستيقظ.
كان الأمر أفضل بكثير باعتقادي أنه لا يراقبني.
أمسكت بحذاء الدوق بقوة وسحبت بكل قوتي، وبشكل غريب، لم يتحرك الحذاء فحسب، بل تبع جسد الدوق بأكمله.
مع صوت ارتطام، سقطت على مؤخرتي وأنا ممسك بحذاء الدوق، بينما سقط الدوق من على الأريكة وهو ممسوك بإحدى قدميه.
كان الأمر سريعًا جدًا، لذا رمشت بعينَيَّ بوجهٍ غبي.
“… ماذا فعلت الآن؟”
لكن حالما أدركت الموقف، بدأت القشعريرة تنتشر في جسدي كله.
عندما وجهت نظري نحو الدوق الذي سقط من على الأريكة، رأيت عينيه الرماديتين الحساستين بلا حدود تنظران نحوي.
(تتحدث البطلة بصيغة المذكر مراعاة للدور)
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 3"