2
هل تنسى البطلة بطل الرواية؟!
ظننت الأمر ضربًا من الخيال، لكنه كان الحقيقة.
اغتنم الماركيز سيفيل، الذي لم يكن يُكنّ ودًا لـ أبيل القريب من إيسيس، هذه الفرصة وأمر أبيل بمغادرة القصر ومعه.
لكن أبيل رفض طلبه.
كان رفض البطل أبيل أمرًا متوقعًا، لكن المشكلة كانت في شيء آخر.
بدأ البارون “أوين”، أحد نبلاء عائلة سيفيل الذي يُحبّ” تعذيب الصبيان”، بالتقرب مني.
كظمت غيظي عن ضربه وأجبت بردود ملتوية، لكنه كان بدينًا لدرجة أن شحمه سدّ أذنيه (أو هكذا بدا) ولم يفهم كلامي البتة.
لم يكن أول ولا آخر مرة يحاول فيها الإمساك بمعصمي قسرًا وسحبي إلى مكان ما.
في كل مرة، كان أبيل يتصدى له، لكن أبيل الأقل مكانةً كان يتلقى الضرب نيابةً عني من البارون أوين.
عندما علم الماركيز سيفيل بهذا، قدّم شرطًا: حمايتي من البارون.
في النهاية، لم يكن أمام أبيل خيار سوى مغادرة القصر، ولو من أجلي.
وكان هذا هو ما جعلني أتذكر الحبكة الأساسية لهذه الرواية.
أدركت متأخرًا: “آه، كل أحداث الرواية بدأت من هنا.”
لو تذكرت مبكرًا، هل كنت سأتمكن من منع حادثة إيسيس؟ لكن الندم المتأخر لا يغيّر شيئًا.
***
وضع أبيل خطاب التوصية الذي سلّمه إياه الماركيز سيفيل بعناية في جيبه وبدأ بحزم أمتعته المتواضعة.
“هل ستذهب حقًا إلى منزل الدوق؟”
سألته مرة أخرى وهو على هذه الحال، لكنه ظل صامتًا، كأن الإجابة كانت صعبة عليه.
عيناه المُحمّرتان من المعاناة بسبب إيسيس أثارتا شفقتي، لكن أبيل لا يجب أن يذهب أبدًا إلى منزل الدوق، مهما كان الراتب مغريًا.
لأن أبيل سيموت هناك.
لكنني لم أستطع قول الحقيقة، فشعرت بإحباط شديد.
كان لتدخلي لمنعه أسبابي.
في الرواية، بدأ أبيل العمل خادمًا في منزل الدوق ليدرّس ويعيلني.
لكن خلال ذلك، يفقد أبيل حياته في حادث في منزل دوق أكاروت.
وبعد موت أبيل فقط، تستعيد إيسيس ذاكرتها.
تزور إيسيس منزل الدوق للبحث عن أبيل، لكن الدوق يتظاهر بعدم معرفته بموته.
في النهاية، تقيم إيسيس في منزل الدوق للتحقيق في موته، ويسلب الدوق قلبها وهي تمنح اهتمامها لمجرد خادم.
كانت إعادة الموتى ليس من اختصاصهم.
لهذا السبب، قدّس القدماء السحر، لكن تلك القوة اختفت منذ زمن بعيد.
بالطبع، تتحول البطلة إيسيس لاحقًا إلى ساحرة عظمى (مختفية الآن) وتعيد أبيل.
بعد ذلك، يصبح العالم بفضلها مكانًا يتعايش فيه العلم والسحر بانسجام… هذه هي النهاية.
“لنذهب إلى مكان آخر. منزل الدوق خطير.”
“شيري، اذهبي مباشرة إلى العنوان الذي أعطيته لك.”
كأنه لم يسمع كلامي، ووضع في يدي مغلفًا به نقود.
“سأرسل لك نقودًا كل شهر، فاستمري باجتهادك في الدراسة التي تحبينها. واضح؟”
سبب رغبتي في أن أصبح مُدرسة هو فقط لأن حلم “شيري” الأصلية في الرواية كان كذلك.
لهذا قلت ذلك فحسب.
أشعرتني صورة أبيل، الذي يريد التضحية دائمًا من أجلي، برغبة في البكاء قليلًا.
لكني كظمت دموعي بقوة وفتحت فمي بحذر.
“… ألم تسمع شائعات عن منزل الدوق؟”
“سمعت.”
“ومع ذلك تريد الذهاب؟ يجب أن تكون مجنونًا حقًا…”
أمام ردة فعلي الشديدة، تحدث أبيل بوجه جاد.
“إنه مكان أوصى به سيد الملركيز قد يكون عمل خادم، لكن سيسهل التقديم لوظيفة أفضل لاحقًا.”
“… إذاً، لنفعل هكذا ليذهب الأخ الذكي للدراسة، وسأذهب أنا للعمل في منزل الدوق.”
تلوّن وجه أبيل بالذهول عند سماع كلامي.
“ماذا قلتِ؟”
بالطبع كنت أعرف أن كلامي لن يؤثر في أبيل أبدًا.
في النهاية، أفضل طريقة لمنع أبيل من الذهاب إلى منزل الدوق كانت تمزيق خطاب التوصية، لكنه أخفاه بعناية كأنه قرأ تفكيري بوضوح.
بحثت لعدة أيام لكنني لم أجد أثرًا لخطاب التوصية.
وحتى ذلك اكتشفه ووبخني بشدة.
قال إنني أهدم فرصة جيدة، واتهمني بأن رأسي مليء بالأوهام.
كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها أبيل معي بهذه القسوة، لذا كنت صريحةً في شعوري بالأذى.
لكن بما أن رأسي أصبح “مليئًا بالأوهام” على أي حال، قررت أن أكون أكثر صراحةً قليلًا.
“إذا ذهبت إلى منزل الدوق، ستموت.”
عندها أصبح وجه أبيل جادًا للغاية.
شعرت ببصيص أمل أنه قد يفهمني أخيرًا، لكنه اكتفى بتربيت رأسي.
“أنتِ تحت ضغط كبير هذه الأيام لنذهب إلى المستشفى لنأخذ بعض الدواء.”
خشيت حقًا أن يأخذني أبيل إلى المستشفى، فأسرعت بإضافة:
“رأيته في حلم لكنه كان شديد الواقعية.”
“……”
في النهاية، توصل أبيل وأنا إلى اتفاق: الذهاب معًا إلى منزل الدوق.
صراحةً، أردت الإصرار حتى النهاية، لكن عناد أبيل كان لا يُهزم.
أبيل لا يستطيع رؤيتي أعمل وحدي، وأنا أيضًا كذلك.
بما أن اسمي المستعار وجنسي كانا مكتوبين مسبقًا في خطاب التوصية الذي كتبه الماركيز سيفيل، كان عليّ الاستمرار في تلبّسي كرجل.
بل والأهم من ذلك، كان عليّ البقاء مع أبيل.
لأنني تذكرت التطورات العامة لكنني لم أتذكر بالضبط سبب موت أبيل وكيف حدث.
أبيل هو أول عائلة حقيقية أكتسبها.
حتى لو لم أستطع حماية أمي وأبي، سأحمي أبيل بأي ثمن.
وفقًا للرواية الأصلية، إذا فقد أبيل حياته، فإن إيسيس ستنقذه، لكنني ببساطة لا أستطيع تحمل رؤية موته أمام عيني.
لأن رؤية موت أحد أفراد العائلة مرة واحدة كانت كافية.
***
“لقد أصابكم ذعر شديد، أليس كذلك؟”
سألنا رئيس الخدم، السيد هنري، الذي كان يتفحصنا بعد خروجنا من الغرفة، بنبرة تعتذر.
يبدو أن صوت الطلقات النارية التي أطلقها الدوق بتهوّر كان مسموعًا جيدًا حتى من الخارج.
كنت مندهشة بعض الشيء، لكن ليس هناك ما يدعو السيد هنري للاعتذار.
على سؤال السيد هنري، سأل أبيل بحذر:
“ما نوع السيد الذي هو معالي الدوق؟”
على سؤال أبيل، أطلق السيد هنري ضحكة محرجة بعض الشيء. ثم تردد قليلًا قبل الإجابة.
“إنه سيد طيب، عندما تعرفه.”
“……”
“بالطبع، الصعوبة هي في الوصول إلى معرفته.”
ابتسم أبيل بصعوبة عند كلام السيد هنري.
لكن ابتسامته لم تكن مقنعة، ويبدو أنه قلق بشدة من المستقبل.
كأنه يريد تخفيف جوّ التوتر الواضح حولنا، افتتح السيد هنري حديثًا:
“بالمناسبة، هذه أول مرة أرى أخوين متقاربين هكذا.”
كانت فرصة لتغيير الجو الكئيب. فأسرعت بالرد:
“عندما كنت صغيرًا، حملني أخي على ظهره ورباني.”
“آه، إذاً من الطبيعي أن تكون علاقتكما جيدة. ما الفارق العمري بينكما؟”
“ثلاث سنوات.”
كان أبيل في الثالثة والعشرين، وأنا في العشرين.
من حيث العمر، الفارق ثلاث سنوات فقط، لكن ربما بسبب اختلاف الجنس، كان هناك فرق كبير في الطول والبنية الجسدية بيني وبين أبيل.
باستثناء شعرنا البني الفاتح وعيوننا الخضراء، لم يكن بيننا تشابه يذكر، لدرجة أن الناس كانوا يقولون غالبًا أنهم لولا ذلك لما عرفوا أننا إخوة.
والأهم من ذلك، أن مظهري كان أضعف بكثير حتى من أبيل.
حقًا، لقد سمعت كلمة “لطيف” بما يكفي لتملّني.
على الأقل عندما أكون مع أبيل ضخم الجسد، لا يجرؤ أحد على الاعتداء، لكن عندما أكون وحدي، هناك الكثير ممن يزعجونني.
أتمنى ألا يكون هناك من يتطاول عليّ في منزل الدوق.
“يمكنكما استخدام هذه الغرفة ووقت الدوام يبدأ السابعة صباحًا… سأخبركما بالعمل غدًا، فتعالا إلى أمام المبنى الملحق بعد الإفطار.”
وضع السيد هنري المفتاح في يد أبيل وأخبرنا بعدة لوائح يجب اتباعها.
مثل مكان وتوقيت الوجبات.
بعد أن غادر السيد هنري على الفور، قفزت مباشرة إلى السرير.
بدا أن لدى أبيل الكثير ليقوله لي، لكنه لم يتكلم.
ربما أراد توبيخي لأنني استلقيت على السرير دون غسل.
أخذ أبيل نفسًا عميقًا وبدأ بترتيب الغرفة.
أردت مساعدته، لكن جسدي المتعب لم يتحرك.
ربما لأن التوتر زال، بدأ النعاس يغلبني.
هكذا أغمضت عينيّ وأنا أستمع إلى صوت أبيل وهو يرتب الغرفة باضطراب.
***
في اليوم التالي، في مكان تناول الطعام، كان جميع الخدم الذين التقيتهم طبيعيين تمامًا.
“أ- أنا، أرجو أن ت- تكونوا لطيفين معي!”
“هل أنتم الجدد؟ هل أنتم أبناء عم؟”
“آه، إخوة؟ لا تشبهون بعضكم البتة.”
كان الأشخاص الذين يعملون تحت إمرة الدوق سيئ السمعة عاديين بشكل مفرط، أكثر مما تصورت.
صراحةً، ظننت أن الجميع سيحملون حقدًا شديدًا لتحمل العمل تحت قيادة الدوق.
فوجئت كثيرًا بالمشهد المختلف تمامًا عن توقعاتي.
بل كان الجو أكثر لطفًا بكثير من الأشخاص الذين قابلتهم في منزل الماركيز.
بفضله، ارتفع عني الكثير من التوتر.
أشعر أنه سيكون على ما يرام اليوم مهما كان تصرف الدوق.
في الحقيقة، السبب الأكثر دقة هو أن طعام منزل الدوق كان لذيذًا بشكل غير متوقع!
كانت هذه ثورة.
لدرجة أنني فكرت أنه يجب عليّ الصمود هنا بأي طريقة لأكل هذا الطعام مجانًا.
يكفي أن أبيل، الذي يعتبر الطعام مجرد وسيلة لملء المعدة، بدا عليه أنه يستمتع به كثيرًا أيضًا.
يا إلهي، من كان يظن أنني سأكل شريحة سمك السلمون منذ الصباح؟
لكن الطعام لم يكن كل شيء، بل أن أكبر ميزة كانت أنه يمكنك تناول ما تريده بكميات مشبعة.
بالإضافة إلى ذلك، كان هناك حساء منفصل لمن يعانون من معدتهم، ويمكنك طلب ما تريد تناوله في نهاية الشهر.
“لوي”، الذي يشغل الغرفة أمامنا، أحضر لي المزيد من الطعام قائلًا إن منظر أكلي بشهية يسرّ الناظرين.
“أليس لذيذًا؟”
همس “بيتر” في أذني.
قال بيتر إنه أيضًا يشارك الغرفة مع لوي.
كنت منشغلًا بإدخال الطعام بسرعة إلى فمي، لكني أجبت على سؤال بيتر بانتظام:
“نعم!”
ابتسم بيتر عند ردّي، كأنه توقع ذلك.
وضعت فاكهة فاخرة لا أعرف اسمها في فمي وسألت بيتر بحذر:
“لكن، هل العمل متعب لهذه الدرجة؟”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 2"