1
“آه، إذاً أنتما شقيقان؟”
“نعم.”
رد أخي على كلام “رايدن أكاروت” بصوت متوتر للغاية.
“لكنكما لا تشبهان بعضكما البتة!”
خشيت أن يولي الدوق اهتمامًا زائدًا لأخي، فبادرت بالرد بدلاً عنه.
“نسمع ذلك الكلام كثيرًا.”
عندها، انتقلت نظرات الدوق الثاقبة التي كانت معلقة بأخي منذ قليل إليَّ.
اتكأ رايدن براحة على ظهر الكرسي وهو يراقبني، ثم بدأ يدير المسدس (الريفلفر) حول إصبعه اليمنى.
كنت أتمنى أن أصرخ في داخلي: “أرجوك، أبقِ ذلك المسدس المزعج ثابتًا! إنه يشتت تفكيري!”
لكنني ابتسمت في وجهه بطلاقة لطيفة.
“أهذا الغبي هو أخوك الأكبر؟”
سأل رايدن وهو يشير بذقنه نحو (أبيل).
بالطبع لم يكن أخي غبيًا، ولكننا كنا في موقف يفرض علينا الانصياع.
كأني أوافق على سؤاله، أومأت برأسي قليلاً.
عند ردي هذا، انفجر رايدن فجأة في الضحك.
لو كان للشيطان ضحكة، فلربما كانت كهذه.
كان ضحك الدوق عاليًا لدرجة أن أذني طنَّتا.
استمر رايدن يضحك دون توقف، وكأن شيئًا ما أضحكه بشدة.
وبعد مدة، مسح رايدن دموع الضحك التي تجمعت في زوايا عينيه بظهر يده.
ثم وجه نحونا المسدس الذي لم يستطع أن يبقيه ثابتًا منذ قليل، بحيث لو ضغط على الزناد لاستقرت الرصاصة في رؤوسنا على الفور.
كان وجهه لا يزال مبتسمًا، وكأنه يستمتع بهذا الموقف.
اندهش أخي من ذلك المنظر وأمسك بيدي بشدة.
ونظر إلينا الدوق أكاروت نظرة عابرة، ثم سألنا وهو يبتسم ابتسامة عريضة شريرة:
“أطلق النار؟ أم لا؟”
بلع أبيل ريقه.
في جو الصمت المشحون، بدا صوت ابتلاعه للعاب في حلقه عاليًا بوضوح.
عبث رايدن بالزناد بينما اختفت ابتسامته في لمح البصر.
ثم مَيل برأسه قليلاً.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت طلقة النار.
وتحطم النافذة تمامًا مع صوت زجاج مهشَّم.
كنت مذهولة لدرجة أنني لم أفكر حتى في الالتفات للنظر إلى الخلف، بل حدقت في رايدن بوجه غبي.
حَرَّك رايدن رأسه بفضول وفتح فمه:
“رد فعلكما غير مُسَلٍّ كنت أتوقع أن يبكي أحدكما على الأقل.”
“… يمكنكما المغادرة الآن سيرشدكما رئيس الخدم خارجًا إلى غرفتكما.”
وكأنه مرَّ بتجارب مماثلة كثيرة، هزَّ الخادم العجوز (بن) رأسه واستهل كلامه:
“سيذهب رئيـس الخدم معكـما في الخارج ليُريـكُما الغُرفة.”
شعرت وكأنني سيُغمى عليَّ لحظيًا بسبب زوال التوتر.
حاولت أن أتحكم بساقيَّ المرتعشتين، وأسرعت الخطى لمغادرة الغرفة.
وفي تلك اللحظة، فتح رايدن فمه وهو يحدق فينا:
“أنت هناك.”
لم نعرف من يناديه، فتوقفت أنا وأبيل عن المشي في نفس الوقت.
عندها أشار رايدن برأسه ناحيتي وسأل:
“ما اسمك؟”
يبدو أنه كان يناديني.
“تشيس.”
“لنلتقي كثيرًا، حسناً؟”
اقشعرَّ جسدي كله من كلامه وهو يضحك.
لكنني لم أستطع أن أبدي ذلك.
وكأنني سُعِدتُ للغاية لأن رئيسي سيدعوني كثيرًا، أومأت برأسي مبتسمة مثلما فعل.
ثم مسحت يديَّ المبللتين بالعرق على سروالي، وغادرت الغرفة على عجل.
كانت هذه هي أول مرة ألتقي فيها بـ “رايدن أكاروت”، أكثر مجنون في المملكة.
***
في الحقيقة، لم يكن اليوم الذي تغيرت فيه حياتي بمقدار 180 درجة مختلفًا عن الأيام العادية.
الاختلاف الوحيد كان أنني في ذلك اليوم، وكأنني سُحِرتُ، وجدتُ نفسي فجأة في عالم غريب.
كنت خائفة جدًا من هذه الحقيقة.
فقبل أن أفكر حتى فيما إذا كنت قد متُّ أو ما زلتُ على قيد الحياة، كنت قد وُلدت في جسد جديد أتنفس فيه.
علاوة على ذلك، كانوا يستخدمون السحر في هذا العالم.
بالطبع ليس السحر الباهر الذي نراه في الأفلام.
لأن السحر في هذا العالم كان في طور الأفول.
والسبب الذي جعل السحر يبدأ في الانحسار هو، مع تغير العصر، قلَّ عدد الأشخاص الذين يحملون دماء السحرة في عروقهم.
نتيجة لذلك، قلَّ عدد الأشخاص القادرين على تعديل أو صيانة القطع الأثرية (الأرتي فاكت) التي كانت تتداول فقط في الأبراج السحرية.
وبطبيعة الحال، أُهمل السحر تدريجيًّا وتطور العلم الذي يسهل على عامة الناس التعامل معه.
على الرغم من أن هذا كان عالمًا ضعفت فيه قوة السحر كثيرًا، إلا أن كل شيء كان غريبًا عليَّ.
كنت أريد فقط العودة إلى المنزل في أسرع وقت ممكن.
لكن مع مرور الوقت، بدأ هذا العالم الذي شعرت في البداية بأنه غريب جدًا، يزداد استحواذًا على قلبي.
وكان ذلك كله بفضل عائلتي، التي كانت تهمس لي يوميًّا بحب لا حدود له.
كانوا هدية عظيمة بالنسبة لي، التي عشت دون عائلة.
حنان العائلة الذي كنت أتخيله فقط في الأحلام، والعالم الذي لا يظهر إلا في روايات أو أفلام الخيال.
كل هذه الأشياء كانت العالم المثالي الذي حلمت به.
لكن حدث ما جعلني أعتقد أن مجيئي إلى هذا العالم كان سوء حظ.
“شيري، يجب أن تختبئي جيدًا داخل الخزانة لا تخرجي مطلقًا. اتفقنا؟”
الحرب التي اندلعت فجأة سلبت مني كل شيء.
عندما عاد أبيل إلى المنزل متأخرًا ورآني مختبئة في الخزانة، انفجر في البكاء.
بعد وفاة والديَّ، خشي أبيل أن أتعرض لأي أمر مشين لكوني فتاة، فنصحني بارتداء ملابس الذكور.
بفضله، حصلت على اسم آخر هو “تشيس”.
وهكذا، حاولنا البقاء على قيد الحياة عن طريق التسول باستخدام قدراتنا السحرية الضئيلة.
حتى ذلك الوقت، لم يكن لدي أي تساؤلات حول هذا العالم.
لكن كما لو كان ذلك تعويضًا عن كل ما مررنا به، بدأت تحدث أمور لا تُصدَّق.
بدأ يظهر أشخاص يرغبون في أن يكونوا رعاة لنا، ثم جاءت فتاة جميلة بشكل مذهل تقول إنها تريد أن تأخذنا معها.
ولم يكتفِ بذلك، بل إن هذه الفتاة هي ابنة عائلة (سيڤيل) المركونة، العائلة السحرية الشهيرة.
يبدو أن منظرنا ونحن نتسول باستخدام السحر قد أثار شفقَتها.
أو ربما، كونها ابنة عائلة سيڤيل، استطاعت أن تدرك موهبة أبيل السحرية بنظرة واحدة.
كان منظر الفتاة وهي تبتسم وتمد يديها إلينا، ومنظر أبيل وهو يحمر وجهه ويومئ برأسه، أشبه بلوحة فنية.
“ألا تريد أن تأتي معي، أيها الساحر المتجول؟”
عند كلامها، أخفى أبيل يديه السوداوين من التدحرج في الشارع خلف ظهره في عجلة.
أثناء مشاهدتي لذلك المشهد، بدأ الشك يتسلل إلى جزء من قلبي.
‘أهذه حقًّا صدفة؟’
كان من الغريب أن يكون أمامي شخصان، إذا عاشا طوال حياتهما معتمدين على جمال وجهيهما فقط، فسيصبحان من أصحاب الملايين في لمح البصر.
على الرغم من أن هذا مكان أشبه بعالم الخيال، إلا أن وجوه جميع الناس ليست خيالية.
ومن هذه الناحية، يمكن اعتبار هذا المشهد غريبًا حقًّا.
وخاصة أن أحدهما يتيم حرب ليس له خلفية، والآخر سيدة نبيلة لا تضاهى في أناقتها.
ليس بينهما أي رابط، ومع ذلك التقيا هكذا.
أليس هذا أشبه بالقدر؟
حتى لو اعتقدت أن هذين الشخصين الوسيمين هما البطلان الوحيدان في هذا العالم، فهذا ليس مبالغة على الإطلاق.
لأن أبطال روايات الخيال جميعهم كانوا جميلين ووسيمين.
“اسمي إيسيس هل لي أن أسأل عن اسمك؟”
“… أبيل اسمي أبيل.”
فتح أبيل فمه بصعوبة بعد أن تحلى بالشجاعة.
فابتسمت هي ابتسامة جميلة.
“جميل.”
احمرَّ وجه أبيل فجأة كأنه سيشتعل نارًا.
“لكن متى ستُمسك بيدي؟”
ارتاع أبيل من كلام إيسيس وتردد للحظة، ثم تحلى بالشجاعة ووضع يده على يدها الممدودة أمامه.
أثناء مشاهدتي لذلك المنظر، خطر ببالي أن هذين الاثنين يشبهان بطل وبطلة رواية.
وفي تلك اللحظة، بدأت قطع الأحجية تتجمع واحدة تلو الأخرى.
كيف بقينا نحن الصغيرين سالمين دون أي إصابة خلال الحرب؟ ولماذا تجتمع الصدف فوق الصدف حتى تأتينا هذه الحظوظ السعيدة؟
بدأت الذكريات الضبابية الغامضة تتدفق كالسيل.
إذاً، كان هذا العالم داخل رواية لا أتذكر حتى اسمها.
وكان هذان الاثنان بطلَي هذا العالم.
كانت الفكرة التي خطرت ببالي في تلك اللحظة القصيرة هي أنه يجب عليَّ الحفاظ على زيّ الذكور حتى لو ذهبت معها.
لأنني لم أتذكر بالضبط، لكن كان معروفًا أن لأبيل ‘أخًا أصغر’ وليس أختًا صغرى.
البطل يحظى بنهاية سعيدة يومًا ما.
حتى لا تتغير نهايتهما بسبب تشويهي لتطور الأحداث، كان من الأفضل أن لا أعترض التطور قدر الإمكان.
وهكذا دخلت إيسيس فجأة إلى عالمنا المليء بالظلام.
أصبحت إيسيس راعيتنا، ومخلصتنا الوحيدة.
كانت إيسيس تدعوني أحيانًا لتقدم لي الشاي بنفسها.
“تشيس، إن عيد ميلادك قريب، أليس لديك شيء ترغب فيه؟ إمم… ماذا عن بروش مثلاً؟”
“أي شيء تقدمينه لي سيُسرني، يا سيدتي.”
لقد قلت الحقيقة فحسب، لكن إيسيس انفجرت في الضحك قائلة إنني لا أمزح.
“غدًا سأشتري لك هدية عيد الميلاد. لنخرج معًا.”
أمسكت إيسيس بيدي واقترحت عليَّ ذلك بدهاء.
بدت إيسيس وكأنها تركز عليَّ فقط، لكنها في الحقيقة كانت ترمق أبيل الواقف خارج النافذة منذ قليل من زاوية عينها.
أثناء مشاهدتها، فتحت فمي بحذر:
“غدًا، اتفقت مع أخي على الذهاب في نزهة بعد فترة طويلة…”
عندما ذكرت أبيل، تصلبت إيسيس بشكل ملحوظ.
“إذا سمحتِ لي يا سيدتي… هل يمكن أن تشاركينا النزهة غدًا كهدية عيد ميلاد لي؟”
اتسعت عينا إيسيس وهي تنظر إليَّ تدريجيًّا.
لكن بعد لحظة، احمرَّت وجنتاها.
وهكذا، ترددت إيسيس لفترة طويلة، ثم أومأت برأسها في النهاية.
لنكون منصفين، حتى لو لم أبذل كل هذا الجهد، كان بإمكان إيسيس وأبيل أن يحظيا بنهاية سعيدة.
بالطبع، حسب التطور الطبيعي للروايات، من المؤكد أن هناك صراعًا بين البطل والبطلة قبل أن يلتقيا بنهاية سعيدة.
ومع ذلك، لم أكن لأتخيل في أحلامي أن يكون التطور بهذا الشكل.
أقصد، قبل بضعة أشهر من الآن، سقطت إيسيس في حادث مشين.
وعندما نهضت مرة أخرى، لم تكن تتذكر أبل على الإطلاق.
وكذلك أنا.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 1"