كان هناك رجلٌ يجلسُ فوق شجرةٍ عند حافةِ غابةٍ مغطّاةٍ بالثلوج، على تلٍّ يبعدُ قليلًا عن قرية فروست.
رجلٌ يلفُّ نفسَهُ ببطانية، ولا يُحرّك سوى عينيه.
سقطت قطرةُ ثلجٍ ذائبةٍ على طول حاجبَي رينترو. لامسَ المعدنُ الباردُ للمنظار جلدَه.
كانت أطرافُ أصابعه باردة، لكنَّه لم يستطع أن يُبعد نظرَه. رأى الرجلَ الواقف في الساحة.
الأمير تشايس.
“ما الذي يفعله ذلك اللعين هناك؟”
في البداية، كان رينترو هو من جلب تشايس الأمير إلى الشمال. وما كان يأمله من تشايس هو أن يدعمه، وأن يجعله سيّد الشمال.
لكن في لحظةٍ ما، تغيّر تشايس. لم يعد ينظر إلى رينترو، بل بدأ ينظر إلى شيءٍ آخر.
رأى الحشودَ راكعةً أمام تشايس الأمير. ورأى بوضوحٍ أيضًا المُحرّضين وهم يُقبَض عليهم.
“……تباً.”
خرجت الشتيمةُ بصوتٍ منخفض. وتصاعد بخارُ أنفاسه البيضاء بين شفتيه.
انتهى الأمر.
لقد تولّت العائلةُ الإمبراطورية بنفسها قمعَ هذا الاضطراب. أنزل رينترو المنظار وصرَّ على أسنانه.
كان واضحًا ما الذي ينظر إليه تشايس.
رويلا. تُرى ما الذي تملكه تلك المرأة، حتى يتزعزع أصحابُ السلطة بسببها؟ كأنهم قصبٌ يهتزّ في رياح الشتاء.
صرَّ رينترو على أسنانه ونزل من الشجرة.
‘رويلا.’
خطر الاسمُ في ذهنه. لا بدّ أن تلك المرأة فعلت شيئًا.
“سيدي.”
جاء صوتٌ من خلفه. وعندما استدار، رأى تابعًا يرتدي عباءةً سوداء.
“ما الذي تنوي فعله؟”
غرق رينترو في التفكير للحظة.
لقد انتهى الشمال. لم يعد هناك جدوى من البقاء هنا.
وعندما يستيقظ كريستن، سيأتي لاعتقاله.
وسيتصرّف بلا رحمة، كما فعل والده. وكأن روابط الدم لا تعني شيئًا!
لم يكن رينترو ينوي أبدًا أن يضع عنقه على المقصلة.
قال وهو يضغط على أسنانه:
“……سنتجه إلى الشمال الشرقي.”
“الشمال الشرقي؟”
“مقاطعة الكونت برنهارت.”
ارتسمت على شفتي رينترو ابتسامةٌ باردةٌ خبيثة.
الكونت برنهارت. كان الحاكم الذي يُدير المنطقة الشمالية الشرقية. ومنذ زمنٍ طويل، كان بينه وبين دوقية الشمال الكبرى نزاعٌ على الأراضي.
فقد تصادموا مرارًا بسبب ملكية المناجم في المناطق الحدودية، ولذلك كانت العلاقة بينهم سيئةً للغاية.
“الكونت برنهارت سيقبلني. عدوُّ كريستن هو صديقي.”
وبإمكانه أن يستخدم ذلك العدو كسلاح.
“والآنسة إليشا……”
“لا حاجة لها.”
قاطعه رينترو ببرود.
“تلك المرأة لم تعد مفيدة. لم تستطع القضاء على كريستن، ولا إزاحة رويلا. أخذُها معنا لن يكون سوى عبء.”
أغلق التابع فمه.
كان رينترو يُقيّم الناس بناءً على فائدتهم. ولم تعد إليشا موجودةً في ذهنه أصلًا. كلّ الوعود التي قطعها لها تلاشت كفقاعةٍ فارغة.
“من الأفضل أن نتركها طُعمًا لكريستن. هكذا لن يتفرّغ لمطاردتي.”
ألقى رينترو نظرةً أخيرةً على ساحة فروست. لقد انتهت المظاهرة. وسيتفكّك أولئك، دون أن يؤدّوا حتى دورهم.
نقر رينترو بلسانه.
“لنذهب. إلى الشمال الشرقي.”
استدار، فتبعَهُ رجاله. انطبعت آثارُ أقدامهم فوق الثلج.
‘كريستن.’
صرَّ رينترو على أسنانه، بينما ابتلعه الغاب. هبّت رياحُ الشتاء ببرودة، وتناثرت الثلوج، وبدأ الثلج الأبيض يتراكم فوق آثار أقدامه، كأنه يُخفي رينترو داخل أحضانه.
* * *
ساحة فروست.
تسلّل عدّةُ رجالٍ يرتدون أغطية رأسٍ سوداء بين ظلال المباني خلف الساحة. وكان في المقدّمة كريستن.
اندسّ كريستن بين الحشود بشكلٍ طبيعي، ورفع نظره نحو المنصّة وهو ما يزال يضع الغطاء.
كانت رويلا تقف إلى جانب تشايس الأمير. تقف في مواجهة الشمس، تتلألأ كالألماس.
حصلت رويلا على دعم العائلة الإمبراطورية، ووقفت أمام المتظاهرين، ولم تتراجع أمام الحشد الغاضب.
تلك الطاقة المتفجّرة والشغف الذي تحمله في جسدها الصغير كانا جميلين إلى حدٍّ مُبهر.
لم يرَ كريستن يومًا شخصًا جميلًا مثل رويلا. كان داخلها أصلب من الألماس، وأكثر حرارةً من النار.
كيف يمكنه ألّا يحبّ امرأةً كهذه؟ لم يعرف كيف يصف هذا الشعور.
قبض كريستن على قبضته.
شعر أنّ أيّ ظلامٍ أو تهديدٍ لن يستطيع إيقاف رويلا.
وأنه إن بقي بجانبها، فسيكون قادرًا على فعل أيّ شيء.
وبجانب كريستن، كان هيوتان ينظر إلى المكان نفسه.
إلى المرأة الواقفة في ضوء الشمس.
‘……إنها تُشرق.’
فكّر هيوتان. منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها رويلا، شعر بذلك.
كان نورها مُبهِرًا. كانت مميّزةً جدًا، وهي تتسلّل بين الناس وتُنجز عملها. أراد أن يقف بجانبها، وأن يُمسك يدها.
لكن رويلا كانت دائمًا تبتعد أسرع من أن يلحق بها.
كانت تتقدّم إلى الأمام.
أحيانًا، بعد انتهاء التدريب، عندما كان يسير في ممرات القصر، كان يراها تمرّ مسرعةً وهي تحمل كومةً من الوثائق.
كانت تُحيّيه بابتسامةٍ مشرقة إذا التقت أعينهما.
وكانت تلك الابتسامة تبقى في ذهنه لأيام.
لكن يبدو أنّ رويلا لم تكن قدَرً لهيوتان.
أدار هيوتان رأسه ببطء، ثم نظر إلى الرجل الواقف بجانبه.
كريستن، الدوق الأكبر.
بطل الشمال، ودرعه، والقائد الذي يستحقّ التبجيل. وكان هو أيضًا ينظر إلى رويلا بنفس النظرة.
شدّ هيوتان على أسنانه.
‘إنه مجرّد قائدي. قائدٌ رائع فقط.’
لقد رأى من قرب كيف بدأ قلب رويلا يتغيّر. كانت هي أيضًا تنظر إلى كريستن. وبدأ شعورٌ مُرّ بالهزيمة يتسرّب إلى قلبه.
ومع ذلك، لم تفقد رويلا نورها. بل كانت تُلوّن العالم بنورها.
قبض هيوتان على سيفه.
لم يستطع التفوّق على كريستن، لا بالسيف ولا بأيّ شيء. لذا، إن اختارت رويلا شخصًا أفضل، فعليه أن يدعمها.
كان ذلك هو الحب الذي اختارهُ هيوتان.
* * *
هناك شيءٌ غريب.
شعرتُ وكأنّ أحدًا يراقبني. رمشتُ ببطء.
كان هناك أشخاصٌ لم يكونوا موجودين قبل قليل بين المتظاهرين.
رجلٌ طويل يرتدي غطاءً أسود.
ابتلعتُ ريقي وحدّقتُ به. بين خطابٍ يوشك على الانتهاء ودموع الناس، لم أرَ سواه. وكأنه وحده قد تضخّم في نظري.
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنّ قلبي توقّف.
“سموكَ……؟”
ارتجفت شفتاي. وتقدّمتُ نحوهُ دون وعي.
لم أعد أرى دهشة الآخرين من تصرّفي المفاجئ.
“……كريستن؟”
هل استيقظ حقًّا؟
اقترب منّي هو أيضًا. تعثّرتُ، وسقطتُ في النهاية من على المنصّة.
وفي اللحظة التي انكمش فيها جسدي من إحساس السقوط—
“انتَبهي.”
بإحكام.
احتضنني بين ذراعيه بقوّة. امتزج عبيرُه بي، وانساب صوته المنخفض في أذني.
إنه هو. لقد جاء حقًّا.
مددتُ ذراعي والتصقتُ به. شدّ كريستن احتضانه لي بقوّة.
وفي تلك اللحظة، انكشف تحت الغطاء شعرٌ ذهبيٌّ مُشِعّ. وبين خصلاته المبعثرة، ظهرت عينان زرقاوان صافيتان.
التعليقات لهذا الفصل " 93"