شحُبَ وجهُ إليشا، وارتجفت شفتاها. لم يخرج أيُّ كلامٍ من فمها. كانت تشعر أنّه إن فتحت فمها فسيُصدر كريستن حكمَ موتها.
مدَّ كريستن القارورةَ نحو إليشا. تمايل السائل الشفّاف أمام عينيها. كانت تعرف أكثرَ من أيّ أحدٍ أنّ ما بداخلها هو الموت.
سحقتها الهيبةُ المنبعثة من كريستن. بدا كأنّ شيئًا يضغط على كتفيها.
“لماذا لا تجيبين؟ ألم تقولي إنّه سوءُ فهم؟”
“ذ-ذلك….”
ضاقت عينا كريستن. في الظلام، بدت حدقتاه تلمعان بحدّة. كانت عينَي تنين. العيون الزرقاء المحاطة ببريقٍ ذهبيّ كانت مُرعبةً بمجرد التقاء النظرات.
تراجعت إليشا إلى الخلف، لكنها تعثّرت بعمود السرير واهتزّت. تمسّكت بالعمود واقفة، كأنّه حبلُ نجاتها.
“أ-أنقذني….”
انفجر بكاؤها. ابيضّ عقلها تمامًا، ولم تعد تعرف حتى ما الذي تقوله.
بدت عينا كريستن كأنّهما تنبشان داخلها حتى أعماقها. كان ذلك مرعبًا ومقززًا.
“السير رينترو… هو من أمرني… أنا فقط… فعلتُ ما قيل لي….”
انفجرت إليشا بالبكاء.
“أ-أرجوكَ سامحني… لن أفعلها مجددًا… أرجوكَ….”
ضربت إليشا جبينها بالأرض. كانت وضعيةً مهينة.
لكنها كانت قادرة على فعل أيّ شيء لتعيش.
تذكّرت كيف كانت، في اليوم السابق، تُخفض رأسها إلى الأرض كي لا تقع في نظر أحد النبلاء المارّين.
كانت لا تزال كما كانت آنذاكَ. لم يتغيّر فيها شيء.
‘لماذا حياتي… لماذا، لماذا بحقّ السماء….’
انفجرت إليشا بالبكاء من شدّة القهر.
“سأفعل أيَّ شيءٍ تأمرني به، سموكَ الدوق الأكبر. يا سيدي، فقط دعني أعيش….”
كان ذلك فعلًا بدافع البقاء. أرادت التمسّك بخيط حياتها.
نظر إليها كريستن من علٍ. كان وجهه بلا تعبير.
في تلك اللحظة، فُتح الباب. دخل إيدن مع الطبيب.
“سموكَ! قيل إنّ هناك استجابة… سموكَ؟!”
اتّسعت عينا إيدن.
لم يستغرق فهمُ الموقف حتى ثانيةً واحدة.
“ما، ما هذا بحقّ….”
ناول كريستن القارورة التي كان يحملها لإيدن ببرود.
“افحص ما بداخلها. وتحقّق من مصدرها أيضًا. بما أنّ رينترو هو من فعل هذا، فوسّع نطاق التحقيق ليشمل البلاد كلّها.”
شحب وجه إيدن. واتّجه نظره إلى إليشا التي كانت ترتجف. امتلأت عيناه بالغضب.
“أنا آسف، سموكَ. أنا آسف. أنا… أنا من فتح الباب….”
“ليس خطأكَ. ما خطأُ من وثق بالناس؟ الخطأ على من خدعَ الناس عن قصدٍ.”
استقرّت نظرة كريستن الباردة مجددًا على إليشا.
“إنّه ذنبٌ يستحقّ الموت.”
ارتجفت إليشا بشدّة.
غرق كريستن قليلًا في التفكير. في الحقيقة، مجرّد استخدام ذلك القدر من القوة لا يُفترض أن يجعله يفقد وعيه لأيام، وهذا دليل على أنّ هناك خللًا في جسده.
لطالما استخدم كريستن قوّته عندما يواجه الخطر.
وبعد إطلاقها حتى الحدّ الأقصى، كان يشعر أحيانًا بنوعٍ من التحرّر.
لكن هذه المرّة كانت مختلفة. أن يسقط بسبب استنزاف المانا… ذلك الانفجار الذي أحرق جسده حينها لم يكن وهمًا.
كان هناك شيءٌ خاطئ. يبدو أنّ إحساسه السابق بأنّ المانا لا تُفرغ بشكلٍ صحيح كان حقيقيًا.
قال كريستن:
“أعيدوا اختبار التوافق.”
“اختبار التوافق؟”
رمش إيدن بعينيه.
“نعم. من البداية.”
بردت عينا كريستن.
هو لا يشكّ في نتيجة أنّ معدّلها كان مرتفعًا، لكن بما أنّ شيئًا تغيّر، فلا بدّ أنّ خللًا قد حدث.
“هل هناك مشكلة؟”
“معدّل امتصاص المانا منخفض جدًا.”
تجمّد وجه إيدن. واستدعى على عجل الفرسان. دخل فارسان وأمسكا بإليشا من الجانبين ورفعاها.
“أنا، أنا صادقة! لست مزيفة! أرجوك، سموكَ!”
“اسحبوها.”
صدر الأمر ببرود.
سُحبت إليشا خارجًا. دوّى صراخها وبكاؤها في الممر.
لم يبقَ في غرفة النوم سوى كريستن وإيدن. مرّر كريستن يده في شعره وقال. ما زال جسده ثقيلًا، كأنّه غارقٌ في مستنقعٍ عميق.
وهو يفرك عينيه، هزّ رأسه بخفّة وكأنّه يطرد الإرهاق.
“قدّم تقريرًا عن الوضع.”
قال كريستن.
تردّد إيدن قليلًا. احتاج لحظةً لينظّم أفكاره. خلال خمسة أيام، حدث الكثير. كلّ ذلك بسبب غياب كريستن.
“…لقد حدثت أمورٌ كثيرة، سموكَ.”
“اختصر. أخبرني فقط بما يجب أن أعرفه الآن.”
“انفجار المحجر، وانفجار الجسر، وانفجار المستودع… كلّها كانت أعمالًا إرهابية. حصلنا على الأدلة، لكن المشكلة هي المحتجّون.”
بدأ إيدن تقريره.
“انتشرت شائعات بين الناس الذين رأوا سموكَ الدوق الأكبر في هيئة التنين. يقولون إنّ الدوق أصبح وحشًا. تم توزيع منشورات، وهناك من يحرّض الجماهير. يبدو أنّ رينترو هو من يقف خلف ذلك.”
تصلّبت كتفا كريستن قليلًا.
وحش؟ تسلّلت ضحكةٌ ساخرة. لكنه لم يشعر برغبةٍ في إنكار ذلك. فمظهره كان بالفعل أقرب إلى الوحش.
“وماذا بعد؟”
“اندلعت انتفاضة. في ريدوينتر، فروست، وينترغيت. ثلاث مناطق شهدت احتجاجات متزامنة. الأكبر في فروست.”
أن يثور سكان أراضيه الذين حماهم، ويصفوه بالوحش… كان ذلك يغرس في صدره كالنصل.
“لكن….”
تردّد إيدن.
“الآنسة رويلا موجودة هناك. لقد أقنعت سمو الأمير تشايس، وأقامته في ذلك المكان. وبحسب التقارير، فإنّ احتجاجات فروست على وشك الانتهاء. يبدو أنّ كلام الأمير تشايس قد أثّر.”
“…رويلا.”
حرّك كريستن شفتيه.
حقًا، كانت رويلا تملك قدرةً غامضة. تقتلع المسمار المغروس في صدره دون تردّد، ثم تضع عليه الدواء.
لا تترك له حتى فرصةً ليتألّم.
طال الصمت.
وفي لحظةٍ ما، ظهر أمامه الحديقة المغطّاة بالثلج الأبيض. كان الثلج يلمع تحت أشعة الشمس، وكأنّه يوحي ببدايةٍ جديدة.
غطّى كريستن عينيه وابتسم.
تقلّبت مشاعره. شعر أنّ كانت رويلا معه، فكلّ شيء سيكون على ما يرام.
وكأنّها ستأخذ كلّ بؤس العالم وظلامه بعيدًا. لا تترك حتى فرصةً لتراكم السموم في صدره.
كيف لشخصٍ كهذا، كيف لامرأةٍ بهذا الجمال، أن تأتي إليهِ؟
معجزات رويلا المتراكمة جعلته يبكَي ويَضحكُ.
تفحّص كريستن مظهره. بدا أنّ عليه تغيير ملابسه إن أراد الخروج. فكّ أزرار قميصه وقرع الجرس. سيأتي الخادم قريبًا.
“كم يستغرق الوصول إلى فروست؟”
“حوالي ساعةٍ بالعربة، لكن….”
اتّسعت عينا إيدن.
“لا تقل إنّكَ ستذهب؟ لقد استيقظت للتو! يجب أن يفحصكَ الطبيب أولًا!”
“لا بأس.”
أخرج كريستن معطفه وارتداه.
“سأذهب بنفسي وأرى. كيف تسير أمور الشمال الخاص بي. كما أنّ إظهاري لحالي سليمًا سيكون أكثر تأثيرًا. فالناس يصدّقون ما يرونهُ بأعينهم.”
أراد إيدن منعه، لكنه أغلق فمه حين رأى نظرة كريستن. كانت تلك النظرة التي لا ينفع معها أيّ كلام.
“…سأُحضّر العربة فورًا.”
تنهد إيدن وتراجع.
وقف كريستن أمام المرآة. انعكس وجهه الشاحب.
مرّر يده على وجهه ببطء. وتدفّق ما في قلبه عبر الشقوق.
تمتم كريستن:
رويلا لم تدعهُ وحيدًا ولو مرّة. لذا، حان دوره هذه المرّة. لن يتركها وحدها في أيّ مكان، أبدًا….
التعليقات لهذا الفصل " 92"