ابتلعت رويلا ريقها. حين واجهت الحشد الغاضب فعليًا، ارتجفت ساقاها.
‘هذا… هذا لم أتوقّعه أبدًا.’
تقدّم تشايس إلى الأمام. اصطفّ الفرسان على جانبيه للحماية. تبعت رويلا وجايمن خلفه.
انفتح طريق وسط الحشد. كان ذلك بسبب هيبة فرسان الإمبراطورية. لكن النظرات العدائية لم تختفِ.
“من تلكَ المرأة؟”
“إنها امرأة ذلك الوحش! سمعتُ أنه كاد يمزّقها إربًا!!”
مع الهمسات، انهمرت على رويلا نظراتٌ مزعجةٌ وعدائيةٌ.
شدّت رويلا على أسنانها. تسلّل بردٌ قارس إلى عمودها الفقري. لكن لم يكن بوسعها التوقّف. إن تراجعت الآن، فسينتهي كل شيء.
في وسط الساحة كان هناك منصّة مؤقتة. كان الفرسان قد أعدّوها مسبقًا.
بقيت رويلا وجايمن أسفل المنصّة، بينما صعد تشايس وحده.
اضطرب الحشد.
“لماذا سموّ الأمير هنا…؟”
“هل يعقل أنه يقف مع الدوق الأكبر؟”
“هل العائلة الإمبراطورية في صف الوحش؟”
ارتفعت الأصوات تدريجيًا. صار الجو أكثر توترًا.
رفع تشايس يده. ساد الصمت. لم يكن هناك من يجرؤ على معارضة سلطة العائلة الإمبراطورية.
إضافةً إلى ذلك، كان لمعان دروع الفرسان الواقفين بجانبه كافيًا لقمعهم.
دوّى صوت تشايس. كان منخفضًا لكنه قوي.
“أنا تشايس أليكستان. شقيق ولي العهد وابن جلالة الإمبراطور. وقوفي هنا اليوم هو لنقل إرادة العائلة الإمبراطورية.”
حبس الحشد أنفاسه. تركزت جميع الأنظار عليه.
“أعلم أن شائعات مقلقة تنتشر في الشمال مؤخرًا. أن الدوق الأكبر أصبح وحشًا، وأن الشمال في خطر.”
بدأ الهمس من جديد.
“هذا كذب! العائلة الإمبراطورية خُدعت من الدوق وستقدّمنا طعامًا للوحش!”
صرخ أحدهم. كان من المحرّضين. أحد أتباع رينترو.
ورغم أنه أُسكت بسرعة، إلا أن صوتهُ. انتشر بين الآخرين.
“لقد رأينا بأعيننا! الدوق يتحوّل إلى وحش!”
“نعم! عيناه صارتا ذهبيتين وظهرت عليه حراشف!”
“إنه وحش! وحش!”
تعالت الصيحات من كل مكان. اشتدّ التوتر. بدأ بعضهم يلوّح بالعصي.
وضع الفرسان أيديهم على مقابض سيوفهم. بلغ التوتر ذروته.
لكن تشايس لم يهتز، بل تقدّم خطوة إلى الأمام.
“نعم، هذا صحيح.”
قال تشايس.
تجمّد الحشد. لم يتوقعوا هذا الاعتراف.
“الدوق الأكبر كريستن يمتلك قوة التنين. وإذا استخدمها بإفراط، تنبت الحراشف ويتحوّل إلى هيئة تتجاوز البشر.”
تعالت الهمهمات. الأمير اعترف بأن الدوق “وحش”.
“لكنني لا أراه وحشًا. أنا… أراه بطلًا.”
ساد الصمت.
ألقى تشايس نظره على الحشد ببطء.
“هل تعرفون كيف كان هذا المكان قبل 200 عام، عندما جاء أول دوق أكبر من آكراسيا؟”
لم يُجب أحد.
“كان أرضًا للوحوش. مكانًا لا يستطيع البشر العيش فيه. في كل شتاء، كانت الوحوش تهاجم القرى، فيموت الناس أو يفرّون. لم يرغب أحد من الإمبراطورية في القدوم إلى هنا. كانت أرضًا مهجورة. وهناك… كان يوجد تنين.”
انخفض صوته.
“ثم ظهر أول دوق أكبر. وريث دم التنين. قاتل وحدهُ جحافل الوحوش، وحمى الشمال. وأحفاده فعلوا الشيء نفسه. تناقلوا قوة التنين عبر الأجيال لحماية هذا المكان. لولاهم… لما كنتم هنا اليوم.”
تردّد همس خافت بين الحشد. قصة يعرفها الجميع، لكنها بدت مختلفة الآن.
“لو لم تكن تلك القوة موجودة؟”
سأل تشايس.
“هل كان هذا المكان سيبقى؟ هل كان آباؤكم وأجدادكم سينجون؟ هل كنتم ستولدون أصلًا؟”
ساد الصمت.
كان الجميع يحدّقون به كأنهم مسحورون. كانت هذه قدرة تشايس. موهبة فطرية في جذب الانتباه.ِ
“قوة التنين ليست لعنة. إنها درع الشمال. على مدى 200 عام، استخدمت عائلة الدوق الأكبر هذه القوة لحمايتكم. وكريستن فعل الشيء نفسهُ. هل رأت أعينكم الدوق فقط؟ ألم تروا ما حماهُ؟”
اشتدّ الاضطراب.
“الحبوب التي ستأكلونها في الشتاء. والأرض التي تقفون عليها. الناس الذين كانوا هنا. ما ابتلعه الدوق لم يكن بشرًا… بل كان نارًا كادت تلتهمكم. لم يتراجع لحظة.”
تحرّك الحشد.
“لقد خاطر بحياته لينقذكم. والآن يرقد فاقد الوعي ثمنًا لذلك. لقد سقط… وهو يحمي الشمال.”
غطّت امرأة فمها بيدها. امتلأت عيناها بالدموع.
انتشرت كلماته كالنار بين الناس.
“وماذا تفعلون أنتم الآن؟ هنا… ماذا تفعلون؟”
دوّى صوته.
بدأت أصوات البكاء الخافت تُسمع.
“أنا جئت من العاصمة. من مكان دافئ وآمن. بلا خوف من الوحوش أو الشتاء.”
توقف قليلًا ثم تابع:
“فماذا رأيت هنا؟”
حبس الحشد أنفاسه.
“رأيت رجلًا يعاني كل ليلة من المانا دون أن يُظهر ضعفهُ. رأيت حاكمًا يتذكر أسماء رعاياه فردًا فردًا.
رأيت دوقًا يركض ليلًا ونهارًا لينقذ الشمال. رجلًا يعمل بلا توقف ليجعل هذا المكان أفضل.”
ابتسم بمرارة.
“هل رأيتم شيئًا مختلفًا عمّا رأيتَ؟”
أطبق الجميع أفواههم.
“كريستن ليس وحشًا. إنه درع الشمال. كما كانت عائلته منذ 200 عام… لا يزال يحميكَم الآن.”
نظر إليهم.
“العائلة الإمبراطورية تدعم كريستن. تدعم إيمانهُ وعدالته، وتدعم الشمال الذي سيبنيه، وتدعمُ الحاكم الذي سيحمَيكم.”
دوّى صوته في الساحة.
“لا تنخدعوا بالشائعات. لا تُستَغلّوا. احكموا بأنفسكم.”
بدأ التردد يظهر بين الحشد. تبادل الناس النظرات.
شحبت وجوه المحرّضين. وبدأوا يتراجعون بهدوء.
“الشمال بحاجة إلى الدوق الأكبر.”
ساد الصمت.
تقدّم رجل مسن. كان أحد عمّال المحجر.
“يا… يا سموّ الأمير.”
قال بصوت مرتجف.
“في ذلك اليوم… في المحجر… كان ابني هناك. عندما وقع الانفجار… كان بجانبه. ظننتُ أنه مات. لكنه كان آخر من تم إنقاذه. سموّ الدوق لم يتخلَّ عنه حتى النهاية.”
التعليقات لهذا الفصل " 90"