وصلَ مديرُ الأشغالِ العامّة الجديد إلى قلعةِ الدوق الأكبر.
كان المسؤولَ الذي تمّ اختياره بعد اجتماعٍ ضمّ كبارَ نبلاء الشمال يومَ أمس.
شابٌّ يفيضُ حماسًا، ويتّسمُ بالاجتهاد، وهو خرّيجُ الأكاديميّة.
تخصّص في الهندسة المدنيّة، وكانت درجاتُه ممتازة، كما امتلك خبرةً تمتدّ لخمسِ سنواتٍ من العمل في العاصمة الإمبراطوريّة.
ذلك المتميّز اضطرّ هذه المرّة للعودة إلى مسقطِ رأسه بعد أن مرض والداه.
أكثرُ ما لفتَ انتباهَ كريستن فيه، أنّه لا يوجد أيّ نبيلٍ من نبلاءِ الشمال يسانده أو يدعمه.
ولهذا السبب تحديدًا أدرجَ إيدن اسمَه ضمن قائمةِ المرشّحين.
“تشرفتُ بلقائكَ، يا صاحب السموّ الدوق الأكبر.
أنا جايمن إكسلا، وقد تمّ تكليفي ابتداءً من اليوم بالإشراف على شؤونِ الأشغالِ العامّة.
أشكركَ جزيلَ الشكر على ثقتكَ ومنحي هذه المهمّة الجليلة.
سأبذلُ جسدي وروحي في العمل!”
ما إن سمعَ هذه الكلمات حتّى اجتاحه شعورٌ غريب بالديجافو.
كأنّه سمعَ عبارةً مشابهة في مكانٍ ما من قبل……
‘سأعملُ حتى الموتِ!’
آه، رويلا.
صحيحٌ أنّ تعبيرَها كان أكثرَ فظاظة، لكن المعنى في النهاية واحد.
والأهمّ أنّها كانت تفي بما تقول.
وبحسبِ ما ذكرته السيدة روزيت، فلن تجد في الشمال شخصًا يُتقنُ استخدامَ الآلة الكاتبة مثل رويلا.
أصابعُها تكادُ تطيرُ فوق الأزرار، بسرعةٍ تُثيرُ الدهشة.
“كنا سنقعُ في ورطةٍ حقيقيّة لو لم نشترِها.”
حتّى إيدن أقرّ بذلك.
فقد أرسلت رويلا مسبقًا تقاريرَ مُلخّصة لثلاثةِ أشهر، وكانت مرتّبةً بشكلٍ لافت، واضحةً للنظر،
وبأسلوبٍ مختصر، مع تحديدٍ دقيق للنقاطِ الأساسيّة.
لدرجةٍ جعلت كريستن يشعرُ أنّ مبلغَ المئةِ والعشرين إكرا لم يكن مُبذَّرًا إطلاقًا.
على أيّ حال، إن استطاعَ جايمن أن يُظهرَ كفاءةً مماثلة، فسيكونُ ذلك باعثًا على السرور حقًّا.
“أرجو أن نعملَ معًا على خير.”
“فورَ سماعي بتكليفي، توجّهتُ إلى الموقع ميدانيًّا.
أكثرُ ما يتطلّبُ المعالجةَ العاجلة هو إعادةُ بناء الجسر.
فانهيارُ الجسرِ الرئيسي تسبّبَ بشللٍ في حركةِ المرور، وقد اشتكى التُّجّار كثيرًا.
لذا أعددتُ مقترحَ الميزانيّة.”
“بهذه السرعة؟”
“نعم، سموّكَ!”
أجابَ جايمن بحماس، وهو يبتسمُ في داخله.
تركُه العملَ في العاصمة كان أمرًا موجعًا فعلًا.
فقد كان يُحقّق نجاحًا تلوَ الآخر، وكان على وشكِ الترقية،
لكنّ أمّه أصيبت بسكتةٍ دماغيّة، أدّت إلى شللِ يدِها اليمنى، وساقِها اليمنى، وعضلاتِ وجهها.
لم يكن أمامه خيارٌ سوى تركِ عمله والعودةِ إلى الشمال.
كانت أمّه، التي عملت بالخياطة لتوفّر له مصاريفَ الدراسة في العاصمة، قد ترجّته ألّا يتركها وحدها.
لم يستطع جايمن رفضَ طلبها.
وهكذا، وفي خضمّ يأسه، وجدَ فرصةَ عملٍ في الشمال.
‘الترقّي في مكانٍ ريفيٍّ كهذا أمرٌ سهل!’
ثمّ إنّ الدوق الأكبر كان كثيرَ الغياب بسببِ المعارك ضدّ الوحوش.
ومن خلال التحقيقاتِ المسبقة، تبيّن أنّ الإدارةَ في الشمال كانت في حالةٍ مزرية.
مياهٌ راكدة بدأت بالتعفّن، ومعها الأسماك تموتُ واحدةً تلوَ الأخرى.
في مثلِ هذا الوضع، إن برزَ وتمكّن من أن يصبحَ الذراعَ الأيمن للدوق؟
سيُفتحُ أمامه طريقُ المجد.
كان طموحُ جايمن عظيمًا إلى هذا الحدّ.
“سأطّلعُ عليها وأعطيك الردّ غدًا.”
“نعم، سموّكَ. سأعودُ غدًا إذن.”
بعدَ مغادرةِ جايمن، قالَ إيدن لكريستن:
“يبدو أنّ شبابَ هذه الأيّام يفيضون بالحماس والطموح.
الآنسة رويلا أيضًا كذلك.”
حتى إيدن لم يستطع إلّا أن يُقارنَ بين جايمن ورويلا.
ابتسمَ كريستن بخفّة وهو يُقلّبُ الأوراق.
“ما رأيكَ أن نُعطي هذه المستندات لـ الآنسة رويلا لتُراجعها؟”
“الآنسة رويلا؟”
“نعم، سموّكَ.”
ابتسمَ إيدن بمكرٍ خفيف.
“أصبحتُ فضوليًّا لمعرفةِ إلى أيّ حدٍّ تستطيعُ الوصول.”
ألقى كريستن نظرةً سريعة على الأوراق.
في الحقيقة، كانت هناك أكوامٌ من العمل بانتظاره.
مجرّد تصحيحِ أخطاءِ النائبِ الذي تولّى الإدارة أثناء غيابه كادَ يُصيبه بالصداع.
لقد تعلّمَ هذه المرّة أنّ السمعةَ الطيّبة لا تعني بالضرورةِ الكفاءة.
“ليكن.
لكن تأكّدْ أنتَ أيضًا من مراجعتها مرّةً أخرى.”
توقّفَ كريستن قليلًا بعدَ كلامه.
ربّما بدأ يشعرُ بشيءٍ من الترقّب.
رويلا كانت دائمًا تُفاجئه بطرقٍ لم تخطرْ على باله.
وتساءلَ كيف سيكونُ ردُّ فعلها على مستنداتِ جايمن.
دونَ أن يشعر، أصبحَ فضوله تجاهَها يتزايد.
إن تعلّمَ جايمن منها، فسيكسبُ بيتُ الدوق كادرًا إضافيًّا قيّمًا.
كان كريستن يعتمدُ على رويلا أكثرَ ممّا يظن.
تغيّرٌ لم يُدركه بعد.
“نعم، سموّكَ، سأفعلها.”
* * *
هذا هو نتاجُ عشرينَ عامًا من الطباعة على برامج الحاسوب.
كنتُ أبلغُ حوالي سبعمئةِ كلمةٍ في الدقيقة بالطباعةِ السريعة، وثلاثمئةٍ بالطباعةِ الطويلة.
نشأتُ مع جدّتي، وكانت من مستفيدي الإعانةِ الحكوميّة.
وبفضلِ ذلك، التحقتُ بدروسٍ بعدَ المدرسة، ومن هناك بدأتُ ببناءِ هذه المهارة.
سرعةُ إنجازِ المستندات جعلت قلبي يكادُ يطيرُ فرحًا.
طرقٌ خفيف على مكتبي.
رفعتُ رأسي بعدَ أن أبعدتُ يدي عن الآلةِ الكاتبة.
“السيد إيدن؟”
“آسف لإزعاجكِ وأنتِ مندمجة، لكن لديّ مهمّة من سموّ الدوق.”
“أجل؟ ما هي؟”
“هل يمكنكِ مراجعةُ هذا الملف؟”
قدّمَ إليّ مستندًا بسماكةِ مفصلِ الإصبع الصغير.
“إنّه مقترحُ ميزانيّةٍ أعدّه مديرُ الأشغالِ الجديد لإصلاحِ الجسر المنهار.
هل يمكنكِ التحقّق من عدمِ وجودِ أخطاء؟”
“بالطبع! سأنتهي منه سريعًا.”
هذا يعني أنّ ثقتهم بي قد ازدادت، أليس كذلك؟
بالنسبة لي، كان هذا أمرًا مرحّبًا به.
بعدَ مغادرته، بدأتُ بالمراجعة.
كان فيه شيءٌ من الروحِ الشابّة، لكنّه مطوّلٌ وغيرُ فعّال كالمعتاد.
تش… إعادةُ كتابته ستكونُ أسرع.
وبفضلِ الجداول المطبوعة التي وصلتني صباحًا من المطبعة، تسارعت وتيرةُ العمل أكثر.
أمسكتُ قلمي بثقة.
قلمُ الحبر الذي أثنى عليه صاحبُ المتجر كثيرًا.
حقًّا، قوّةُ الرأسماليّة لا تُستهان بها.
بدأتُ بإعادةِ الكتابة مستخدمةً الحبر بسخاء.
الكمّيّة لم تكن كبيرة.
آه، هنا خطأ.
بهذا الشكل؟ هذا يستحقُّ تقريرَ مساءلة.
عليه أن يشكرني بدلًا من ذلك.
لكن… أليس في هذا شيءٌ غريب؟
“سيدة روزيت.”
“نعم، آنسة رويلا.”
“هنا… لماذا يُزالُ التراب عن جسرٍ مكتمل؟”
“لتسهيل حركةِ العربات.”
“همم…….”
“هل هناك مشكلة؟”
خفضُ التكاليف؟
بل كان من الأفضل استخدامُ الحجارة.
تذكّرتُ الطرقَ التي رأيتها من قبل.
يبدو أنّ البنيةَ التحتيّة هنا متخلّفة.
هل هذا حالُ العالم كلّه؟
لم أزر العاصمة بعد.
دوّنتُ ملاحظةً صغيرة.
لن يغضبوا من إبداءِ رأي، أليس كذلك؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"