في تلك اللحظة، داخل عيادة القصر الكبير.
كنتُ أجلس بجانب سرير كريستن، ممسكةً بيده.
كان المكان صامتًا حدّ الاختناق. كانت ليالي الشمال دائمًا هادئة، لكن صمت اليوم كان أثقل من المعتاد بشكلٍ غير طبيعي.
“كريستن.”
لم يأتِ رد. فقط صوت أنفاسٍ خفيفة. كان صدره يرتفع وينخفض قليلًا، وهذا وحده دليلٌ على أنه لا يزال حيًا.
“قالوا إنهم وجدوا رسالة احتضار على جثة مورغان. كانت محفورة بشفرة مورس، وقد قام السيد كايرين بفكّها. الاسم هو رينترو. لقد نقش مورغان اسم القاتل وهو يحتضر.”
شدَدتُ على يد كريستن.
“الآن صار لدينا دليل.”
ساد الصمت.
“غدًا سأذهب إلى قرية فروست.”
تابعت رويلا بصوتٍ مرتجف.
“يُقال إن هناك مظاهرة مُعلَنة هناك. الناس ينادونك بالوحش. يقولون إنك تلقيت لعنة التنين، وأنك ستدمّر الشمال.”
اشتدّ الضغط في يدي.
“هذا هراء. لقد راهنتَ بحياتك لتحمي الشمال. لقد ألقيتَ بنفسكَ لتمنع الانفجار. لكنهم لا يعرفون ذلك.”
سخنت أطراف عيني.
رفعت رأسي ونظرت إلى وجه كريستن. وجهٌ شاحب، عينان مغمضتان.
اختفى ذلك الانطباع الحادّ الذي كان يميّزهُ، ولم يبقَ سوى وجه شابٍ نائم.
“هل لأن الأمر ظالمٌ جدًا لا تستطيع النهوضَ؟”
اهتزّ صوتي. شعرتُ أن الدموع ستسقطُ، فضغطتُ على أسناني. لا يمكنني البكاء.
“سأحمي كل شيءٍ حتى تعود. كل ما كنتَ تحاول حمايته. الشمال، وسكان الإقليم. يجب أن يكون هناك مكانٌ تعود إليه حين تستيقظ.”
انحنيتُ وقبّلتُ جبين كريستن بحذر. لامست شفتيّ الدافئتان بشرته الباردة، ثم ابتعدتا.
“استيقظ، أرجوكَ. سأنتظركَ. وكلما أسرعتَ، كان أفضل.”
خرجتُ من العيادة متجهةً إلى غرفتي لأرتاح استعدادًا للغد، لكن أحدهم ناداني وأوقفني.
“آنسة رويلا.”
التفتُّ، فوجدتُ إليشا واقفة.
“……آنسة إليشا؟”
لم يسبق أن تحدثتُ معها على انفراد إلا مراتٍ معدودة. لذا بدا على رويلا الاندهاش من مناداتها.
ابتسمت إليشا ابتسامةً مترددة، وكأنها تُظهر أنها بلا نوايا سيئة.
“أنا… هل يمكننا التحدث قليلًا؟”
“……ما الأمر؟”
“فقط… لدي ما أقوله.ُ”
خفضت إليشا رأسها، وكان صوتها يرتجف.
لم تُخفّف رويلا حذرها. كان تصرّف إليشا المفاجئ مريبًا. كانت رويلا أول من اشتبه بها. بقاؤها تراقبها حتى الآن لم يكن ثقةً بها، بل لعدم وجود دليل.
رفعت إليشا رأسها. كانت الدموع تلمع في عينيها. لم يكن واضحًا إن كانت حقيقية أم تمثيلًا.
“أردتُ… أن أقدّم لكِ كوب شاي. هل لديكِ وقت؟”
ضيّقت رويلا عينيها. كان هناك شيءٌ غير طبيعي.
لكنها شعرت أن الرفض سيكشف شكّها.
‘لنرَ ما الذي تخطّط له.’
رغم أن الوقت كان متأخرًا، إلا أنها استطاعت تخصيص لحظة.
“……حسنًا. لكن لوقتٍ قصير فقط.”
“نعم، لن يطول.”
ابتسمت إليشا بإشراق.
اتجه الاثنتان إلى قاعة الطعام. لم يكن هناك خادمات لتحضير الشاي في هذا الوقت؛ كان الجميع نائمين.
سكبت إليشا الشاي بنفسها، وكانت يدها ترتجف قليلًا. لم تفُت هذه الملاحظة رويلا.
وُضِعت كوبان على الطاولة، يتصاعد منهما البخار.
“تفضّلي.”
دفعت إليشا أحد الأكواب نحو رويلا.
أمسكت رويلا بالكوب، وشعرت بالدفء ينتقل إلى راحة يدها.
“شكرًا.”
رفعت الكوب نحو شفتيها، لكنها أعادته.
“إن كان لديكِ ما تقولينه فقولي. يجب أن أذهب للنوم قريبًا. أنا متعبة.”
“أم… متى سيستيقظ سموّ الدوق؟ لا أحد يخبرني. جئتُ لأنني قلقة.”
توجّهت نظرات إليشا إلى الكوب، لكنها لم تشرب منه.
“سيستيقظ… أليس كذلك؟”
“أنا أؤمن بذلك. لا أعرف متى، لكنني أعلم أنه سيستيقظ.”
أجابت رويلا بصدق.
“هل هذا كل ما لديكِ؟”
كان هذا أقصى ما يمكن أن تقدّمه رويلا من لطفٍ.
عضّت إليشا شفتيها بقلق.
“أنا…!”
“كفى. آنسة إليشا، آسفة. لنتحدث لاحقًا.”
“……حسنًا.”
أجابت إليشا بصوتٍ خافت.
نهضت رويلا وغادرت. بقي الشاي الذي لم يبرد بعد في مكانه. لم تكن ترغب حتى في منح الوقت ليبرد.
هذا كان تقييمها لإليشا.
في صباح اليوم التالي.
داخل عربة متجهة إلى فروست.
كانت رويلا تنظر من النافذة. مرّت مناظر الشمال بسرعة: حقول مغطاة بالثلج، أشجار عارية، وسماء رمادية. كان الشتاء يزداد عمقًا.
جلس أمامها الأمير تشايس، ساقاه متقاطعتان وذراعاه متشابكتان، وعلى وجهه تعبيرٌ مريح، وكأنه في نزهة.
وبجانبه جلس جايمن، ممسكًا بحزمة أوراق، وعلى وجهه توتر واضح.
“متوترة؟”
سأل تشايس. نظرتَ إليه رويلا.
“……بصراحة، قليلًا.”
“قيل إن عدد المتظاهرين يتجاوز المئتين، صحيح؟”
“نعم. مظاهرة فروست هي الأكبر.”
‘الشائعات عن تحوّل الدوق إلى وحش’ انتشرت، وكانت فروست أول من اهتزّ، لأن فيها مخازن الحبوب، وكثيرون رأوا الدوق بأعينهم.
“لا داعي للخوف.”
قال تشايس بثقة. لقد عاش متنقلًا في البلاد وواجه مواقف كثيرة، وهذا منها.
“سأتولى الأمر جيدًا.”
ابتسم تشايس بثقةٍ
بعد ساعة.
وصلت العربة إلى مدخل قرية فروست.
نظرت رويلا من النافذة. كان الضجيج يُسمع من بعيد. تجمع عدد يفوق المئتين بسهولة.
“……كثيرون.”
ابتلع جايمن ريقه.
“خائف؟”
سأل تشايس.
“لا… فقط كنت أتأكد.”
“جيد. يجب أن تملك هذا القدر من الجرأة.”
توقفت العربة، وفُتح الباب.
نزل الحراس أولًا. عشرة فرسان من القصر، يرتدون دروعًا تحمل شعار العائلة الإمبراطورية.
ثم نزل تشايس. لمع شعره تحت أشعة الشمس، وجذبت هيبته أنظار الجميع. مدّ يده ليساعد رويلا على النزول.
“انتبهِي، رويلا.”
أومأت برأسها.
صرخ الناس عند رؤيته. حتى المتظاهرون المسلحون ترددوا أمام الفرسان، خاصةً حين كانوا فرسانًا إمبراطوريين.
“سـ… سموّ الأمير!”
“إنه الأمير تشايس!”
ارتفع الهمس. لم يتوقعوا ظهور أحد من العائلة الإمبراطورية.
أخذت رويلا نفسًا عميقًا.
لامس الهواء البارد خدّها. رائحة الشتاء—الثلج والجليد—امتزجت بحرارة الحشود.
رغم ألم خيانتهم، رأت أن كفاحهم من أجل العيش يستحق التفهّم.
تفحّصت رويلا الحشد.
كانوا مجتمعين في الساحة، يحملون مشاعل وعصيًّا.
الأجواء كانت متوترة. العيون حادة، والوجوه مليئة بالغضب، وكأنهم يبحثون عن جهة يوجّهون إليها نصل بؤسهم.
‘……كيف يمكن تهدئةُ هذا؟’
التعليقات لهذا الفصل " 89"