خرجت من الأحياء الفقيرة ووصلت إلى هنا. جاعت، وضُربت، ودُهست… ومع ذلك نجتْ.
‘لماذا أنا لا أنجحُ؟’
انغرست أظافرها في كفّها.
ثم وقعت عيناها على شيءٍ عالق في زاوية النافذة.
فتحت النافذة وأمسكت بالورقةِ.
[إلى نُزل كليمنت – R]
بمجرّد أن رأت الاسم، تصاعد الاشمئزاز في داخلها.
صورة ذلك الرجل وهو يلفّ خصلات شعرها بأصابعه، وضحكته وهو يربّت على خدّها، ويداه القذرتان تلامسان عنقها وأذنها… كلّها عادت إليها.
لكن في الوقت نفسه، ظهرت فكرة أخرى.
غريزة البقاء التي تعلّمتها في الأحياء الفقيرة همست لها:
‘هل ستموتين هكذا؟ أم ستخاطرين بكلّ شيء وتخرجين؟’
‘مستحيل… لا يمكن ذلك.’
* * *
ساد التوتّر في قاعة الاجتماعات داخل القصر.
كنتُ أجلس في صدر الطاولة. رغم أنّني شعرت بأنّ هذا المكان ليس مكاني، إلا أنّ إيدن وجايمن أصرّا على ذلك. في الأصل، كان هذا مقعد كريستن.
لم تكن حالتي جيّدة بعد. فقد استيقظت منذ ثلاث ساعات فقط بعد غيبوبةٍ دامت خمسة أيام.
ومع ذلك، بعد تناول الحساء والاستحمام بالماء الدافئ، شعرت بتحسّنٍ بسيط.
جلس إيدن إلى يميني، وجايمن إلى يساري.
وكان كايرين واقفًا مستندًا إلى الجدار. عدد النبلاء الحاضرين كان نصف المعتاد.
“تمّ الإعلان عن مظاهرات في ثلاث مناطق: ريدوينتر، فروست، ووينترغيت.”
قال إيدن بصوتٍ منخفض وثقيل.
“يُقدّر عدد المشاركين في كلّ منها بين مئة ومئتين. وهناك محرّضون يندمجون بين الناس ويحرّكونهم، كما تستمرّ المنشورات في الانتشار.”
“وماذا عن جمع المنشورات؟”
“نقوم بجمعها باستمرار، لكن يتم توزيع غيرها فورًا.
وجدنا المطبعة، لكن يبدو أنّها جاءت من خارج الشمال. وما زلنا نتعقّب المصدر.”
عقدتُ حاجبيّ.
كان الإرهاق واضحًا على وجه إيدن. هو أيضًا لم يتعافَ تمامًا، وكان يسهر منذ أيام.
“لدينا سبعون فارسًا فقط يمكن تعبئتهم، بعد استثناء قوّات الدفاع. من الصعب التعامل مع ثلاث مناطق في آنٍ واحد.
حتى لو أرسلنا عشرين فارسًا لكلّ موقع، فلن يكفي لقمع الحشود. كما أنّ النبلاء لا يتعاونون، لذا من الصعب جمع المزيد من القوّات.”
نظرتُ حولي.
بدا واضحًا من تجنّب النبلاء لنظراتي أنّهم يحاولون النأي بأنفسهم. كريستن طريح الفراش، لذا لا يريدون تنفيذ الأوامر.
شدَدتُ على أسناني.
قال جايمن بقلق:
“بصراحة، الوضع خطير. بالأمس، تعرّضت الإدارة في وينترغيت للهجوم. والمظاهرات أصبحت أكثر عنفًا.”
غرقتُ في التفكير للحظة.
في هذه الأثناء، كان الأمير تشايس يقيم في القصر.
وبالنظر إلى تصرّفاته السابقة، بدا أنّه قد يقبل بأن يُستغلّ.
“الأمير تشايس.”
فتحتُ فمي.
“…نعم؟”
رمش إيدن.
“ما رأيكم في استخدام الأمير تشايس؟”
ساد الصمت.
نظر إيدن وجايمن إلى بعضهما.
“استخدام… الأمير؟”
سأل جايمن بحذر.
“نعم. إذا أعلنت العائلة الإمبراطورية دعمها الرسمي للدوق الأعظم، فقد نتمكّن من كسر الشائعات. الناس الآن يصدّقون أنّ ‘الدوق تحوّل إلى وحش’. نحن بحاجة إلى سلطةٍ أقوى من تلك الشائعة. وهذه السلطة هي الإمبراطورية.”
“لكن… هل سيتعاون؟”
قطّب إيدن جبينه. واتّجهت أنظار الجميع نحو كايرين، كونه من القصر الإمبراطوري.
“…لا أستطيع أن أضمن. طبيعة الأمير تشايس حرّة جدًا.”
كان ذلك صحيحًا.
لكن تشايس كان ودودًا تجاه كريستن. وكان يريد بقاء الشمال.
“على أيّ حال، ليس لدينا خيار آخر. لا نملك القوّات، وسموهُ ما يزال في غيبوبة. استعارة سلطة الإمبراطورية هو الخيار الأفضل.”
تنفّس إيدن بعمق.
“حسنًا، آنسة رويلا. سنتّبع رأيكِ.”
* * *
كانت غرفة الأمير تشايس أفخم غرفة في الشمال، تقع في الجناح الشرقي للقصر. من نافذتها، يمكن رؤية الجبال الثلجية. وكانت المدفأة مشتعلة.
كان تشايس واقفًا عند النافذة.
يشبه وليّ العهد في المظهر، لكنّ أجواءه مختلفة. إن كان وليّ العهد جليدًا، فإنّ تشايس أشبه بنارٍ مخفيّة.
ابتسم لـرويلا.
“أتعلمين أنّها المرّة الأولى التي تأتين فيها إلى غرفتي؟”
“…شكرًا على استقبالكَ لي، سموّ الأمير.”
كانت رويلا كجوهرةٍ وجدها في الشمال. عيناها الصافيتان، وطريقتها الواثقة والدافئة… كلّ شيءٍ فيها ترك أثرًا عميقًا في ذهنه.
أرادها.
أراد أن يعرف كلّ شيء عنها، وأن يمتلكها.
لكن عينيها… كانتا دائمًا تتّجهان نحو كريستن.
وهذا ما كان يدفعه إلى الجنون.
ومع ذلك، لم يستطع أن يبعد نظره عنها. مشاعره تعمّقت دون إذنهِ، كأنّهُ ينَدفعُ نحو الهلاكِ.
“جئت لأطلب منكَ أمرًا، سموّ الأمير. أرجو أن تغفرَ وقاحتي.”
دخلت رويلا في الموضوع مباشرة.
“أرجو أن تعلن الإمبراطورية دعمها الرسمي للدوق الأعظم.”
ارتفع حاجبا تشايس. وساد صمتٌ قصير.
“قلتَ إنّكما صديقان، أليس كذلك؟”
كان يعلم ما ستقوله، ومع ذلك لم يردّ.
ابتلعت رويلا توتّرها. كان يراوغها بابتسامته الغامضة ونظرته العميقة.
عضّت شفتها.
‘ماذا أقول ليوافق؟’
“أنتَ… تحبُّ الشمال، أليس كذلك؟ وقلتَ إنّكَ لا تريدُ سقوطه.”
توقّف تشايس عن الكلام.
ذلك “الحب” لم يكن يعني ما تقصده… لكن حين نطقته، اكتسب معنىً مختلفًا.
“إذا كنتَ تُحبَّ الشمال… فأرنا عمق هذا الحب.”
كان ذلك تضرّعًا.
لكنّه كان… تضرّعًا مُغرِيًا.
اتّسعت ابتسامة تشايس. كانت نظرته كمن ينظر إلى قطّةٍ تتدلّل.
التعليقات لهذا الفصل " 87"