في الوقت نفسه، في مُستودَع الجُثث تحت قصر الدوق الأعظم.
كان كايرين يسير نزولًا في الممرّ البارد.
ضوء المشاعل أسقط ظلالًا غير منتظمة على الجدران الحجرية. ومع كلّ درجةٍ ينزلها، كان يشعر بأنّ الهواء يزداد برودةً على جلده.
حدٌّ فاصلٌ بين عالم الأحياء وعالم الموتى.
رنّ صدى خطواته فوق الدرج الحجري. ولم يكن هناك أيّ صوتٍ آخر.
كان مستودع الجثث يقع في أعمق مكان داخل القصر. يحتفظ بدرجة حرارةٍ باردةٍ كأنّها شتاءٌ دائم، طوال العام، حتى لا تتعفّن أسرار الموتى.
توقّف أمام بابٍ حديدي.
تسرّب ضوء شمعةٍ خافت من خلال الشقّ. أصدرت المفاصل الصدئة صريرًا حادًا، وكأنّها لم تُزَيَّت منذ أشهر. ما يعني أنّ من زيارة هذا المكان نادرٌ للغاية.
“سمعتُ أنّك طلبتني.”
قال كايرين بصوتٍ منخفض.
“هل وصلت؟”
جاءه صوتٌ من الداخل. كان الطبيب الشرعي في القصر.
دخل كايرين.
كان المكان أوسع ممّا توقّع، لكن السقف منخفض والجدران حجرية، ما جعله يبدو كالكهف.
وُضعت عدة شموع هنا وهناك، لكن الظلام ظلّ كثيفًا، والظلال متكوّمة في الزوايا.
في الوسط، كانت هناك ستّة أسرّةٍ حجرية، وعلى السرير الأخير استلقى جسدٌ مغطّى بقماشٍ أبيض.
مورغان.
“تعال إلى هنا.”
أشار الطبيب بأصابعه النحيلة. وعندما اقترب كايرين من الجثة، رفع القماش.
ظهر وجه مورغان.
لم تتغيّر ملامح كايرين، فقد رأى عددًا لا يُحصى من الجثث من قبل. لكنّه لم يعتد الأمر. فالموت دائمًا ثقيل… أيًّا كان شكله.
“سبب الوفاة كما ذكرتُ سابقًا هو الخنق. لكن ليس لهذا السبب استدعيتكَ.”
تغيّر صوت الطبيب قليلًا. كان فيه شيءٌ مختلف داخل ذلك الهدوء.
“انظر إلى هذا.”
رفع يد مورغان اليمنى، ثم قلبها لتظهر راحة اليد.
تضيّقت عينا كايرين. كان هناك شيءٌ على كفّ مورغان.
“انظر عن قرب.”
قرّبت الشمعة، فأضاء الضوء الأصفر راحة اليد.
اتّضحت الجروح. خدوشٌ مرتّبة بنمطٍ معيّن. قصير. طويل. قصير. طويل. طويل. جروحٌ مصطفّة بشكلٍ منتظم، ولم تكن عادية على الإطلاق.
“هذا…”
تمتم كايرين.
“من نقشها؟”
“هو نفسه.”
قال الطبيب بحزم.
“مورغان نقشها على راحة يده بأظافره قبل أن يموت. ما يُسمّى عادةً ‘رسالة الموت’.”
ثم أدار اليد مجددًا.
“هناك آثار دمٍ تحت ظفري السبّابة والوسطى. وأطراف الأظافر متشقّقة. لقد خدش شيئًا بقوّة وبشكلٍ متكرر، فتضرّرت. كما قمت بتحليل الدم حول الجروح.”
تابع كلامه:
“وبحسب حالة تجلّط الدم، فقد أُصيبت هذه الجروح قبل الموت مباشرة.”
نظر كايرين إلى اليد. الآن كانت مفتوحة، لكن عند العثور عليها، لا بدّ أنّها كانت مقبوضة بإحكام.
والقاتل… لم يكن يعلم.
أنّ سرًّا كان مخبّأً داخل تلك القبضة.
“المشكلة…”
تنفّس الطبيب بعمق.
“أننا لا نعرف ما الذي تعنيه. نعلم أنّ هناك نمطًا، وأنّها ليست عشوائية. لكن ما هذا بالضبط…”
هزّ الرجل العجوز رأسه.
“قد تكون حروفًا… أو أرقامًا… أو ربما رموزًا.”
“هل عرضتها على أحدٍ آخر؟”
“أنت أوّل من يراها. بما أنّك من وحدة الاستخبارات، استدعيتكَ للتأكّد.”
كان قرارًا حكيمًا. ففرقة الظلال تتعامل مع معظم الشيفرات.
تأمّل كايرين الكفّ عن قرب.
‘أشعر أنّني رأيت هذا من قبل…’
اتّسعت عيناه.
“أحضر مزيدًا من الشموع.”
“ماذا؟”
“أكثر ضوءًا. أقصى ما يمكن.”
بدت الدهشة على وجه الطبيب، لكنه نفّذ الأمر.
أحضر خمس شموع إضافية ووضعها حول الجثة.
أضاء المكان.
ركع كايرين، وقرّب وجهه من الكفّ.
بدأ يقرأ الجروح واحدةً تلو الأخرى.
القصير نقطة.
والطويل خط.
“شفرة مورس.”
تمتم كايرين.
“ماذا قلت؟”
سأل هيجستون.
“إنّها شفرة مورس.”
وقف كايرين، وعيناه تلمعان.
“نظام تشفيرٍ يعتمد على النقاط والخطوط. يُستخدم كثيرًا في فرقة الظلال الإمبراطورية، وأحيانًا في الجيش. هل لديك أدوات كتابة؟”
ناولَه هيجستون دفتره وقلمه بسرعة. بدأ كايرين ينقل الجروح واحدةً تلو الأخرى، محوّلًا إيّاها إلى نقاطٍ وخطوط.
· — ·
R
·
E
— ·
N
—
T
· — ·
R
— — —
O
توقّف كايرين.
ثم نظر إلى الدفتر.
[R – E – N – T – R – O]
رينترو.
“…وجدتُه.”
رنّ صوته منخفضًا.
صباح اليوم الرابع.
قرية ريدوينتر.
تقع على بُعد نصف يومٍ من قصر الدوق الأعظم. في العادة، يكون السوق فيها مليئًا بالحيوية، لكن اليوم كان مختلفًا.
لا ضحك.
ولا أصوات أطفال.
فقط همهمات.
“سمعتَ؟”
همس بائع السمك إلى بائع الخضار المجاور، وهو يغطي فمه بيده التي تفوح منها رائحة السمك.
“ماذا؟”
“الدوق الأعظم… يُقال إنّه تحوّل إلى تنين.”
اتّسعت عينا بائع الخضار.
“هل هذا حقيقي؟”
“طبعًا حقيقي. صهري كان هناك ذلك اليوم. قال إنّه رآه بعينيه.”
“بعينيه؟ حقًا؟”
“نعم. تعرف مستودع فروست؟ يقولون إنّ انفجارًا حدث هناك. وعندها ظهر الدوق الأعظم وأوقفه بقوته السحرية. لكن بعد ذلك…”
خفض بائع السمك صوته أكثر.
“ظهرت حراشف في كلّ جسده. لامعة… كأنّه أفعى… لا، بل تنين. وحتى عيناه تغيّرتا. حدقتهما الدائرية انشقّت عموديًا. وأظافره صارت كالشفرات.”
شحب وجه بائع الخضار.
“يا إلهي…”
“قالوا إنّه بدا كوحشٍ تمامًا.”
تدخّل بائع الفاكهة الذي كان يستمع بجانبهما، وقد توقّف عن مسح تفاحة. كانت عيناه تلمعان وهو يشارك الحديث.
“لكن ماذا عن المتوافقة؟ تلك ذات نسبة 98%؟ ماذا كانت تفعل؟”
“لا أعرف. لم أسمع عن ذلك.”
“أليس هذا غريبًا؟ إذا كانت هناك متوافقة بنسبة 98%، فلماذا يفقد السيطرة؟”
سخر بائع السمك، وقال بنبرةٍ متعجرفة:
“هذا يعني أنّها مزيفة.”
“مزيفة؟”
“نعم. ألم ترَ المنشورات؟ مكتوب فيها أنّ المتوافقة كذبة.”
سأل بائع الخضار بقلق:
“إذًا… ماذا سنفعل؟ إذا فقد السيطرة مرةً أخرى؟”
ساد الصمت.
لم يُجب أحد.
فالإنسان يخاف المجهول… ويخشى ما لا يستطيع توقّعه.
وكان كريستن… داخل ذلك النطاق.
وكان خوف الناس يزداد شيئًا فشيئًا. واتّجهت نظراتهم القلقة نحو قصر الدوق الأعظم.
كانت المنشورات التي يجمعها الفرسان بالقوّة تُنزع فور تعليقها، لكن الشائعات… كانت تنتشر كالنار في الهشيم، بلا أيّ سبيلٍ لإيقافها.
التعليقات لهذا الفصل " 85"