امتلأ ضوء المصباح الدَّرجَ الضيّق وأنار ما تحت الأقدام. كان ذلك على الأقل أمرًا مُطمئنًا.
“إلى أين علينا أن نصل؟”
سألتُ بحذر عندما نزلنا إلى حدٍّ لم أعد أستطيع معهُ تقدير المسافة.
“لقد أوشكنا على الوصولِ.”
كما قال كريستن، انتهت السلالم سريعًا وظهر ممرّ طويل. انعكس ضوء المشاعل على الجدران الحجرية.
كانت الجدران القديمة مغطّاة بالطحالبِ في مواضعٍ متفرّقة.
وفي نهاية الممرّ كان هناك بابٌ حديدي.
كان صدئًا، لكنه بدا متينًا. وعلى الباب قفلٌ مُحكم.
أخرج كريستن مفتاحًا من جيبه. انغرس المفتاح المعدني القديم في القفل بإحكام.
“هذا المفتاح يُورَّث داخل عائلة الدوق الأكبر جيلًا بعد جيل. لقد انتقل من دوقٍ أكبر إلى آخر طوال 200 عام.”
إن كان المكان بهذه الأهمية، فهل هناك كنزٌ عائلي مخبّأ؟ تُرى ماذا يوجد خلف هذا الباب؟ بدأ قلبي يخفق بشيءٍ من الترقّب.
فتح كريستن الباب الحديدي. صرخت المفصلات القديمة وهي تئنّ. كان الداخل غارقًا في ظلامٍ دامس.
وكأن الأمر مألوفٌ له، نقل كريستن شعلة المصباح إلى الداخل وأشعل النار. انتشر الضوء ببطء.
ثم انكشف سرٌّ هائل.
“……!”
كاد نفسي ينقطع من شدّة عدم تصديقي لما رأيت أمامي.
كان الكهف المكشوف ذا سقفٍ عالٍ، وواسعًا للغاية.
وكانت جدرانه بأكملها تتلألأ. بسبب آلاف، بل عشرات الآلاف من المشاعل. ضوءٌ ساطع يكاد يعمي الأبصار.
إنها… جواهر.
الماس، أحد أثمن وأصلب الجواهر في هذا العالم.
‘هل هذا جنونٌ…؟’
غطّيتُ فمي.
كانت البلّورات الشفافة المغروسة في الجدران ما تزال في حالتها الخام. لم تُستخرج بعد، وكانت تتلألأ بين الصخور. تفاوتت أحجامها؛ من حجم الظفر إلى حجم القبضة. ولم تكن واحدة أو اثنتين.
عددٌ هائل من الألماس مدفونٌ تحت أرض قصر الدوق الأكبر، إلى حدٍّ يستحيل عَدُّه. لا بدّ أنّ هذا هو مصدر ثروة العائلة.
“هذا مستحيلٌ…”
كادت ساقاي تخونانني وأسقط، لكن كريستن أمسك بذراعي وساعدني.
هل هذا حقيقي؟
اقتربتُ من الجدار ومددتُ يدي. لامست أطراف أصابعي الصخر البارد. وبين الشقوق، كانت البلورات الشفافة مغروسة.
“منذ متى كان هذا هنا؟”
“منذ 200 عام.”
اقترب كريستن مني وبدأ يشرح.
“الدوق الأكبر الأول بنى القلعة فوق منجم ألماس. كان في الأصل عشّ تنين. وبعد أن غادر آخر تنين، استقرّوا هنا.”
“200 عام؟ ولم يعرف أحد بذلك طوال هذه المدة؟”
“لا يعرف إلا الدوق الأكبر وعددٌ قليل جدًا من المقرّبين. حاليًا، لا يعلم بالأمر سوى أنا والسيدة روزيت.”
تحرّك كريستن نحو عمق الكهف، وتبعته. ومع كل خطوة، كانت الألماسات في الجدران تلمع. كان المشهد خياليًا لدرجة جعلتني أشعر وكأنني أمشي في حلم.
“أنتِ تعلمين أن الشمال أرضٌ قاحلة، أليس كذلك؟”
“نعم. الزراعة صعبة، والشتاء طويل.”
أومأ كريستن. وهو واقف بين الألماس، بدا وكأنه جنّي وُلد من الضوء نفسه. كان شعره الأشقر العسلي يلمع.
تابع بصوتٍ منخفض:
“المناطق الأخرى تجمع الضرائب من الزراعة وتكسب المال من التجارة. لكن الشمال لا يستطيع ذلك. الأرض متجمّدة. ولا توجد مناجم ذهب أو جواهر أخرى. إنها أرض مناسبة للموت جوعًا.”
مرّر كريستن يده على الجدار، ولامست أصابعه الألماس.
“ومع ذلك، لماذا تعتقدين أن عائلة الدوق الأكبر استطاعت حماية الشمال حتى الآن؟”
“……بفضل هذا؟”
“صحيح.”
أومأ كريستن.
“على مرّ الأجيال، كانت عائلتنا تبيع كميات صغيرة من الألماس من هذا المنجم للحفاظ على اقتصاد الشمال. دخل المحاجر وتجارة الفراء لا يكفيان. والضرائب وحدها لا تستطيع إبقاء الشمال حيًا.”
نظرتُ حولي. لم أستطع رؤية النهاية. لم أعرف مدى عمق هذا الكهف. لو حُوِّل هذا إلى مال…
“هذا… قيمته هائلة. ربما يمكن شراء الإمبراطورية بأكملها.”
تمتمتُ بوجهٍ شاحب. ربما هذا حقًا بركة تركها تنين.
“صحيح.”
انخفض صوت كريستن.
“ولهذا أبقيناه سرًا.”
نظر إليّ بعينين تتلألآن تحت ضوء المشاعل، ثم كشف سرّ الشمال بصوتٍ خافت.
“وفقًا لقانون الإمبراطورية، الموارد المعدنية المكتشفة في الأراضي تُقسَّم بين العائلة الحاكمة واللورد. النسبة نصفٌ بنصف.”
“النصف؟”
‘يا له من جشع…’
“إذا كُشف أمر هذا المنجم، ستتدخل العائلة الإمبراطورية. إما أن تأخذ نصفه…”
توقّف كريستن قليلًا.
“أو قد تصادره بالكامل باسم أملاك الدولة. وسيصبح الشمال هدفًا مجددًا. لهذا كان لا بدّ أن يعرفه أقل عدد ممكن.”
نظر إليّ مباشرة. كان إخفاء هذا السر لحماية الشمال.
“والآن… أصبحتِ تعرفين أيضًا.”
خفق قلبي بعنف.
سرٌّ دام 200 عام. أحد أهم أسرار الإمبراطورية… وقد أراه لي.
كان ذلك دليل ثقةٌ.
ارتجف جسدي من رأسي حتى أخمص قدميّ بإحساسٍ غامر. لكن… هل هذا كل شيء؟ مجرد ثقة؟
‘أشعر أنني أفهم…’
لماذا أحضرني كريستن إلى هنا.
“لماذا… تُريني هذا؟”
“ألم أقل لكِ؟”
اقترب خطوة، فغطّى ظله جسدي. مرّت أصابعه على عنقي برفق. دون أن أشعر، رفعت رأسي ونظرت إليه.
كانت عيناه الزرقاوان تتلألآن كالألماس.
همس:
“لأنكِ أنتِ. هل يهمّ السبب غير ذلك؟”
امتلأ صدري بشعورٍ خانق.
لأنني أنا فقط…
تسارعت دقّات قلبي.
“لنذهب إلى الداخل.”
مدّ يده. أمسكتُ بها.
كان الكهف أعمق مما توقعت. ومع كل خطوة، كانت الألماسات تتلألأ، وكأننا نسير بين النجوم.
في أعمق نقطة، وُجد فضاء صغير. كان السقف مقوّسًا كالقبة، ومغطّى بالكامل بالألماس.
انعكست الأضواء في كل اتجاه، وكأن مجرّةً كاملة قد انسكبت داخل الكهف. منظرٌ يخطف الأنفاس، يفوق الوصف.
“كانت والدتي تحب هذا المكان. كانت تقول إنه يشبه السير بين النجوم. لم أفهم ذلك حينها… لكنني أردت يومًا أن أحضر شخصًا مميزًا إلى هنا.”
ربما أراد كريستن أن يهديني ذكرياته مع والدته، أكثر من الألماس نفسه.
اختنق قلبي بالعاطفة. هل يعلم؟ أن عينيه تلمعانِ أكثر من كل هذه الجواهر؟
“سموكَ…”
“رويلا.”
وقف أمامي ورفع يدي التي يمسكها. لامست شفتاه ظهر يدي برفق. دفءٌ انتشر من تلك اللمسة، جعل قلبي يرتجف.
التعليقات لهذا الفصل " 81"