“سأقبض على الجاني حتمًا، وسأجعله يدفع الثمن. كما سأعوّضكم جميعًا بالتأكيد.”
ساد الصمت.
ثم انفجر أحدهم بالبكاء.
“سموكَ…”
كان الشاب الذي يحمل الصوف.
ترنّح قليلًا ثم تقدّم وجلس على الأرض أمام كريستن.
“سموكَ، ماذا… ماذا سنفعل الآن؟ هذا… هذا كان كل ما نملك. إن لم يبقَ هذا… أنا… وأنا وأمي وأبي…”
كان صوته يرتجف، تختلط به شهقات البكاء.
“ثلاث سنوات.”
تمتم الشاب.
“لقد جمعناه طوال ثلاث سنوات. كان أبي… يستيقظ كل يوم في الرابعة فجرًا. حتى حين تتشقق يداه وينزف الدم… كان يواصل الاعتناء بالخراف.”
ضمّ كتلة الصوف إلى صدره.
بدا وكأنه لا يدرك حتى ما الذي يقوله.
المشاعر المنبعثة منه جعلت صدري يختنق أنا أيضًا، فغطيت عيني بيدي. وانهمرت دموعي.
لكن حزني لم يكن شيئًا يُقارن بحزنهم.
لم يعد الرجل قادرًا على الكلام، فانفجر بالبكاء.
كنت أعلم أن بعد اليأس ينتظرهم يأسٌ آخر.
لم يكن الجسر وحده هو الذي احترق.
لقد احترقت حياتهم.
والآن فقط بدأت أفهم ذلك.
‘الواقع أكثر قسوة مما تخيلت.’
* * *
في الوقت نفسه.
في حانةٍ عند أطراف قلعة الدوق الأكبر.
في قاعة قمارٍ تحت الأرض، وضع رينترو أوراقه على الطاولة.
“فل هاوس.”
انتشرت الأوراق على الطاولة.
تأوه الرجال الجالسون أمامه.
“اللعنة…”
“مرة أخرى؟”
جمع رينترو العملات الذهبية المبعثرة على الطاولة.
رنّ صوتها وهي تتساقط في يده بنغمةٍ مبهجة.
كان حظه اليوم جيدًا على نحوٍ غير معتاد.
عضّ الرجال المقابلون شفاههم شتمًا، فضحك رينترو ضحكةً مبتذلة.
“كِه كِه كِه.”
ارتفعت زاوية فمه حتى كادت تبلغ أذنيه.
“حظي اليوم رائع… رائع للغاية.”
“سيدي رينترو، لقد ربحت كثيرًا. ألا يمكنك أن ترفق بنا قليلًا؟”
قال أحد الرجال متذمرًا.
كان الظل يخيّم على وجهه؛ فقد خسر كل ما جلبه من مال.
“أرفق بكم؟ منذ متى كانت المقامرة تعرف الرحمة؟”
أمسك رينترو بعملة ذهبية وقضمها بأسنانه ليتأكد من أنها حقيقية.
‘لهذا ألعب القمار… لهذا الطعم.’
كنس العملات الذهبية ووضعها في جيبه.
اقترب رجلٌ بملابس سوداء وهمس في أذنه.
“سيدي، وصلت الأخبار.”
لمعت عينا رينترو فورًا.
‘كنت أعلم أن حظي اليوم غريب!’
ومع توالي الأخبار السارة، ازداد مزاجه انتعاشًا.
“إذن نجح الأمر؟”
“نعم. انهار نصف الجسر. ومات عددٌ كبير من الناس أيضًا.”
أسند رينترو ظهره إلى الكرسي ورفع رأسه نحو السقف ثم انفجر ضاحكًا.
نظر إليه رواد القمار باستغراب.
لكن رينترو لم يهتم.
‘طالما أن هناك أيامًا محظوظة كهذا اليوم، فالحياة تستحق العيش.’
قبض حفنة من العملات الذهبية ورماها في الهواء.
“اليوم على حسابي! اشربوا جميعًا!”
تناثرت العملات على الأرض، فاندفع الناس يتزاحمون لالتقاطها.
خُيّل إليه أنه يرى قلعة الدوق الأكبر أمام عينيه.
ومجرد التفكير بأنه سيصبح سيد ذلك التاريخ العظيم جعل صدره ينتفخ فخرًا.
“يحيا السيد رينترو!”
“كما توقعنا، رجلٌ كريم!”
التفّ الناس حوله يتملقونه.
رفع رينترو يده طالبًا المزيد من الشراب، ثم شرب الكأس دفعةً واحدة.
انسكب الشراب على ذقنه.
خلط أوراق اللعب لجولة جديدة.
صدر صوتٌ خفيف متناغم.
“ماذا؟ هل ستتوقفون هنا؟”
نظر رينترو إلى أوراقه.
كانت يدًا جيدة.
في ضحكته لم يكن هناك أثرٌ لصراخ أولئك الذين ماتوا بسببه.
الشيء الوحيد المهم بالنسبة له هو ما سيضع يده عليه.
ركع أحدهم في مكانٍ ما…
وفي مكانٍ آخر رنّ جرس النصر.
الكأس الذي رفعه رينترو كان دموعًا ودمًا بالنسبة لشخصٍ آخر.
فالحياة… لم تكن عادلة قط.
* * *
تنقلت بين الناجين، أتحقق من حال كل واحدٍ منهم.
اليوم لم يكن جايمن هنا، لذلك كان عليّ أن أعتني حتى بالمصابين.
‘لماذا حدث هذا اليوم تحديدًا…’
لكن لا يمكنني الاستمرار في البكاء مكتوفة اليدين.
كان علينا أن نركز على الإنقاذ.
وصلني خبر أن السيدة روزيت والطاقم الطبي سيصلون قريبًا.
‘علينا الصمود حتى ذلك الحين.’
على الأقل، ما تعلمته بالمراقبة في المحجر ساعدني كي لا أبدو عاجزة.
“كم عدد المصابين بجروح خطيرة؟”
سألت الفارس الذي تبعني.
“سبعة. حروق وكسور. أما الباقون فجروحهم خفيفة أو لا إصابات ظاهرة.”
“حتى الإصابات الخفيفة قد تتحول إلى صدمة. الجميع يحتاج إلى علاج طبي.”
رتبت الوضع سريعًا وأنا أنظر نحو النهر.
كانت الأغراض ما تزال تطفو مع التيار.
كل تلك الأشياء ستتحول في النهاية إلى نفايات.
وليس الأغراض وحدها هي التي ستجرفها المياه.
“يجب إرسال فرقة بحث أيضًا. ينبغي تفتيش مجرى النهر السفلي. علينا انتشال الأغراض والتخلص منها… وربما… ربما ما زال هناك أشخاص لم يُعثر عليهم بعد.”
تصلب وجه الفارس.
لقد فهم المقصود.
“هناك عائلات تنتظر.”
“…مفهوم.”
استدار الفارس وركض نحو النهر حيث كانت الأشياء تنجرف مع التيار.
كان عامٌ كامل من حياة شخصٍ ما ينجرف هناك.
وكانت حياة شخصٍ آخر بأكملها تختفي.
قبضت يدي بقوة من شدة الغضب.
انغرست أظافري في راحتي.
‘لن أنسى هذا الغضب أبدًا.’
مر الوقت وبدأت الشمس تميل نحو الغروب.
وأخيرًا وصلت فرق الدعم من قلعة الدوق الأكبر.
عشر عربات.
طاقم طبي، مؤن، وخيام مؤقتة.
كان العدد أكبر مما طلبته.
“الآنسة رويلا!”
التي نزلت من العربة كانت السيدة روزيت.
رفعت أكمامها وربطت شعرها بإحكام.
“ظننت أنكم قد تحتاجون إلى المساعدة، فجلبت كل ما استطعت. لا أعلم إن كان ذلك كافيًا.”
تجولت بنظرها في المكان، فاسودّ وجهها.
“…يا إلهي.”
“هناك سبعة مصابين بجروح خطيرة. والبقية إصاباتهم خفيفة أو في حالة صدمة نفسية.”
“دعي المصابين لي أولًا. العربة التالية ستصل بعد قليل… آه، ها هي. الطاقم الطبي فيها.”
مع انضمام السيدة روزيت بدأت الأمور تتحرك بسرعة أكبر.
‘كما توقعت…’
مديرة شؤون القلعة بحق.
بدون السيدة روزيت، يصعب تخيل القلعة تعمل أصلًا.
اقترب كريستن، وكان يجرّ أحد الأشخاص من الماء.
“إذن وصلت السيدة روزيت.”
“نعم. وقد أحضرت مؤنًا كافية أيضًا.”
كان وجه كريستن متعبًا، لكن عينيه ما تزالان متقدتين.
يبدو أن هذه الليلة ستكون أطول من أي ليلةٍ أخرى.
عند اكتمال الغروب.
اقتربت السيدة روزيت من المرأة التي كانت جالسة طوال اليوم وهي تحتضن طفلها في صمت.
قالت بصوتٍ لطيف:
“هل أنتِ بخير؟”
رفعت المرأة رأسها.
كانت عيناها خاليتين من التركيز.
تحدثت السيدة روزيت بلطفٍ كأنها تواسي طفلًا.
“لديكِ حروق في ذراعكِ. يجب أن تتلقي العلاج. كما أن طفلكِ لا بد أنه جائع.”
وقعت نظرة السيدة روزيت على الطفل في حضنها.
كان قد نام من شدة البكاء، وعيناه منتفختان.
كانت تعلم أن الطفل يعاني، لكنها لم تستطع مساعدته.
بدت المرأة وكأنها استعادت وعيها أخيرًا.
حدقت في طفلها.
حتى الرماد العالق على خده.
“سأساعدكِ. أعطيني الطفل…”
عادت الحياة إلى عيني المرأة فجأة.
وانفجرت بالبكاء.
“لم… لم يبقَ سواه. زو… زوجي مات… جئنا جميعًا… جميعًا معًا…”
احتضنت السيدة روزيت المرأة والطفل معًا.
وانفجرت المرأة بالبكاء في حضنها.
لم يستطع أحدٌ من الموجودين أن يقول لها شيئًا.
وكأن الطفل أدرك أن أمه تبكي—
فانفجر هو أيضًا بالبكاء بصوتٍ قوي.
وكان ذلك… لحسن الحظ.
فالطفل بخير.
وأمه… أيضًا بخير….
[م.م : الصراحة؟ انقهرت وقعدت ابكي معهم… ]
التعليقات لهذا الفصل " 75"