قرّرنا التحقيق في سبب انفجار المحجر.
توجّهتُ إلى المحجر مع جايمن.
كان جايمن قد تلقّى تدريبًا على التحقيق حين كان يعمل في القصر الإمبراطوري،
أمّا أنا… حسنًا، فأنا أحبّ روايات التحري. وكنت أستمتع بمشاهدة CSI أيضًا.
[م.م: CSI هو أختصار لـ Crime Scene Investigation، أي “التحقيق في مسرح الجريمة”]
لا أعلم إن كان ذلك سيفيد، لكنّه على الأقل أفضل من إيدن الذي كان يودّعنا بوجهٍ شاحبٍ كالميت.
على الأقل نحن نستنشِق هواءً نقيًّا.
عند وصولنا إلى المحجر، انكشف أمامنا مشهدٌ مروّع.
مدخل نفقٍ منهار. صخورٌ مسوّدةٌ بالسواد.
حطامٌ متناثرٌ هنا وهناك. لحسن الحظ، كانوا قد شقّوا مسارًا التفافيًا جديدًا واستمرّ العمل في استخراج الحجارة، لكن هذا الجانب ما يزال قيد الترميم.
كان العمّال ينقلون الحجارة ويزيلون الأخشاب المنهارة في حركةٍ نشطة.
“هنا كانت نقطة الانفجار الأولى.”
أرشدنا مشرف الموقع.
على بُعد نحو خمسين مترًا داخل مدخل النفق. كان السقف قد انهار بالكامل.
انحنى جايمن يتفحّص الأرض.
“آثار السخام شديدة. لو كان انهيارًا عاديًا، لما وصل الأمر إلى هذا الحد.”
“لأنها متفجرات انفجرت.”
أجبتُه.
“المشكلة هي أيّ نوعٍ من المتفجرات.”
أومأ جايمن برأسه.
“إن كانت من البارود المخصّص للتفجير في المحجر، فلا بدّ من وجود سجلّاتٍ للإدارة. علينا التحقق.”
انتقلنا جميعًا إلى مخزن البارود. قدّم لنا مدير الموقع السجلات فورًا.
كان الدفتر منظّمًا بعناية: كميّة الوارد، والمستخدم، والمتبقي. بمثل هذا التنظيم، لم يكن من السهل تهريب البارود.
“دعني أرى…”
تفحّصتُ الأرقام. آن أوان أن يتألّق حسابي الذي صقلته في حياتي السابقة. الرياضيات؟ درستها باستمرار من الابتدائية حتى الثانوية!
الوارد ناقص المستخدم يساوي المتبقي. بديهيات.
لكن الأرقام لم تتطابق. كما توقعت. مهما أعدت الحساب ذهنيًا، لم يتوافق المتبقي.
“السيد جايمن، انظر إلى هذا.”
اقترب جايمن.
“ماذا وجدتِ؟”
“مخزون البارود غير مطابق. في السجلات المتبقي سبعة وأربعون غُنًّا، لكن المخزون الفعلي…”
سألتُ المشرف:
“كم يوجد حاليًا في المخزن؟”
تفحّص الداخل ثم قال بوجهٍ شاحب:
“ثمانية وثلاثون غُنًّا.”
[م.م : الغن هي وحدة القياس في البارود، وتقريبًا هي 1 غن= 1 كيلوغرام ]
“إذًا تسعة غُنّات مفقودة.”
تضيّقت عينا جايمن.
تسعة غُنّات. ليست كمية قليلة. تكفي لنسف نفقٍ كامل.
“إذًا هناك من هرّبها.”
حتى إنهم لم يتكلّفوا عناء إحضار بارودٍ جديد.
وقد وقعنا ضحية هذا الإهمال. المشكلة أننا لا نعرف ماذا يريدون منا.
“من يدير مخزن البارود؟”
سألتُ.
“أنا، ونائب المشرف، وأمين المخزن، نتناوب. والمفاتيح ثلاثة فقط.”
“هل هناك طريقة للدخول دون مفتاح؟”
“لا. الباب حديدي والقفل متين. إلا إن كُسر…”
“هل وُجدت آثار كسر؟”
“لا.”
“هل أُعير المفتاح مؤخرًا لأحد؟”
“مستحيل. نحرسه بأرواحنا.”
“وماذا عن الآخرين؟”
ضيّق المشرف عينيه كأنه يفكر. كما يُقال، قد تعرف عمق عشرة أذرع من الماء، لكنك لا تعرف عمق ذراعٍ من قلب إنسان.
“…أمين المخزن يحبّ الشراب، لكنّه ليس مهملًا إلى حدّ تسليم المفتاح لأيّ أحد.”
“إذًا فلنبحث عن طريقة للدخول دون مفتاح.”
أومأ المشرف.
وأثناء تفقدنا المكان، توقّف بصري عند زاويةٍ ما.
“تلك فتحة التهوية… أليست بحجمٍ يسمح بمرور شخص؟”
هزّ المشرف رأسه.
“إنها للتهوية فقط. عليها قضبان حديدية.”
“هل يمكننا التحقق؟”
تقدّمنا نحو الفتحة.
كانت القضبان مثبتة، لكن…
“السيد جايمن، هذا…”
أحد البراغي كان مرتخيًا. أدرته بيدي فانفكّ بسهولة.
“يبدو أن أحدهم عبث به مؤخرًا.”
شدّ جايمن القضبان وأزالها. ظهر الممر. ضيّق على رجلٍ بالغ، لكن… أنا ربما أستطيع المرور.
تفقد جايمن الخارج.
“هل يتصل بالخارج؟”
“نعم، إلى جهة الجبل الخلفي.”
خرجنا للتحقق من الفتحة الخارجية.
كانت مخفية بين الشجيرات. والعشب حولها منضغط، كأن أحدهم مرّ مؤخرًا. لحسن الحظ لم تمطر منذ ذلك الحين.
“إذن دخلوا وخرجوا من هنا.”
تمتم جايمن.
“كان بإمكانهم تهريب البارود دون مفتاح.”
بدأت ملامح الجاني تتضح.
شخصٌ نحيل بما يكفي للمرور، ويعرف بنية المحجر وموقع المخزن.
“علينا تفقد موقع الانفجار الثاني.”
قال جايمن.
توجهنا مجددًا داخل النفق.
الموقع الثاني. حيث دُفنتُ أنا وكريستن.
لا تزال الصخور متراكمة كجبل. وعادت إليّ ذكرى ذلك اليوم بوضوح.
أوه، توقّفي يا أنا عن التفكير.
ذلك اليوم ليس ذكرى سارّة. لا أريد صدمة نفسية.
[م.م : متأكدة ليست ذكرى سارة؟ همم]
هززت رأسي لأطرد الفكرة.
انحنى جايمن والتقط شيئًا من الأرض.
قطعة سلك وتُرسٌ صغير.
“هذا…”
“يبدو كجزءٍ من جهاز توقيت.”
تجمّد وجه جايمن.
“صُمّم بحيث ينفجر الثاني بعد مدة من الأول. لينفجر عند دخول فرق الإنقاذ.”
كان مخططًا بإحكام. لم يكن الهدف تدمير المحجر فحسب، بل استهداف من يدخل للإنقاذ. تحديدًا كريستن.
“هل كثيرون قادرون على صنع جهاز كهذا؟”
سألتُ.
“لا. يتطلب معرفة متخصصة. إمّا تدريب هندسي عسكري… أو…”
تردد قليلًا.
“أو من عصابات اللصوص أو المرتزقة.”
تبادلنا النظرات.
حان وقت البحث عن آثار المشتبه به قبل أن تمحوها الرياح.
“علينا سؤال القرى المجاورة عن أيّ شخصٍ مريب.”
“وكذلك قائمة من دخل المحجر يوم الانفجار.”
أومأ جايمن.
خرجنا من النفق.
وأثناء مرورنا بين العمّال، لفت نظري أحدهم.
“لحظة.”
توقفت.
“ذلك الرجل، هل كان يعمل هنا يوم الانفجار؟”
وجهٌ مألوف وغريب في آنٍ واحد.
هزّ المشرف رأسه.
“لا. جاء حديثًا لأعمال الترميم.”
“فهمت.”
قد يبدو الأمر عاديًا، لكن شعورًا بالريبة تسلّل إليّ. أحيانًا القطع الصغيرة تقود إلى الحل.
“متى نحصل على قائمة الدخول؟”
“سأرسلها هذا المساء.”
“شكرًا.”
وأثناء مغادرتنا، قال جايمن:
“لنلخّص صفات الجاني.”
عدّدت على أصابعي:
“أولًا، نحيل بما يكفي للمرور من فتحة التهوية. ثانيًا، يعرف بنية المحجر وموقع مخزن البارود. ثالثًا، يمتلك مهارة صنع جهاز توقيت.”
“رابعًا، لديه دافع لاستهداف سموكَ وليّ العهد.”
أضاف جايمن.
الدافع…
من قد يرغب بإيذاء كريستن؟
في الحقيقة، الجواب لم يكن صعبًا.
من غير رينترو؟
التعليقات لهذا الفصل " 69"