“ها…”
اندفع نَفَسٌ ساخنٌ من بين شفتيه.
وحين هممتُ بالابتعاد فزعًا، أمسك كريستن بيدي، ثم أسند وجهه إلى راحتي.
وعاد يُطبق شفتيه على شفتيّ، كأنّه يلهث وراء ماء الحياة.
تحوّل هذا إلى إحساسٍ عارمٍ. وبدأت طاقته السحريّة تنساب عبر جسدي بوتيرةٍ أسرع.
تغلغلت يده الكبيرة في مؤخرة رأسي، وأمسك بشعري بقبضةٍ قويّةٍ دون أن يؤلمني.
ضاق نفسي فدفعته بعيدًا. لكنّه قبّل اليد التي كانت تدفع وجهه.
كان في نظرته شدّةٌ تكاد تطغى عليّ. خفّت الأوردة البارزة على خدّه، وعادت حدقتاه إلى حالهما الطبيعيّة.
ناداني بصوتٍ منخفض.
“الآنسة رويلا. هل أنتِ بخير؟”
أومأتُ برأسي. ومسح خدي بلمسةٍ مهذّبةٍ حانية، لمسةٍ تُنسي المرء أيّ ظرفٍ هو فيه.
ضغط إبهامه على شفتي السفلى، فانفرجت شفتاي دون وعي.
كانت نظرته المثابرة إلى تلك الفُرجة تجعل أطراف أصابعي تنقبض.
“إذًا… مرّةً واحدةً أخرى.”
أغمضتُ عيني بإحكام، وفي اللحظة التالية تداخلت شفاهنا من جديد.
في تلك الأثناء،
عمّت الفوضى أرض المحجر.
فقد وقع انفجارٌ ثانٍ أدّى إلى انهيار النفق بالكامل.
ارتفعت سحابةٌ كثيفةٌ من الغبار إلى السماء، وحين انقشعت، بدا مدخل النفق مطمورًا تحت أكوامٍ من الصخور.
“سموّك!”
اندفع إيدن، الذي كان قد وصل إلى المقلع، نحو النفق المنهار.
“سموّك! الآنسة رويلا!”
لكن لم يجبه أحد مهما صرخ. وكان تشايس يحدّق في الركام شاردًا، وقلبه يهبط هبوطًا مروّعًا.
“لا…”
تمتم دون وعي.
رويلا هناك… تحت ذلك الركام المرعب. ومجرّد استحضار الفكرة كان يخنقه.
صرخ إيدن بصوتٍ حادّ.
“فرقة الإنقاذ! أحضروا حالًا كلَّ من يستطيع إزاحة الحجارة!”
وصاح جايمن كذلك.
“اتركوا أقلّ عددٍ ممكنٍ هنا، والبقيّة جميعًا إلى هناك!”
لم يبقَ ما ينهار بعد الآن. اندفع الناس كالمجانين يرفعون الصخور. بل إنّ بعضهم حمل الحجارة بيديه العاريتين.
لكن حجم الانهيار كان هائلًا، واليد وحدها لها حدود.
ظلّ تشايس يحدّق في المشهد.
‘أماتت؟’
خطرت الفكرة في ذهنه.
وفي اللحظة نفسها شعر وكأنّ شيئًا سقط في صدره سقوطًا مدوّيًا.
اختنق نَفَسُه، وبردت أطراف أصابعه.
لقد رأى الموت مراتٍ لا تُحصى، فحياة الإنسان عنده هشّةٌ وعنيدةٌ في آن، والموت شائعٌ كالحصى تحت الأقدام. لكنّه لم يشعر بمثل هذا الشعور قطّ.
وضع يده على صدره.
“تنحّوا.”
خرجت الكلمة من فمه دون قصد.
التفت إيدن إليه.
“صاحب السموّ الأمير؟”
رفع تشايس كمَّيه.
“ليست لديّ طاقةٌ سحريّة، لكن لديّ يدان.”
لم يفهم نفسه. لم يفعل مثل هذا طوعًا من قبل. هو أمير، اعتاد إصدار الأوامر لا تحريك جسده.
لكن جسده تحرّك قبل عقله.
تكسّرت أظافره، وتمزّقت راحتاه، وسال الدم، ولم يشعر بالألم.
‘رويلا.’
كان الاسم وحده يدور في رأسه.
لماذا يقلق إلى هذا الحدّ؟ لماذا يضيق صدره هكذا؟ لماذا ترتجف يداه؟ لماذا… يخاف؟
شدّ على أسنانه.
“هنا! هنا مدخلٌ!”
صاح أحد الفرسان.
أسرع تشايس نحو الموضع. كانت هناك فجوةٌ صغيرة بين الصخور.
“سموّك! الآنسة رويلا! إن كنتم تسمعون، أجيبوا!”
لكن لم يصلهم ردّ.
توقّفت يد تشايس.
أحقًّا؟
هل ماتت؟
ومع ذلك لم يستسلم أحد. عادوا يرفعون الصخور بلا توقّف، وشاركهم تشايس بنفسه.
سقطت أظافره وسال الدم، ولم يشعر بشيء.
‘أرجوكِ.’
كان في أعماقه شيءٌ يهتزّ بعنف، مشاعر تتلاطم وتطفو إلى السطح. شعورٌ لا يمكن إنكاره.
كان يعرف ماهيّته.
إنّه… يحبّها.
ولا يدري منذ متى.
ابتسم بسخريةٍ مريرة. يا لها من مصادفةٍ بائسة، إنّه حبٌّ من طرفٍ واحد. وكأنّه رُفض حتى قبل أن يعترف.
‘الأسوأ حقًّا.’
* * *
“أحم.”
جاء صوتٌ من الأسفل، ففزعتُ ودفعتُ كريستن بسرعة.
“…لعلّه من سوء حظّي أنّني ما زلتُ حيًّا.”
“لا، ليس كذلك!”
ابتعدتُ على عجل، فاصطدم رأسي بالسقف المنخفض.
بالكاد كان هناك حيّزٌ للحركة. عندها فقط عدتُ إلى رشدي، فسعلتُ وتحرّكتُ بارتباك.
مدّ كريستن يده، فانبثق وهجٌ أزرق خافت، وأضاء المكان قليلًا. كانت الصخور تحيط بنا من كلّ جانب.
وبفضل وهجه تبيّن أنّ هواءً خافتًا يتسرّب من بين الشقوق. لم نكن في عزلةٍ تامّة، وهذه علامةٌ طيّبة.
“الهواء يدخل من هناك. لسنا محاصرين بالكامل.”
“لابدّ أنّهم يحفرون من الخارج. سيصل أحدهم.”
لم يكن بوسعه تحطيم الصخور من الداخل، إذ كان يركّز وهجه ليحمينا. يبدو أنّنا سنبقى هنا بعض الوقت. ألن يتخلّوا عنّا؟ ضممتُ ركبتيّ إلى صدري.
لم يكن في الظلام سوى ضوء وهجه الخافت.
‘إنّه بارد.’
ربّما لأنّنا تحت الأرض، كان الهواء قارصًا، فارتجف جسدي. تردّد قليلًا، ثم أحاط كتفاي بذراعهِ.
كانت عيناه الزرقاوان تلمعان حتى في هذا الظلام.
“سنخرج حتمًا.”
وجدتُ في كلماته عزاءً، لأنّ قائلها هو كريستن بحرارته ونوره. أومأتُ وأنا بين ذراعيه.
وفي داخل النفق.
كم مضى من الوقت؟
في الظلام يفقد المرء إحساسه بالزمن. شعرتُ بأنّ الهواء يزداد ثقلًا، وصار التنفّس أصعب. واشتدّ سعال العامل.
شدَدتُ على يد كريستن أكثر.
كنتُ أستمدّ الصمود من دفئه.
دقّ.
دقّ.
دقّ.
فجأةً جاء صوتٌ من بعيد.
أنصتُّ.
دقّ… دقّ… دقّ…
كان صوت إزالة الصخور.
“أهناك أحد؟ سموّك! الآنسة رويلا!”
“كريستن!”
ابتسم كريستن، رغم الإرهاق الذي يعلو وجهه. كان في عينيه أمل.
كانوا ينادوننا مرارًا. هذا صوت إيدن بلا شكّ. خافت، لكن واضح.
“نحن هنا!”
صرختُ بأقصى ما أستطيع، لكن الصوت تردّد في النفق ثم خبا.
يبدو أنّ الصراخ لا يكفي. نظرتُ حولي، ثم أمسكتُ حجرًا وضربتُ به الصخرة.
طَرقًا بعد طرق، علّ الصوت يصل إليهم.
“يبدو أنّهم هناك! نسمع إشارة!”
تعالت هتافاتٌ من الخارج. أطلقتُ زفرةَ ارتياح.
نحن أحياء. ويمكننا أن نعيش.
لم يتخلَّ أحدٌ عنّا.
التعليقات لهذا الفصل " 67"