“انتبهي وأنتِ تمشين.”
قال كريستن بصوتٍ منخفض.
الحرارة والعنف الكامن في قوّته السحرية اللذان انتقلا إليّ عبر يده جعلا جسدي يرتجف.
كان الشعور أشبه بتيارٍ كهربائي يسري في العروق.
غريب. أمعقولٌ أن يكون الأمر بهذه الحدّة؟ والآن بعدما فكّرتُ في الأمر، يبدو أنّ إليشا لم تظهر منذ فترة.
كان ظهره أمامي مباشرة. ومع تكيّف عينيَّ مع الظلام، بدأتُ أميّز ما حولي شيئًا فشيئًا.
أصبح النفق أضيق تدريجيًّا. وانخفض السقف حتى اضطررنا إلى إحناء رؤوسنا.
استدار كريستن خلفه مرارًا. وبما أنّه كان يمسك بيدي، بدا لون وجهه أفضل بكثير.
“أعلم أنّ هذا السؤال ليس مناسبًا الآن، يا صاحب السمو.”
“تكلّمي.”
“لم أرَ إليشا كثيرًا هذه الأيام، هل ذهبت إلى مكانٍ ما؟”
في الحقيقة، لم تكن علاقة إليشا بكريستن أمرًا يعنيني.
كنتُ طرفًا ثالثًا، والحبّ شأنٌ بين شخصين.
وحتى إن لم تشتعل بينهما شرارة العاطفة، فما شأني بذلك؟
لكن امتناع إليشا عن علاج إدمان كريستن على السحر كان أمرًا يخصّني أيضًا.
فذلك سيؤثّر كثيرًا في رفاه الشمال.
“……قالت إنّها تريد الراحة. وبما أنّ صحّتها لا تبدو جيّدة، سمحتُ لها بذلك.”
ماذا؟
“إذًا، منذ كم يومًا لم تتلقَّ العلاج؟”
سألتُ بصوتٍ حاد، فرفرف كريستن بعينيه ببطء.
“ثلاثة أيّام.”
“ماذا؟”
“ولحسن الحظ، بما أنّكِ بجانبي، لم تظهر أعراضٌ تُذكر.”
حتى الآن، على الأقل. لهذا السبب إذًا تفاقمت الأعراض لمجرّد أنّه بذل قليلًا من القوّة اليوم!
إليشا، أهذا إهمالٌ في العمل؟ أصلًا وأنا أراقبها هذه الأيام لأنّ لديّ شعورًا سيّئًا تجاهها!
وبينما كنتُ أعضّ على أسناني، سمعنا من عمق النفق أنينًا خافتًا. كان كريستن على حق. ثمّة شخصٌ آخر عالقٌ تحت الأنقاض.
“أوووه…… أنقذوني…….”
كدتُ أندفع غريزيًّا إلى الأمام، لكن كريستن أمسك بذراعي.
“احذري. الأرض غير مستقرة.”
وكما قال، كانت الأرض متشقّقة. لو أخطأتُ خطوةً واحدة لكنتُ سقطت.
“……شكرًا لك.”
تقدّم كريستن بحذر، وسرتُ خلف آثار خطواته.
بعد أن كدتُ أتعثر سابقًا، صرتُ أطيعه تلقائيًّا.
أخيرًا وصلنا إلى مصدر الصوت. كان علينا إزاحة الصخور واحدةً تلو الأخرى، لذا كان التقدّم بطيئًا.
كان أحد عمّال المناجم عالقًا بين الصخور. رجلٌ في منتصف العمر. وجهه مغطّى بالدم، لكن عينيه مفتوحتان، ما يعني أنّه لا يزال واعيًا.
“يا للحسن الحظ.”
تنفّس كريستن الصعداء.
نظر العامل إلينا واغرورقت عيناه بالدموع.
“يا…… يا صاحب السمو الدوق الأكبر…….”
“لا تتكلّم. عليك أن توفّر طاقتك.”
كان النصف السفلي من جسده مسحوقًا تحت الصخور ولا يستطيع الحركة.
أذكر أنّني قرأتُ من قبل أنّ إزالة الصخور بشكلٍ خاطئ في مثل هذه الحالات قد تؤدّي إلى صدمةٍ قاتلة. عضضتُ شفتي بقوّة.
لكن لا يمكننا تركه هكذا.
وفي الوقت نفسه، لا نستطيع إدخال الطاقم الطبي إلى هنا.
فتّشتُ الحقيبة التي أحضرتها. حين أخبرتهم أنّني سأدخل، زوّدني الأطباء ببعض الأشياء.
“هذا مسكّن للألم! فقط اغرزي الإبرة في أيّ مكان!”
“وهذا مضادّ للالتهاب! اجعليه يمضغه ويبتلعه دون ماء!”
“وهذا…….”
وجدتُ دواءً مناسبًا لمثل هذه الحالة. أخرجتُ قربة الماء وأذبتُ الدواء في ملعقة.
“افتح فمك، سأعطيك الدواء.”
فتح العامل فمه مطيعًا. وما إن سكبتُ الدواء داخله حتى—
“كح! سعال! طعمه مرّ… مرّ جدًّا!”
“اعتبره إكسيرًا سينقذ حياتك. سيتحمّل لسانك ذلك.”
أعطيته بقيّة الدواء جرعةً جرعة. وخلال ذلك، بدا أنّ كريستن أنهى تفحّص الصخور.
“يبدو أنّ إزالة هذه الصخرة وحدها ستكون كافية.”
مدّ كريستن يده، فأحاط وهجٌ أزرق بالصخرة.
“احذر، الصخور المحيطة غير مستقرة.”
قلتُ ذلك وأنا أراقب حالة العامل. أومأ كريستن، وبدأ وهجه يتسلّل إلى شقوق الصخرة.
تكوّن العرق على جبينه. كان قد استهلك قدرًا كبيرًا من طاقته بالفعل.
ومع صوت الطقطقة، راقبتُ الأوردة الداكنة التي برزت على خدّه.
هذا خطير. قد يفقد السيطرة في أيّ لحظة.
بدا أنّ حدقتيه انقبضتا عموديًّا، ووسط طاقتهِ الزرقاء لمع بريقٌ ذهبي.
“أرجوك… قليلٌ فقط.”
تمنّيتُ أن يصمد قليلًا. إن تدخّلتُ الآن فقد أجعل الوضع أسوأ. وبدأت الصخرة تتفتّت تدريجيًّا.
ضممتُ يديّ دون وعي. وفجأة—
دوّيٌّ هائل!
اهتزّت الأرض تحت أقدامنا، وتساقطت بقايا الصخور من السقف. التفت كريستن إليّ، بينما انحنيتُ أحمي العامل بجسدي.
“آه!”
اهتزّ النفق بأسره، وبدأت الصخور تتساقط.
أصابني حجرٌ في ظهري فسقط أنينٌ من شفتي، وفي اللحظة نفسها رأيتُ من بعيد انفجارًا ونيرانًا حمراء تندفع نحونا.
اجتاحت الحرارة المكان، وكأنّ العالم انقلب رأسًا على عقب.
ومع صرخة العامل، أحاط وهج كريستن الأزرق بنا كقبّة.
كان يضغط على أسنانه ويصمد. إذًا يمكن استخدام الوهج بهذه الطريقة أيضًا.
كم مرّ من الوقت؟ ثانية؟ عشرُ ثواني؟ دقيقة؟
فقدتُ الإحساس بالزمن.
أخيرًا توقّف الدويّ.
لكنّ الظلام الدامس ابتلع المكان. لم يبقَ سوى أنين العامل ليؤكّد أنّنا ما زلنا أحياء.
وفجأة دار بصري. كان مؤخر رأسي، حيث ضُربتُ بالحجر، رطبًا.
“آه…… يا صاحب السمو الدوق الأكبر.”
“الآنسة رويلا.”
“أنا… فقط… سأرتاح قليلًا.”
وسقطتُ فوق العامل.
حين استعدتُ وعيي، كان الظلام حالكًا كالحبر.
“……آه…….”
لم أرَ شيئًا. سواء فتحتُ عينيّ أم أغمضتهما، لا فرق.
“هـ-هل أنتِ بخير؟”
سمعتُ صوت العامل، فرفرفتُ بعينيّ ببطء ورفعتُ رأسي. ما زال كريستن ووهجه يغطّياننا كالمظلّة.
“الآنسة رويلا. هل عدتِ إلى وعيكِ؟”
“……نعم، أنا بخير.”
وحين حاولتُ الإجابة، داهمني السعال. كان الغبار يخنق حلقي. سألني كريستن بصوتٍ منخفض.
“هل أُصبتِ في مكانٍ ما؟ رأسكِ؟ أطرافكِ؟”
“أنا بخير. حقًّا.”
وفي تلك اللحظة، التقت عينانا.
لقد انفتحت عيناه تمامًا، وتكثّف فيهما وهجٌ ذهبي.
كانت الأوردة المنتفخة في وجهه ترتعش بشكلٍ مخيف، وكأنّ ما يجري فيها ليس دمًا بل طاقة تنين.
وحين أنصتُّ جيّدًا، امتزج بصوته خريرٌ أشبه بالهدير.
إنّها بوادر فقدان السيطرة.
“يا صاحب السمو الدوق الأكبر.”
مددتُ يديّ وأمسكتُ وجنتيه. لم يكن التحرّك سهلًا في هذا الحيّز الضيّق، لكن كان عليّ أن أفعل شيئًا.
إن فقد السيطرة هنا، سنموت جميعًا.
أسندتُ جبيني إلى جبينه.
“يا صاحب السمو، هل تسمع صوتي؟”
كانت تفوح منه رائحة لهبٍ كثيف. التقت أعيننا، وشعرتُ بالأوردة النابضة تحت راحتيّ.
“……أسمعهُ.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتة.
“حسنًا، ببطء. تنفّس معي. ثم وجّه طاقتكَ نحوي.”
لمستُ زاوية عينه برفق. اندفعت القوّة العنيفة عبر أصابعي إلى عروقي. كان يتحمّل كلّ هذا وحده.
كنتُ منشغلةً بحالته لدرجة أنّني لم أدرك كم نحن قريبان من بعضنا. لكن يبدو أنّه أدرك ذلك.
“رويلا.”
“نعم، يا صاحب السمو.”
ناداني كزفرةٍ خافتة. ثم انحنى قليلًا.
وفي اللحظة التي تلامست فيها وجوهنا المائلة—
تلامست شفاهنا.
التعليقات لهذا الفصل " 66"