هذا نبيذٌ سيجده لذيذًا حتّى مَن لا يعرفُ شيئًا عن النبيذ.
كان ينسابُ بسلاسةٍ في الحلق.
اصطدمَ كأسي بكأسِ كريستن، ودوَّى صوتٌ رنَّان.
ارتشفتُ رشفةً أخرى.
هذه المرَّة كان الطعمُ أعمقَ وأحلى.
“إنَّه شهيٌّ جدًّا.”
“يسعدني سماعُ ذلك.”
طعامُ القصرِ الدوقيِّ لذيذٌ دائمًا، لكنَّ اهتمامَ اليوم كان واضحًا.
لقد أعدَّ كريستن وليمةً خاصَّةً لي.
مكافأةً على عملي الدؤوب!
فالطعامُ الشهيُّ يُغذِّي الروحَ أيضًا.
تحسَّن مزاجي كثيرًا.
“كُلي كثيرًا.”
قال كريستن.
“كنتِ مشغولةً جدًّا في الآونةِ الأخيرة، ولم تأكلي جيِّدًا.”
“…وأنتَ أيضًا، صاحبَ السموّ.”
توقَّفَ كريستن.
“لستُ الوحيدةَ المشغولة. تفضَّل وتناولْ المزيد.”
لانَت نظرتُه.
“لقد تغيَّرَ الشمالُ كثيرًا.”
“عفوًا؟”
“منذُ أن أتيتِ.مشروعُ المحاجر، محرقةُ النفايات، تنظيمُ شبكاتِ المياه… كلُّ ذلك بفضلِكِ.”
“لا، ليس كذلك.”
لوَّحتُ بيدي. التواضعُ المعتدلُ من فضائلِ الموظَّفين.
“لو لم تكوني هنا، لما خطرَ ذلك على بالي أصلًا.
ولهذا…”
توقَّفَ كريستن لحظةً. كان على وشكِ قولِ أمرٍ مهمّ.
وضعتُ أدواتِ الطعام ونظرتُ إليه، فتنحنحَ وتحدَّثَ بصوتٍ منخفض.
كانت عيناه تحتَ ضوءِ الشموع عميقتين، موجَّهتَين نحوي.
“من الآن فصاعدًا… هل ستبقينَ إلى جانبي؟”
خفقَ قلبي بقوَّة. لا بدَّ أنَّ الشموعَ والوقتَ وهذا الجوَّ صنعوا سحرًا ما.
“إنَّني بحاجةٍ إليكِ، يا رويلا.”
كان كريستن ينظرُ إليَّ مباشرةً. كانت نظرةً صادقة.
مختلفةً عن عرضِ الأميرِ تشايس.
كانت حدقتاه ترتجفان ارتجافًا خفيفًا، وكأنَّه متوتِّر.
“من أجلِ الشمال. و…”
حبستُ أنفاسي وانتظرتُ الكلمةَ التالية.
كنتُ أعرفُ ما سيقوله، ولسببٍ ما كنتُ أنتظرُه.
“…ومن أجلي أيضًا.”
بدأ قلبي يخفقُ بقوَّة، مرَّةً بعد مرَّة.
حتى رأسي بدا وكأنَّه ينبض.
على الأرجح هذا هو المعنى الحرفيُّ.
فقد أثبتُّ بالفعل قيمتي لديه.
لكن رغبتي في سماعِ هذا الكلامِ على نحوٍ خاصٍّ، وتفسيرِه بشكلٍ خاصٍّ، هي مشيئتي أنا.
“آنسة رويلا؟”
“آه، نعم!”
أفقتُ على صوته.
“أعلمُ أنَّ الأميرَ تشايس عرضَ عليكِ الانتقالَ إلى العاصمة الإمبراطوريَّة.
لكن إن رغبتِ، يمكنني أن أقدِّمَ لكِ كلَّ ما وعدَكِ به الأمير.”
كان كريستن جادًّا للغاية. سعلَ بخفَّةٍ وأضاف.
“وأيضًا.”
بدأتُ أتطلَّعُ لما سيقوله.
“أنا… أكثرُ وسامةً من الأمير، أليس كذلك؟
قال إيدن إنَّ هذا يُعدُّ ميزةً أيضًا، لكنَّني لستُ متأكِّدًا.”
“فِه.”
ضحكتُ دون قصد.
كان كريستن يحكُّ خدَّه بإحراج.
وبالفعل، كان يشبهُ بطلَ الرواية.
وسيمٌ جدًّا.
أليسوا يقولون إنَّ الإقتناع بكل ما يجري في الرواياتِ بسبب وجهِ البطل؟
كريستن مثالٌ حيّ.
راحةُ العينين في الشمالِ هي الأفضل، بلا شكّ.
“أنا أيضًا أحبُّ الشمال. القصرَ الدوقيَّ، والناس، و…”
ابتلعتُ الكلماتِ التي لم أستطع قولَها.
‘وأنتَ أيضًا، صاحبَ السموّ.’
شعرتُ بالخجل.
“هذا مُطمئِن.”
ابتسمَ كريستن. كانت ابتسامةً أكثرَ إشراقًا من المعتاد.
وتسلَّلَ إلى الجوِّ شعورٌ غريبٌ بالنبضِ والارتياح.
هل هو وهمُ الشموع؟ أم سحرٌ صنعه هو؟
مهما يكن، كان الطعامُ ألذَّ من أيِّ وقتٍ مضى.
[م.م : في الحقيقة كانت عندي رغبة احول النبيذ إلى عصير حتى لو ادري انكم رح تعرفون أنه نبيذ، لكن كنوع من الطرفة.. لكن خفت يفسد جو القراءة لذا خليته كما هو]
التعليقات لهذا الفصل " 62"