“سمعتُ قصةً ممتعة في صالة القمار. قالوا إنّ شخصًا كان يتجوّل عند الفجر قرب البئر وهو يحمل كيسًا مليئًا بالفئران.”
“……”
“ثم قيل إنّه اتّجه نحو قصر الدوق الأكبر. ولم يكن ضخم البنية.”
تفحّص رينترو إليشا من أعلى إلى أسفل.
“أنتِ، أليس كذلك؟”
اهتزّت عينا إليشا، ولمح في لحظةٍ بريقَ نيّةٍ قاتلة.
“……هل لديكَ دليل؟”
أجاب رينترو بتراخٍ.
“وهل نحتاج إلى دليل؟ لكن ألا ترين أنّها ستكون هديّةً ممتازة للدوق الأكبر؟ أظنّ أنّ كريستن سيمنحني شيئًا مقابل هذه المعلومة. ما رأيكِ؟”
لمع بريقٌ حادّ في عيني إليشا.
“هل تهدّدني؟”
“تهديد؟”
ضحك رينترو بخفّة.
“يا لكِ من مُبالِغة. أنا أعرض صفقةً لا أكثر.”
“……صفقة؟”
“سأجعلكِ دوقةً كبرى.”
اتّسعت عينا إليشا دهشةً.
“الأمور الكبيرة لها ثمنٌ كبير. على أيّ حال، يبدو أنّ كريستن واقعٌ حتّى أذنيه في حبّ رويلا، فما حاجته إلى صاحبة التوافق أصلًا؟ أمثال هؤلاء لا يرون غير ما أمام أعينهم.”
تشوّهت ملامح إليشا.
“لكن هناك طريقة. ماذا لو نزل كريستن عن منصب الدوق الأكبر؟”
“……ماذا تقصد؟”
“الأمر بسيط.”
مدّ رينترو أصابعه واحدًا تلو الآخر.
“نُسقط كريستن، وأتولّى أنا منصب الدوق الأكبر. وأنا أجعلكِ الدوقة الكبرى.”
سخرت إليشا باستخفاف. بدا حلم رينترو سخيفًا.
ومع ذلك، اهتزّ قلبها للحظة.
ما رأته إليشا كان مستقبلًا تصبح فيه دوقةً كبرى. ومن يجلس إلى جانبها؟ ما الفرق. المهمّ الوصول إلى الهدف.
مرّرت إليشا لسانها على شفتيها. وكما قال رينترو، كريستن لا يرى سوا رويلا.
مدّ رينترو يده نحو إليشا.
“حين أصبح الدوق الأكبر، ستصبحين دوقة الشمال الحقيقيّة.”
في الوقت الحالي، رويلا أخذت كلّ شيء.
ثقة الدوق، نظرته، قلبه. أمّا هي فلم تكن سوى دمية تضع يدها على ظهره. لا حديث، لا شيء.
كرهت الاعتراف بذلك، لكن كلام رينترو كان صحيحًا.
“……هل يمكن الوثوق بكَ؟”
ابتسم رينترو.
“نحن نمسك نقاط ضعف بعضنا. أنا أعرف أنّكِ من نشرتِ الوباء، وأنتِ تعرفين أنّني أطمع بمنصب الدوق الأكبر. إن خان أحدنا الآخر، نهلك معًا. أليس هذا أوثق ضمان؟”
عضّت إليشا على شفتيها.
“أعطني وقتًا لأفكّر.”
قالت إليشا بصوتٍ مكبوت.
كانت تنظر إلى رينترو وهو يبتسم بتراخٍ، ولا تعرف لماذا كان قلبها يخفق بألم.
مرّت أيّام.
تبدّد الخوف من الوباء، وبدأ قصر الدوق الأكبر يستعيد حياته اليوميّة.
ومع عودة السيّدة روزيت، عدتُ أنا أيضًا إلى عملي الأصلي.
صحيح أنّ راتب عملين كان مغريًا، لكن إدارة القصر بأكمله كانت مرهقةً فعلًا.
لكلّ إنسانٍ مكانه في النهاية.
كنتُ أُصارع كومةً من الوثائق في مكتب كريستن.
الأعمال المتراكمة بسبب الوباء كانت كالجبل. تقارير الأضرار، قوائم الوفيّات، تقدير تعويضات العائلات… لا نهاية لها.
وبقدر ما ازداد السواد تحت عينيّ، ازداد أيضًا تحت عيني إيدن.
كنّا نتحوّل إلى دبّين باندا. وحده كريستن، الذي يسهر معنا، كان يبدو نضرًا كعادته.
هل هذا تأثير البطل؟
“هوو.”
تمدّدتُ قليلًا ثم لمحتُ إليشا بطرف عيني.
الوجه الحقيقي الذي رأيته تلك الليلة لم يترك أيّ أثر.
هل كنتُ أتوهّم؟ لعقتُ شفتي.
إليشا لم تكن تفعل شيئًا يُذكر سوى البقاء إلى جانب كريستن. كانت تخرج أحيانًا للتنزّه، لكن لا أكثر.
هل بالغتُ في الشكّ؟
بدأ تردّدي يتسلّل إليّ، وفي تلك اللحظة…
طَرَقَ طَرْقٌ خفيف، ثم فُتح الباب.
“يبدو أنّكم مشغولون.”
دخل الأمير تشايس بخطواتٍ هادئة. نهضتُ أنا وإيدن فورًا وانحنينا.
“آنسة رويلا، مرّ وقتٌ طويل.”
جلس تشايس على الأريكة بابتسامة، مشيرًا بيده.
“كريستن، يبدو أنّك مشغول.”
“إن كان لديكَ أمر، فتفضّل.”
“قاسٍ كالعادة.”
ضحك تشايس بخفّة. وقفنا جانبًا نراقب حديثهما.
“سأدخل في صلب الموضوع.”
قال تشايس وهو يعقد ساقيه.
“أقصد علاج فارس الموت. أودّ أن تشاركوا الوصفة مع القصر الإمبراطوري.”
لم يكن مجرّد معرفة المكوّنات كافيًا لصنع الدواء.
نحن أنفسنا عانينا من تحديد النِسَب.
ولم نستطع استخدامه عشوائيًّا، فاختبرناه على متطوّعين.
ولحسن الحظّ وجدنا النسبة المناسبة وأنقذنا الناس.
“……”
“لا تسيء الفهم. لستُ هنا لانتزاعه. هذا للصالح العام. المرض لا يقتصر على الشمال، أليس كذلك؟ من أجل الإمبراطوريّة.”
هزّ تشايس كتفيه.
كلامه بدا منطقيًّا، لكنّي عضضتُ شفتي سرًّا.
‘……أليس هذا ابتزازًا؟’
هذا العلاج صُنع بدموع الشمال وتعبه. بل هو حصيلة معرفتي، ونبتة الربيع من عائلة جايمن، وموارد القصر.
أفهم فكرة الصالح العام، لكن ليس هكذا. هل يظنّ أنّ الحقوق تُؤكل مجّانًا؟
كان وجه كريستن جامدًا. لم أستطع قراءة أفكاره.
“بالطبع، سيكون هناك تعويضٌ مناسب. جلالة الإمبراطور مهتمّ أيضًا. هل تحتاج وقتًا للتفكير؟”
أجاب كريستن بصوتٍ منخفض.
“لم أصنعه بنفسي، لذا أحتاج وقتًا للنقاش.”
في تلك اللحظة، توجّه نظر تشايس مباشرةً إليّ.
“صحيح. مسألة مهمّة. خذ وقتك.”
“شكرًا لكَ، سموكَ.”
“آه، وبالمناسبة.”
ابتسم تشايس ابتسامةً عريضة، وما زال ينظر إليّ.
“آنسة رويلا. اقتراحي السابق ما زال قائمًا. إن غيّرتِ رأيكِ، أخبريني متى شئتِ.”
“……كلامكَ يُشرّفني، سموكَ. لكن لا يزال لديّ الكثير لأفعله هنا.”
“حقًّا؟ مؤسف.”
ابتسم تشايس واتّجه نحو الباب. وعندما مرّ بجانبي، همس:
“فكّري بالأمر جيّدًا.”
تنفّستُ بعمق. ما قصّته؟
خرج تشايس وأُغلق الباب.
ساد صمتٌ قصير. وقبل أن أتكلّم، فتح كريستن فاه موجّهًا نظره إليّ.
“ما رأيكِ؟”
تحدّثتُ بحذر.
“سموكَ، هل تأذنُ لي بإبداء رأيي؟”
أومأ كريستن.
“العلاج أصلٌ ثمين يملكه الشمال حاليًّا. سياسيًّا، سيمنحنا تفوّقًا واضحًا.”
تابعتُ:
“أفهم منطق الصالح العام، لكن إن انتقلت الوصفة إلى القصر الإمبراطوري، سيفقد الشمال قوّة التفاوض. إن تولّت الإمبراطوريّة الإنتاج والتوزيع، سيذهب كلّ الفضل إليها، ولن يبقى للشمال سوى قشرةٍ فارغة.”
“هذا رأيي أيضًا.”
قال كريستن وهو يسند ذقنه.
“لا أنوي تسليمه. لكن الرفض المباشر سيخلق احتكاكًا مع القصر الإمبراطوري. للأسف، الحجّة هذه المرّة في صالحهم.”
أي أنّ الجميع سيصفّق للإمبراطوريّة.
أمرٌ بديهي.
في الخارج، أمام باب المكتب.
كان تشايس متّكئًا إلى الجدار.
كان الباب سميكًا، والصوت بالكاد يُسمع، لكن صوت رويلا كان واضحًا على نحوٍ خاصّ.
مرّر تشايس إبهامه على شفتيه.
“……ماذا لو تولّى الشمال الإنتاج؟”
“……ماذا؟”
“نعم، سموكَ. أمّا التوزيع، فيكون من نصيب القصر الإمبراطوري.”
ابتلع تشايس ضحكةً خفيّة.
“نأخذ دفعةً مقدّمة من الإمبراطوريّة، وبعدها يصبح ما يفعلونه شأنهم، أليس كذلك؟”
“تقصدين…”
“نُلقي دور الشرّ عليهم. سواء وزّعوه مجّانًا أو باعوه، القرار لهم.”
عند هذا الحدّ، غطّى تشايس فمه بظهر يده.
“كخ.”
كما توقّع.
رويلا لا تُخيّب أمله أبدًا.
✧───── ⋆⋅☆⋅⋆ ─────✧
ستجدون الفصول دومًا متقدمةً لهذهِ الرواية في واتباد وقناة الملفات،
حَسابي واتباد : _1Mariana1
( حسابي السابق قد حُذف)
وستجدون الروابط، لحسابي واتباد، وقناة الملفات في أول تعليق~ ❀
التعليقات لهذا الفصل " 60"