سألَ كريستن بصوتٍ عميقٍ كصدى كهفٍ.
[م.م : تذكرت سالفة اسمك والرئيس التنفيذي]
“……مطبعة؟ هل يكفي ذلك؟”
“نعم، يا صاحبَ السموّ!”
“احصلي على عنوانِ المطبعةِ من السيدةِ روزِيت، واذهبي هناك. وأخبريهم أنَّ الدفعَ سيكون باسمِ عائلةِ الدوقِ الأكبر. وإن كان هناك ما تحتاجينه أيضًا، فمن الأفضل شراؤه دفعةً واحدةً في هذه الفرصة.”
قالَ كريستن بسخاءٍ واضح.
“هل هذه هي المتطلبات؟”
“نعم، يا صاحبَ السموّ!”
أومأتُ برأسي.
تنفّسَ كريستن الصعداء ولوّح بيده.
كانَ ذلك إشارةً إلى أنني أستطيع المغادرة الآن.
أمسكتُ بصدري الذي يخفق بعنف، وخرجتُ مسرعةً من المكتب.
كانَ إيدن يتسكّع بعيدًا بعدما دفعني إلى ذلك المكان المخيف، وما إن رآني حتى أسرع نحوي.
يا له من إنسانٍ سيّئ.
حدّقتُ فيه، فابتسم ابتسامةً محرجة.
“هاهاها…… إذًا، هل حصلتِ على ما أردتِ؟”
“نعم! لقد وافقَ بسخاءٍ شديد!”
“يا له من خبرٍ سارّ. إذًا، أتمنى لكِ يومًا موفقًا، آنسةَ رويلا. أنا دوامي على وشك الانتهاء.”
ابتسمَ إيدن ابتسامةً أنيقة وهو يودّعني.
انتهاء الدوام؟ آه، كم أنا أغبطه.
حين فكّرتُ بالأمر، أدركتُ أنَّ إيدن لا يضطرّ لمواجهةِ كريستن الغاضب بعد الدوام.
أمّا أنا……
فبعد انتهاء الدوام، عليَّ أن أعود للعمل مجددًا.
وفوقَ ذلك، عليَّ أن أكون وحدي معه في غرفةٍ واحدة.
رئيسُك الذي عليكِ قضاءُ الليلِ معه في مزاجٍ سيّئ؟
أغمضتُ عينيّ بقوّةٍ من شدّة الدوار.
العملُ المعتمدُ على العاطفةِ دائمًا أشدُّ إنهاكًا.
اليومَ عليَّ أن أكون في أقصى درجات التركيز.
العيشُ على مراعاةِ مزاجِ الآخرين أمرٌ مُرهقٌ بطبيعته.
* * *
خرجَ كريستن من الحمّام وهو يفركُ عينيه المُتعبتين.
في تلك الأثناء، كانت رويلا قد دخلت غرفةَ النوم، ووقفتْ أمام السرير بانحناءةٍ متصلّبة.
وعندما شعرتْ بوجوده، ارتعشتْ قليلًا.
رفعتْ رويلا رأسها المُبعثر ونظرتْ إليه.
ما إن رآها حتى تذكّر كلامَ إيدن الذي كان يثرثر به اليوم.
ستةُ أسابيع، أليس كذلك؟
كانَ أمرًا يدعو للسخرية فعلًا.
في اللحظة التي سمعَ فيها ذلك، تبدّد مزاجُه السيّئ فجأةً، حتى شعرَ بالذهول.
بالطبع، ما زالت هناك مشاكلُ تعويضِ عائلاتِ الضحايا، وإيجادُ مديرٍ جديد، ومعاقبةُ المجرمين.
لكن عندما التقتْ عيناه بعينيها، عادَ ذلك الإحساسُ بالخِفّة.
حتى الصداعُ الذي كان يعصرُ رأسه بدا وكأنّه يزول.
جلسَ كريستن على طرفِ السرير وقال:
“لم تنامي قبلي اليوم.”
“أعتذر عمّا حدثَ أمس. لم أكن أقصد ذلك أبدًا…….”
“لا بأس. كوني مرتاحة.”
حينها فقط جلستْ رويلا بهدوءٍ على الأريكة.
تمدّدَ كريستن على السرير، ومدَّ يده.
كانت الأمورُ التي عليه الاهتمامُ بها اليوم كثيرةً لدرجةٍ جعلته يشعر بتراكمِ المانا بسرعة.
أرادَ أن يُفرغ تلك الطاقة المتراكمة من جسده بأسرع ما يمكن.
حين شعرَ بيدٍ صغيرةٍ تمسكُ يده، شدَّ على أسنانه.
انخفضَ منسوبُ المانا المتلاطم فجأة.
انفرجَت تجعيدةُ حاجبيه.
‘كنتُ مهملًا أكثرَ من اللازم.’
لم يتخيّل قطّ أن تتحوّل الإقطاعية إلى هذا الخراب أثناء غيابه في قتالِ الوحوش.
شعرَ وكأنّ إخلاصه للدولةِ والشمال قد دُهس تحت الأقدام.
تسرّبت دفعةٌ أخرى من المانا، ومعها تلاشت بعضُ أفكاره الثقيلة.
أطلقَ كريستن أنينًا خافتًا من الرضا، وأدارَ رأسه قليلًا.
بعينٍ نصفِ مفتوحة، وقعتْ نظراتُه على كرسيٍّ فارغ.
كانت يدُ رويلا لا تزال تمسكُ يده.
انتفضَ كريستن دون وعي.
يدٌ بيضاءُ صغيرة، موضوعةٌ فوقَ يده الكبيرة.
كانت يدُ رويلا، التي طالما شعرَ أنّها صغيرةٌ على نحوٍ لافت.
رؤيةُ اليد دون صاحبتها أربكتهُ.
اعتدلَ كريستن في جلسته.
كانت رويلا جالسةً على الأرض، متكوّرةً.
وحين التقتْ أعينُهما، وسّعتْ رويلا عينيها.
سألَ كريستن بعد أن استسلمَ للفهم:
“……ماذا تفعلين الآن؟”
“أحاولُ ألّا ألفتَ الانتباه قدرَ الإمكان، يا صاحبَ السموّ.”
سادَ الصمتُ لحظةً.
رمشتْ رويلا بعينيها بهدوء.
“هاه……”
حقًّا، هذه المرأة لا يمكن فهمها.
تنفّسَ كريستن بعمقٍ وقال:
“اجلسي على الأريكة براحة. لا بأس إن كنتِ لافتةً للانتباه.”
وهو يراقبُ رويلا تزحفُ بحذرٍ نحو الأريكة، أطلقَ زفرةً أعمق.
ما هذه المرأة بحقّ؟
* * *
ما إن وصلتُ إلى العمل حتى أرسلتني السيدةُ روزِيت إلى الدوقِ الأكبر.
وكالعادة، لم أره هذا الصباح أيضًا.
في أيّ ساعةٍ يستيقظُ هذا الرجل……؟
في الآونةِ الأخيرة، كنتُ أستيقظُ عند الثامنة على الأقل لألتزم بالدوام في التاسعة تمامًا.
كانَ لديّ وقتٌ كافٍ لتناولِ الإفطار، وشربِ القهوة، وحتى الاستحمام.
لحسنِ الحظّ، المسافةُ هنا لا تستغرقُ حتى خمسَ دقائق.
كأنني أعيشُ في سكنٍ داخليّ وأذهبُ إلى عملي.
أحيانًا كنتُ أستيقظُ عند السابعة، وحتى حينها لم يكن كريستن موجودًا.
“أليسَ لديه نومٌ صباحيّ؟”
على أيّ حال، بفضله تجنّبتُ كارثةَ رؤيةِ وجهِ رئيسي فورَ فتحِ عيني.
ذلك وحده كفيلٌ بإرهاقِ اليوم كاملًا.
ومن خلالِ ردّةِ فعلِ السيدةِ روزِيت، بدا أنّها ستسمحُ لي بالخروج اليوم.
”سأُجهّزُ العربة، آنسةَ رويلا. عليكِ الآن مقابلةُ الدوقِ الأكبر، ثم إحضارُ ما يلزم.”
خروج، خروج!
كانَ هذا أوّل خروجٍ لي منذُ قدومي إلى هنا.
شعرتُ وكأنّ شعاعَ شمسٍ يتسلّلُ إلى حياةٍ كانت قاتمة.
في الأصل، كانت رويلا في الرواية تحتَ المراقبة الدائمة.
لم تشعر بأيّ انتماءٍ لهذا القصر، وحاولتِ الهربَ مرّاتٍ عدّة.
كانت تصرخُ بأنّ المالَ ليس مالَها، وأنّه لا واجبَ عليها.
وفي النهاية، دفعَ لها كريستن مبلغًا إضافيًّا.
ومع ذلك، لم تتغيّر.
بسببِ جشعها، طالبتْ بالمزيد.
وكأنّ النومَ مع إمساكَ يدٍ أمرٌ جلل.
لهذا لا يجبُ أن يُعامَلَ الإنسانُ كفريسةٍ منذُ البداية.
وإلّا اعتادوا على ذلك.
وفي النهاية، لم يتمكّن كريستن من تحمّلِ شجاره معها، فوضعَ لها حارسًا يراقبُها.
ومع ذلك، هي التي دسّتِ السُّمَّ له متجاوزةً أعينَ الحراسة.
كيف لامرأةٍ كهذه أن تحظى بخروجٍ حرّ؟
في النهاية، الظروفُ هي التي يصنعها الإنسان.
توجّهتُ بخطواتٍ خفيفةٍ إلى المكتب.
طرقتُ الباب، فجاءني صوتُ ردٍّ منخفض.
من فتحَ الباب كان إيدن.
“وصلتِ، آنسةَ رويلا.”
“صباحُ الخير، سيّد إيدن!”
في الداخل، كان كريستن بوجهه الأنيق اللامع.
مُبهر……
في كلّ مرّة أراه، أفهمُ لماذا هو البطل.
كنتُ أظنّ أنّه يبدو أوسم في الظلام، لكنّه وسيمٌ حتى في وضحِ النهار.
“صباحُ الخير، يا صاحبَ السموّ.”
“……صباحُ الخير. قلتِ إنكِ تريدين الذهابَ إلى المطبعة أمس.”
“آه، نعم!”
مدَّ كريستن نحوي قلادةً صغيرة.
كانت قلادةً تحملُ ختمًا فاخرًا، ومرصّعةً بأحجارٍ كريمةٍ توحي بأنّ فقدانها يعني فقدانَ الحياة.
ابتلعتُ ريقي وحدّقتُ فيها.
“ألن تأخذيها؟”
“……أنا؟”
“ومن غيركِ؟”
سألَ وهو يقطّبُ حاجبيه قليلًا، ثم تنفّسَ بخفّة.
“خذيها، وأريها للمطبعة، وسيتمّ الدفع. اسمُ عائلةِ دوقِ أكرسيا يُقبلُ في أيّ مكان.”
هل يعني هذا أنّهم سيقدّمون كلّ شيء مجّانًا؟
دونَ دفعِ أيّ مال؟
استغلالُ النفوذ باسمِ العائلة؟
لهذا يُقال إنّ أصحابَ المال أخطرُ الناس……
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"