كان ضوءُ شمسِ الصباح يسطع في ممرّاتِ قصرِ الدوقِ الأكبر، وبينما كنتُ أرتدي عباءةً سميكةً، توجَّهتُ نحو المدخلِ الرئيسيّ.
كان شتاءُ الشمال يقتربُ بسرعة.
فقد أصبح الجوّ باردًا إلى حدٍّ يظهرُ معه البخارُ من الأنفاس صباحًا ومساءً. واليوم كنتُ أنوي الخروج بعد أن قدّمتُ طلبَ إذنٍ لذلك.
” آنسة رويلا!”
عندما سمعتُ الصوتَ من خلفي، التفتُّ فرأيتُ هيوتان يقتربُ بوجهٍ مشرق.
كان مظهرُه مختلفًا، إذ لم يكن يرتدي درعَه كالمعتاد، بل ثيابًا عاديّة.
بدت السترةُ الجلديّةُ البنيّة مع البنطالِ الأسود مريحةً عليه.
“هيوتان! يبدو أنّك في إجازةٍ اليوم؟”
“نعم، أخيرًا. هل ستخرجين أنتِ أيضًا يا آنسة رويلا؟”
“أفكّر في شراءِ ملابسَ شتويّة. فهذا أوّلُ شتاءٍ لي في الشمال، ويبدو أنّ عليَّ الاستعدادَ جيّدًا.”
تلألأت عينا هيوتان.
“إذًا، هل أستطيع مرافقتك؟ لديّ بعضُ الأمور في السوق، وبما أنّني من أهلِ الشمال، يمكنني أن أنصحكِ بمحلاتٍ جيّدة.”
تردّدتُ قليلًا. كنتُ أودّ التسوّق بهدوءٍ وحدي…
لكن نظرةَ الترقّب في وجهه جعلت الرفضَ صعبًا.
ثم إنّ هيوتان كان شريكًا جيّدًا في التسوّق.
فأومأتُ برأسي.
“حسنًا. كنتُ بحاجةٍ فعلًا إلى نصيحةِ شخصٍ محلّيّ.”
ابتسم هيوتان ابتسامةً واسعة، وخرجنا معًا من قصرِ الدوقِ الأكبر.
بعد أن مرّ الوباءُ الرهيب، بدأتِ الشوارعُ تستعيدُ حيويّتَها.
عاد التجّارُ لبيعِ بضائعهم، والأطفالُ للعب، والناسُ إلى حياتهم اليوميّة.
“يا له من أمرٍ مُطمئنّ.”
تمتمتُ بذلك، فمال هيوتان برأسه متسائلًا.
“ما الذي يبعثُ على الطمأنينة؟”
“أن نرى هذا المشهدَ السلميّ من جديد.”
نظرتُ إليه وتابعتُ:
“وأيضًا، الحمدُ لله على سلامتك يا هيوتان.
كنتُ قلقةً عليك كثيرًا أثناء الوباء. كنتَ ترافقُ المرضى يوميًّا، وتقومُ بدوريّاتٍ في المناطقِ الخطِرة… خشيتُ أن تُصاب.”
احمرّ خدّاه قليلًا.
“كنتِ قلقةً عليّ؟”
“طبعًا! أنتَ صديقي. وفوق ذلك، لم يكن العلاجُ واضحًا حينها.”
كان ذلك صحيحًا. كنتُ قلقةً على جميع العاملين في القصر، لكن هيوتان تحديدًا كان في الخطوطِ الأماميّة.
“وأنا أيضًا كنتُ قلقًا عليكِ يا آنسة رويلا.”
قالها بجدّيّة.
“إذًا، كُنّا نقلقُ على بعضِنا.”
تبادلنا الابتسام، ومع الحديث وصلنا سريعًا إلى محلّ الملابس.
“ذلك هو أقدمُ متجرِ ملابسٍ في الشمال. تديره العائلةُ منذ ثلاثةِ أجيال، وجودتُه ممتازة.”
ما إن دخلنا حتّى لفحنا هواءٌ دافئ مع رائحةِ الصوف.
كانت المعاطفُ السميكة، والعباءات، والأوشحة معلّقةً على الجدران.
“مرحبًا! آه، السيّد هيوتان!”
حيّتْنا الجدّةُ صاحبةُ المتجر بترحاب.
“جدّتي، مضى وقتٌ طويل. جئتُ اليوم لشراءِ ملابسَ شتويّة لصديقتي.”
“صديقة؟ يا لها من فتاةٍ جميلة.”
تفحّصتني من الأعلى إلى الأسفل، فانكمشتُ قليلًا.
هل… ازداد وزني؟ همم، لماذا تنظرُ إليّ هكذا؟
“يبدو أنّها المرّةُ الأولى لكِ في شتاءِ الشمال. إذًا يجب أن تستعدّي كما ينبغي. تعالي من هنا.”
قادتنا إلى الداخل حيث عُرضت ملابسُ أكثرُ فخامة.
“ما رأيكِ بهذا المعطف؟ مصنوعٌ من صوفٍ شماليٍّ خاص، خفيفٌ لكنّه دافئٌ جدًّا.”
رفعتْ معطفًا أخضرَ داكنًا. أخذتُه وارتديتُه.
كان خفيفًا ودافئًا فعلًا، ولونُه أعجبني كثيرًا.
كنتُ أرى أنّ اللونَ الأخضرَ يليقُ بي.
“إنّه يليقُ بكِ.”
قال هيوتان.
“سآخذه. وأحتاجُ أيضًا إلى وشاحٍ وقفّازين.”
“اختيارٌ موفّق.”
أحضرت الجدّة وشاحًا وقفّازين متناسقين.
كانت جميعُها بدرجاتٍ خضراء مختلفة، ما جعلها غيرَ مملّة وأضاف لمسةً جميلة.
همم، هل من المعقول أن أقرّر بهذه السرعة؟ لكنّها جميلة!
عندما هممتُ بالدفع، تقدّم هيوتان قبلي.
“سأدفع أنا.”
“لا، هذا معطفي، يجب أن أدفع بنفسي.”
“أريد أن أقدّمه هديّةً لصديقتي!.”
“لكن…”
بعد جدالٍ طويل، دفعتُ ثمنَ المعطف، بينما دفع هيوتان ثمنَ الوشاح والقفّازين.
كان ذلك كافيًا ليجعلني ممتنّةً جدًّا. سيكفيني هذا الشتاء.
عندما خرجنا من المتجر، كان وقتُ الغداء قد اقترب.
“ألا تشعرين بالجوع؟”
سألني هيوتان.
“هناك مطعمٌ قريب لذيذٌ جدًّا. يقدّم أطباقًا تقليديّة من الشمال…”
قرررر…
صدر صوتُ معدتي في توقيتٍ مثاليّ، فاحمرّ وجهي.
“لنذهب! بما أنّك أهديتني الوشاح والقفّازين، فالغداء عليّ. سنذهبُ إلى مكانٍ غالٍ، وسأطلبُ الكثير.”
ضحك هيوتان وتقدّم. كان المطعمُ صغيرًا ودافئَ الأجواء. جلسنا قربَ النافذة.
“اليخنة هنا رائعة. مع الخبزِ الشماليّ تكون مثاليّة.”
وصل الطعام. تفوح من اليخنةِ البنيّةِ الداكنة رائحةُ اللحمِ والتوابل. ما إن تذوّقتُ ملعقةً حتّى شعرتُ بالدفء. كان مطعمًا يستحقّ التوصية.
“إنّها لذيذة فعلًا!”
“أليس كذلك؟ كنتُ آتي إلى هنا كثيرًا منذ الصغر.”
قال هيوتان بنبرةٍ حنينيّة.
“كنتُ آتي مع والدي بعد تدريبِ المبارزة. وبسبب ابنه الجائع، كان يطلبُ دائمًا طبقين من اليخنة.”
“هل كان والدك فارسًا أيضًا؟”
“نعم. خدمت عائلتُنا الدوقَ الأكبر لثلاثةِ أجيال، وأنا أتابعُ هذا الإرث.”
كان فخورًا بذلك. عائلةُ فرسانٍ مخلصة عبر الأجيال… أمرٌ مُعجب.
“وماذا عنكِ يا آنسة رويلا… كيف ترين الشمال؟”
سألني بحذر.
“في البداية كان غريبًا، أليس كذلك؟”
“بصراحة، كنتُ خائفةً في البداية.”
حرّكتُ اليخنة وأنا أتذكّر تلك الأيّام البعيدة. لم أستطع قولَ كلّ شيء، لكن مجرّد التأقلم مع وضعي كان مرهقًا.
“كلُّ شيءٍ كان غريبًا، ولا أعرفُ ما الذي يجب عليّ فعله… لكن الآن تغيّر الأمر. أصبح الشمالُ كأنّه وطني الثاني.”
“حقًّا؟”
“نعم. أهلُ القصر طيّبون، والعمل ممتع ويمنحني شعورًا بالإنجاز.”
ابتسم هيوتان بلطف. كان ينظرُ إليّ بنظرةٍ جادّة، فشعرتُ بشيءٍ من الحرج وخفضتُ رأسي.
واصلنا الحديث بهدوء حتّى انتهى الطعام.
بعد الغداء، خرجنا إلى الشارع من جديد. كانت شمسُ العصر دافئة.
“آنسة رويلا…”
توقّف هيوتان فجأة. توقّفتُ أنا أيضًا. أخذ نفسًا عميقًا وتحدّث ببطءٍ ملحوظ.
“في المرّة القادمة… ما رأيكِ أن نخرج في موعدٍ حقيقيّ؟”
“موعد؟”
تسارع قلبي دهشةً. رمشتُ بعينيّ، فحكّ خدَّه بإحراج.
“ليس صدفةً مثل اليوم، بل بعد أن نحدّد موعدًا… نذهبُ إلى مكانٍ جميل، ونأكلُ طعامًا لذيذًا…”
كان التوتّر واضحًا في صوته.
“بالطبع، إن شعرتِ بالضغط يمكنكِ الرفض. يمكننا البقاء أصدقاء. لكن…”
تنفّس بعمق.
“أتمنّى أن تمنحيني فرصةً واحدة.”
نظرتُ إليه. كان شعرُه يلمع تحت أشعّة الشمس، وعيناه البنيّتان تلمعان برجاء. كان هيوتان رجلًا جيّدًا. في الحقيقة، أليس شخصًا مثله نعمة؟
فالعثورُ على رجلٍ صالح ليس سهلًا.
ومع ذلك… في تلك اللحظة، خطرَ في بالي وجهُ كريستن.
التعليقات لهذا الفصل " 56"