في الوقت الذي كانت فيه إليشا تحبس أنفاسها داخل غرفتها،
كان رجلٌ يتحرّك بحذرٍ في الممرّ المظلم للملحق الشمالي من قصر الدوق الأكبر.
كان ذلك الرجل هو رينترو.
لقد تُرِك طوال هذه المدّة في سكن البستاني،
منسيًّا، لا يبحث عنه أحد.
وخلال الفترة التي قضاها هناك،
كان رينترو يدرس الطرق التي تمكّنه من التسلُّل إلى القصر سرًّا.
وفي النهاية، نجح في الدخول بهذه الطريقة.
تحرّك بحذرٍ عبر الممر، متجهًا نحو غرفة التخزين.
كان قد استطلع هذا المكان قبل أيّام.
هناك كانت تُحفَظ مقتنيات قديمة تخصّ بيت الدوق الأكبر،
وبينها أشياء ثمينة لا يُستهان بقيمتها.
أدار رينترو مقبض الباب بهدوء.
لحسن الحظ، لم يكن مقفلًا.
دخل بسرعة وأغلق الباب خلفه.
في الظلام، لمعت عيناه.
شمعدانات فضيّة موضوعة على الرفوف،
وصندوق مجوهرات قديم،
ولوحات صغيرة معلّقة على الجدار.
كلّها أشياء ذات قيمة عالية.
‘بهذا القدر، أستطيع الصمود لبعض الوقت.’
بدأ رينترو يضع الأشياء في حقيبته بسرعة.
زوجٌ من الشمعدانات الفضية، وصندوق مجوهرات صغير، ولوحتان دقيقتان بحجم كفّ اليد.
حمَل الحقيبة على كتفه،
وفتح الباب بحذر ليتفحّص الخارج.
كان الممر لا يزال هادئًا.
خفض صوت خطواته وتوجّه نحو المخرج.
خلال فترة تفشّي الوباء،
ظلّ بلا حراك،
حتى صار جسده كلّه يشعر بالحكّة،
وخاصةً أصابعه،
إلى حدٍّ كاد يجعله يجنّ.
بعد أن خرج من قصر الدوق الأكبر،
شدّ رينترو غطاء رأسه وتوجّه نحو الأزقّة الخلفيّة في الشمال.
ملأ الهواء الحرّ ذو الرائحة العفنة رئتيه.
لعق شفتيه بارتياح.
‘سأعود إلى قصر الدوق الأكبر يومًا ما،
وحينها سأسرق المزيد.’
هناك، التقى بتجّار المسروقات.
أشخاص يتعاملون بالتحف القديمة،
ومكان يمكن فيه تحويل المسروقات إلى نقود.
“هل من أحد هنا؟”
“مرحبًا بك، يا سيّدي. لقد طال غيابك.”
استقبله رجلٌ ضخم الجثة داخل متجرٍ معتم.
كانا قد تعاملا معًا عدّة مرّات.
كشف رينترو عن أسنانه المصفرّة وابتسم ابتسامةً ماكرة.
“ما زلتَ حيًّا إذًا! ماذا جلبتَ اليوم؟”
فتح رينترو الحقيبة.
تلألأت عينا تاجر المسروقات.
كان رينترو، بحكم مكانته السابقة، يمتلك ذوقًا في اختيار الأشياء الثمينة.
وهذه المرّة لم تكن استثناءً.
“أوه، هذه المرّة بضائع جيّدة فعلًا. وخاصةً هذا الشمعدان…”
رفع الرجل الشمعدان وفحصه عن قرب.
وحين رأى شعار بيت الدوق الأكبر محفورًا عليه،
ابتسم ابتسامةً خبيثة.
“بضاعة خطيرة. لكن قيمتها عالية بقدر خطورتها.”
“وكم ستدفع؟”
“المجموع… ثمانمئة قطعة ذهبية.”
قطّب رينترو حاجبيه.
ذلك مبلغ قد يضيع في جولة مقامرة واحدة.
قال بنبرةٍ غير راضية:
“أتمزح؟ هذه الأشياء لا تقلّ عن ألفٍ وخمسمئة قطعة ذهبية.”
“بضائع بيت الدوق الأكبر صعبة التصريف.
وكلّما زادت المخاطرة، اضطررنا لتخفيض السعر.”
بعد جدالٍ طويل،
تمكّن رينترو من انتزاع ألف قطعة ذهبية.
كان الكيس الممتلئ بالعملات الثقيلة دافئًا في يده.
ابتسم رينترو وهو يعبث بالكيس.
شعر بالاطمئنان.
أما الخوف من الوباء، فقد نسيه منذ زمن.
“استخدم المال بحكمة.”
ترك ضحكة التاجر الساخرة خلفه، وخرج من المتجر.
واتجهت قدماه تلقائيًّا نحو دار القمار.
‘بهذا المبلغ، الرهان كافٍ. إن حالفني الحظ،
قد أضاعفه…بل أضاعفه ثلاث مرّات.’
ربّت رينترو على بطنه.
الحياة ضربة حظ واحدة.
ولو استطاع أن يرث بيت الدوق الأكبر بدعم العائلة الإمبراطورية،
لأمسك بأموالٍ تفوق هذا بكثير.
دار القمار السرّية في الشمال تدبّ فيها الحياة ليلًا.
وحين نزل رينترو الدرج، استقبلته رائحة الدخان والخمر، وصوت تدحرج العملات.
“أهلًا وسهلًا، أيّها الزبون.”
سمح له الحارس بالدخول. وفي الداخل، كان أوّل ما لفت نظره الأوراق والنرد المتحرّكة بلا توقّف.
كانت الطاولات تعجّ بالمقامرين. اقترب رينترو من طاولة لعبة الورق.
“هل تسمحون لي بالانضمام؟”
“طالما لديك مال، فأنتَ مرحّب بك.”
جلس رينترو ووضع كيس الذهب على الطاولة.
بدأ الموزّع بخلط الأوراق.
فاز رينترو في الجولة الأولى.
راهن بمئتي قطعة ذهبية وربح أربعمئة.
تحسّن مزاجه،
فرفع الرهان.
“خمسمئة قطعة ذهبية.”
فاز أيضًا في الجولة الثانية.
أصبح أمامه الآن ألف وخمسمئة قطعة ذهبية.
وبدأ الناس من حوله يلاحظونه.
“حظّك جيّد.”
“يبدو أنّ هذا يومي.”
ابتسم رينترو بتكبّر. عاد إليه غرور أيّامه كنبيلٍ في العاصمة.
الجولة الثالثة..راهن بألف قطعة ذهبية.
إن فاز، سيحصل على ألفين.
وسيعيش براحةٍ لبعض الوقت.
وُزِّعت الأوراق.
تصلّبت ملامح رينترو.
لم يكن الحظّ إلى جانبه.
عضّ على شفتيه.
لم يتبقَّ لديه سوى خمسمئة قطعة ذهبية.
‘اهدأ. لا تزال هناك فرصة.’
لكن الجولة التالية،
والتي بعدها،خسر فيهما أيضًا.
وفي لحظات، خسر كلّ ما يملك. صرّ على أسنانه بقوّة.
“انتظر. جولة أخيرة. سأراهن بشيءٍ آخر.”
أخرج رينترو شيئًا من صدره.
بروش ذهبي يحمل شعار بيت الدوق الأكبر.
كان قد احتفظ به لأنه ثمين جدًّا للبيع.
“هذا لا يقلّ عن ألفي قطعة ذهبية.
هل تراهن بكلّ المال الموجود هنا؟”
فحص الموزّع البروش،
ثم أومأ برأسه.
“موافق.”
بدأت الجولة الأخيرة. تبلّلت يدَا رينترو بالعرق.
كان عليه أن يفوز هذه المرّة.
كُشفت الأوراق.
“يبدو أنّني أنا الفائز.”
قال الخصم مبتسمًا. نظر رينترو بذهول وهو يرى البروش ينتقل إلى يدٍ أخرى.
“اللعنة!”
ضرب الطاولة بعنف. توتر الناس من حوله،
لكن لم يكن بيده شيءٌ يفعله.
وفي النهاية، بدأ رينترو يتجوّل بين الطاولات.
لم يكن مستعدًّا للمغادرة هكذا.
في زاويةٍ مليئة بالدخان، كان بعض الرجال يلعبون الورق. نشر أحدهم منشورَ مطلوبٍ للعدالة على الطاولة.
“أرأيتم هذا؟ الدوق الأكبر بنفسه يبحث عن الجاني.”
“ألف قطعة ذهبية… حتى مجرّد الإبلاغ يُكافَأ عليها.
مالٌ سهل.”
قال رجلٌ كثّ اللحية وهو يضع أوراقه.
“لكن من المجنون الذي فعل هذا؟
أن ينشر المرض في الشمال بأكمله؟”
“ربما شخصٌ يحمل ضغينة ضدّ بيت الدوق الأكبر.”
ردّ آخر وهو يرمي عملة على الطاولة.
“أو شخصٌ جاء من منطقة أخرى. فلو كان من أهل الشمال، لما أقدم على هذا.”
سمع رينترو الحديث. توقّف وأخفى جسده في ظلّ الدرج.
بدأ عقله يدور بسرعة.
“الآن وقد ذكرتَ ذلك، لقد رأيتُ شيئًا غريبًا.”
تكلّم شابّ فجأة. كان يبدو كأحد عمّال دار القمار الصغار.
“ماذا رأيت؟”
“منذ نحو شهر… رأيت شخصًا مريبًا قرب بئرٍ عند الفجر. كان يرتدي عباءة سوداء، ويحمل شيئًا ما.”
خفض صوته.
“كان يحمل كيسًا كبيرًا.
ذهب نحو البئر،
ثم عاد فارغ اليدين.”
“وما الغريب في ذلك؟”
“في ذلك الوقت لم أفهم،
لكن الآن… ذلك الكيس كان يتحرّك.”
ساد الصمت حول الطاولة.
“أتقصد…فئران؟”
“لا أعلم. كان الظلام دامسًا، ولم أَرَ بوضوح.”
سأل الرجل ذو اللحية:
“هل رأيتَ وجهه؟”
“لا. كان الظلام شديدًا، ووجهه مغطّى بالعباءة…
لكن بنيته لم تكن كبيرة.”
خفق قلب رينترو بعنف.
كانت رائحة قصّة خطرة ومثيرة تفوح في الهواء.
قصّة يمكن أن تتحوّل إلى مال، وربما تمنحه قوّةً أيضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 54"