وصلنا إلى نهر الحيِّ الغربي بعد الظهر بقليل.
كان نهرُ الغرب جدولًا صغيرًا ينبع من جبال أطراف الشمال ويمرُّ عبر المدينة.
يبلغ عرضه نحو عشرة أمتار، ولم يكن عميقًا، إذ لم يتجاوز الماء مستوى الركبتين.
“كان الناس قديمًا يغسلون ثيابهم هنا، وكان الأطفال يلهون في الماء.”
شرح إيدن.
سرتُ ببطء بمحاذاة النهر.
كان الطين يلتصق بحذائي، والعشب يلامس أطراف ثوبي.
“يبدو أن هناك شيئًا هناك.”
أشرتُ إلى نقطةٍ ما.
بين الأعشاب على ضفة النهر، كان شيءٌ عالقًا بأحد الأغصان.
كتلةٌ من الفرو البني، مغمورة نصفها في الماء، تتمايل مع التيار.
دخل أحد الفرسان الماء مرتديًا حذاءه الجلدي، وانتشل ذلك الشيء بعصًا.
كان جرذًا.
وقد بلغ التحلُّل فيه حدًّا يصعب معه تمييز ملامحه.
“واصلوا التفتيش.”
أمر كريستن بقية الفرسان.
انتشر الفرسان على امتداد الضفَّة وبدأوا بنبش الأعشاب.
“هنا أيضًا!”
“وهنا!”
تردَّدت الصيحات من كلِّ جانب.
فحص الأطبَّاء الجرذان.
كانت من النوع نفسه الذي وُجد في بئر الحيِّ الشرقي.
جرذان المجاري السوداء.
وكانت آثار الإمساك واضحة على سيقانها وأجسادها.
“هذه أيضًا…… يبدو أنها كانت داخل أكياس.
انظروا هنا.هناك أثرُ انثناءٍ في الذيل.
غالبًا انحشر عند ربط فم الكيس.”
حدَّق كريستن في مياه النهر.
كان الغضب يتجمَّع في عينيه.
ترى ما الذي كان يفكِّر فيه الآن؟
لا بدَّ أن قلبه كان يشتعل.
“الناس شربوا من هذا الماء. وغسلوا ثيابهم به،
ولعبوا فيه، أو استقوا منه للشرب……
وهكذا انتقلت العدوى.”
مسح كريستن وجهه بكفِّه عند سماعه كلام الطبيب.
“من……من الذي ارتكب هذا الفعل الشيطاني……؟”
تنفَّس أحدهم بحسرة.
صحيح.
من ذا الذي تجرَّد من إنسانيته إلى هذا الحدّ؟
ضممتُ ذراعيَّ الباردتين.
أيًّا كان الفاعل، فلا بدَّ أن ينال جزاءه.
لا محالة.
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
“علينا التحقُّق من الساحة المركزيَّة أيضًا.”
قال إيدن.
“هناك ظهر أكبر عددٍ من المرضى.
ربما…… ستكون الأسوأ.”
وصلنا إلى الساحة المركزيَّة قرابة الساعة الثالثة عصرًا.
كانت الساحة أكثر أماكن الشمال ازدحامًا.
حيث ينصب التجَّار أكشاكهم،
ويتجوَّل الناس للبيع والشراء،
ويلعب الأطفال.
لكنها الآن كانت خاوية.
ما زالت آثار الوباء ماثلة.
مات كثيرون.
وكانت الساحة مغمورةً بمشاعر الحداد.
شرائط سوداء ترفرف هنا وهناك.
كان بئر الساحة أكبر وأكثر متانةً من بئر الحيِّ الشرقي.
بل كان له سقفٌ حجري مزخرف.
عندما أُزيلت الألواح، انبعثت رائحةٌ أشدُّ فظاعةً من سابقتها.
بلَّل الفرسان مناديلهم بالماء وغطَّوا أنوفهم
وأفواههم، ثم بدأوا بسحب الماء من البئر بالدلاء.
تكدَّست جثث الجرذان فوق القماش.
ساد الصمت.
كان كريستن يحدِّق في البئر.
يداه تقبضان على الحاجز الحجري حتى أصدرت الحجارة صريرًا.
كان غضبه عميقًا بما لا يدع مجالًا للشك.
“من…….”
لم يستطع كريستن إكمال كلامه.
لم أستطع أن أفهم تمامًا ذلك الشعور الساحق.
ما الذي كان يجول في ذهنه الآن؟
* * *
كان داخل العربة صامتًا.
“رويلا.”
كسر كريستن السكون.
رفعتُ رأسي.
“تخمينكِ كان صحيحًا. هذا ليس محض صدفة.”
ابتسمتُ بمرارة.
كنتُ شبه متيقِّنة، ومع ذلك تمنَّيت أن أكون مخطئة.
أن تكون هذه الفاجعة من صنع البشر……
كيف يستطيع إنسان أن يفعل هذا؟
كان الأمر مروِّعًا.
“ما رأيكِ؟”
“بماذا، سموكَ؟”
“بالجاني.”
للأسف، لم يكن لدينا أيُّ دليلٍ قاطع.
مجرَّد شكوك.
“أنا…… لا أعلم بعد.”
أجبتُ بحذر.
“لكن…… أظن أن الفاعل شخصٌ يعرف الشمال جيِّدًا. كان يعرف مواقع الآبار بدقَّة، ويعرف نمط حياة الناس.”
“تقصدين شخصًا من الداخل؟”
“الاحتمال كبير.”
ازداد وجه كريستن تصلُّبًا. يبدو أنه كان يفكِّر بالأمر نفسه. مرَّر يده في شعره بعنف، وشعرتُ بالاختناق وأنا أراه.
لو كان لدينا كاميرات مراقبة لكان الأمر أسهل.
اشتقتُ فجأةً للتقنيات الحديثة.
في صباح اليوم التالي، اضطرب الشمال بأكمله.
أصدر كريستن أوامره بسرعة.
طوال الليل، استُدعِيَ كتَّاب القصر جميعًا لكتابة المناشير،
ومع الفجر، انطلق الفرسان إلى كلِّ أرجاء الشمال لتعليقها.
**[هذا الوباء لم يكن ظاهرةً طبيعيَّة.
لقد أطلق شخصٌ ما جرذانًا مريضة عمدًا في الآبار والأنهار،
ودفع إخوتنا وأخواتنا إلى الموت.
من يعرف الفاعل،
أو شهد تصرُّفًا مريبًا،
فعليه إبلاغ القصر الدوقي فورًا.
ستُمنَح مكافأة قدرها 1000 قطعة ذهبية لمن يُدلي بمعلومة.
ستُحفَظ هويَّة المُبلِّغ بسرِّيَّة تامَّة.
— حامي الشمال،
الدوق الأكبر كريستن آكراسيا.]**
تعالت الهمهمات في الساحات.
اختلط الغضب بالخوف في الأصوات المتصاعدة.
“لعنةٌ عليه! ابنتي ماتت بسببه……!”
“الدوق الأكبر سيمسك به حتمًا.”
“من يفعل هذا الجنون؟ أودُّ أن أُلقِمَه الجرذان بيدَيَّ!”
لم تقتصر الأمور على المناشير.
انتشرت أوامرُ بحثٍ غير مسبوقة عن ‘أشخاص ذوي سلوكٍ مريب’.
وبدأ الناس يراقبون من حولهم بحذر.
في ذلك الوقت، عند أطراف الشمال.
كانت إليشا تغطِّي وجهها بعباءةٍ سوداء وهي في طريقها لشراء الأعشاب.
وكعادتها، توقَّفت في الساحة عندما رأت تجمُّع الناس.
كان منشورٌ كبير معلَّقًا هناك.
ما إن قرأت السطر الأوَّل حتى ارتجفت عيناها قليلًا.
قرأت المحتوى ببطء شديد.
وعند ذكر إطلاق الجرذان المريضة عمدًا، تصلَّبت أصابعها.
وحين وصل الكلام إلى العثور على عشرات الجرذان في الآبار والأنهار، صار تنفُّسها سطحيًّا.
“أمرٌ فظيع حقًّا.”
قال تاجرٌ مسنّ بجانبها.
“نعم، من يرتكب فعلًا كهذا……”
رفعت إليشا رأسها ونظرت إليهم. بدت على وشك البكاء. كانت عيناها صافيتين كعادتهما،
وعلى شفتيها ابتسامةُ أسى.
“نعم، إنه مؤلمٌ جدًّا. ضحَّى أناسٌ أبرياء بحياتهم.”
هزَّ التاجر رأسه وغادر.
رفعت إليشا بصرها إلى المنشور مجدَّدًا.
وقفت تحدِّق فيه طويلًا، ثم عضَّت شفتها بخفَّة.
تقلبت في عينيها مشاعرُ معقَّدة.
ندم؟
خوف؟
أم شيءٌ آخر؟
كانت خطَّتها قد فشلت.
لم تجنِ أيَّ فائدة، وخسرت أوراقها فقط.
صرَّت على أسنانها.
“…….”
شدَّت عباءتها أكثر واستدارت.
لكن بدل أن تتوجَّه إلى بائع الأعشاب، اتَّجهت نحو القصر الدوقي.
طوال الطريق، خلا وجهها من أيِّ تعبير.
ومع اقترابها من القصر، تسارعت خطواتها.
وعند اجتياز البوَّابة الكبرى، حيَّت الحرَّاس بابتسامةٍ مشرقة.
“مرحبًا! عدتُ من نزهة.”
“أهلًا بآنسة إليشا.”
لم يبدُ عليها شيءٌ غير معتاد.
ما إن دخلت حتى توجَّهت مباشرةً إلى غرفتها، متجاهلة تحيَّة الخادمات.
أغلقت الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم أطلقت زفيرًا عميقًا.
من النافذة، بدا الشمال هادئًا.
مشهدٌ مسالم.
لكن خلفه، كانت ظلالُ الموت الكثيرة ممدودة.
أغمضت إليشا عينيها بقوَّة ثم فتحتهما.
‘لا بأس يا إليشا. حتى لو انهارت السماء، فلا بدَّ من مخرج.’
لم يكن أحدٌ يشكُّ بها بعد.
وكانت واثقةً أنها ستنجو من هذه الأزمة.
التعليقات لهذا الفصل " 53"