لكن لم يكن هناك أيُّ سجلٍّ تفصيلي يوضح عدد الجرذان التي عُثر عليها، أو حالتها، أو المدة التي يُرجَّح أنها بقيت فيها هناك.
في ذلك الوقت كانوا منشغلين بعلاج المرضى المصابين بفارس الموت، ولم يكن لديهم متَّسعٌ من الوقت للاهتمام بالتحقيق في أمر البئر.
شعرتُ أن الجواب موجود هنا.
دخل ضوءُ الصباح عبر النافذة وأضاء الخريطة على المكتب، فبدت النقاط الحمراء لامعةً كأنها دم.
وكأنها تقول إن هذا هو الجواب.
يجب أن أُخبر كريستن بهذا فورًا.
لم أستطع التحمُّل، فنهضتُ من مكاني.
قررتُ الذهاب للتحقيق بنفسي أوَّلًا.
وأثناء سيري في الرواق، التقيتُ بكريستن عند المنعطف.
كان قد قال إنه سيذهب للتدرُّب، وكان يحمل في يده بضع أوراق، لكنه توقَّف عندما رآني.
“رويلا؟ ما الذي تخرجين لأجله في هذا الوقت المبكِّر؟”
“آه، سموكَ. كنتُ أنوي الخروج لإجراء تحقيقٍ ميداني.”
“تحقيق ميداني؟”
ارتفع حاجبا كريستن قليلًا.
“في الأماكن التي انتشر فيها المرض. أودُّ التأكُّد بنفسي من المواقع التي ظهر فيها فارس الموت.”
“ألم نغلق الآبار بالفعل؟”
“أغلقناها، لكن لم يُجرَ فحصٌ دقيق.”
أخرجتُ الخريطة المطويَّة من صدري وأريته إيَّاها.
كانت مليئةً بالعلامات الحمراء.
كنتُ قد أحضرتها معي لهذا السبب.
“انظر إلى هذه النقاط الثلاث. إنها منتظمة أكثر من اللازم.”
توقَّفتُ قليلًا ثم تابعتُ بحذر.
“تبدو وكأن أحدهم اختارها عمدًا.”
تصلَّبت ملامحُ كريستن.
أخذ الخريطة وراح يتأمَّلها طويلًا.
في ضوء الرواق، كانت عيناه الزرقاوان تتتبَّعان العلامات ببطء.
“تقولين عمدًا؟”
“لا أستطيع الجزم..لكن الاحتمال موجود.
ولهذا أريد التأكُّد بنفسي. إن كانت العدوى عبر الماء، فلا بدَّ أن يكون أثرها ما زال في البئر.”
غرق كريستن في التفكير للحظة.
رأيتُ خطَّ فكِّه يشتدُّ صلابة.
“…سنذهب معًا.”
أوقف خادمةً كانت تمرُّ في الرواق.
“أعدِّي العربة. واستدعي ستة من الحرس، وطبيبين.
وأحضري إيدن أيضًا.”
“نعم، سموكَ!”
وهكذا تقرَّر الخروج. لكن… هناك شيءٌ ناقص.
نظرتُ حولي، ثم أدركتُ الأمر.
أين إليشا؟
أين تلك التي يجب أن تكون دائمًا إلى جانب كريستن كظلِّه؟
وبعد أن ابتعدت الخادمة مسرعة، سألتُ كريستن:
“أين إليشا؟”
“قالت إنها تريد الراحة قليلًا. حالتي جيِّدة، فسمحتُ لها بالعودة.”
“آه.”
تريد الراحة؟
لماذا أشعر بالقلق من تحرُّك إليشا بمفردها؟
حككتُ عنقي. إليشا هي البطلة.
لا أدري لماذا تراودني هذه الشكوك.
لا بأس، أليس كذلك؟
نعم، لا بأس.
هززتُ رأسي بخفَّة وربتُّ على خدَّيَّ.
ابتلعتُ ذلك الشعور المريب قسرًا.
وصلنا إلى الحيِّ الشرقي قرابة الساعة العاشرة صباحًا.
دخلت العربة زقاقًا ضيِّقًا ثم خرجت إلى ساحةٍ صغيرة.
في وسط الساحة بئرٌ قديم، وقد وُضعت فوقه ألواحٌ خشبيَّة بشكل علامة ×.
وعلِّقت لافتةُ ‘ممنوع الدخول’ على وتدٍ خشبي بجانبه.
كان الناس يتسلَّلون بنظراتهم نحوه من بعيد.
ما إن نزل كريستن من العربة حتى خيَّم الصمت على الساحة.
تعرَّف الناس إلى الدوق الأكبر، فسارعوا إلى الركوع.
“الدوق الأكبر!”
“لم نتوقَّع أن يأتي سموه بنفسه…!”
رفع كريستن يده وأشار لهم بالوقوف، وتبادل معهم بضع كلمات خفيفة.
وفي تلك الأثناء، نزلتُ من العربة واقتربتُ من البئر.
تبعني إيدن والطبيبان.
“أزيلوا الألواح.”
تحرَّك الفرسان فورًا.
أصدرت الألواح صريرًا حادًّا وهي تُرفع.
ما إن كُشف فم البئر، حتى اندفعت رائحةٌ كريهة.
رائحةُ لحمٍ متعفِّن، وماءٍ راكد، ورائحةُ موتٍ خانقة امتزجت معًا.
تراجع الناس وهم يسدُّون أنوفهم.
سدَدتُ أنفي وفمي بيديَّ لا إراديًّا.
كانت الرائحة حادَّةً لدرجةٍ تُحرِق العينين.
“أوغ…”
أنَّ الطبيب الشاب إلى جانبي، وتكلَّم بصوتٍ مكتوم:
“حضِّروا حبلًا ودلوًا، وأحضِروا مشاعل أيضًا.
الأسفل مظلم ولا يمكن الرؤية جيِّدًا.”
أحضر الفرسان الأدوات، وأنزلوا الدلو ببطء داخل البئر.
“انتبهِي، آنسة رويلا. تراجعي خطوة.
الرائحة غير مطمئنة.”
قال إيدن من جانبي. تراجعتُ خطوةً واحدة.
ظلَّ الحبل ينفلت حتى وصل الدلو إلى العمق.
بشت.
ارتطم الدلو بالماء، وبدأ الفرسان بسحبه إلى الأعلى.
وحين وصل إلى فم البئر، اشتدَّت الرائحة أكثر.
“أوخ!”
كاد القيء يخرج من حلقي.
وعندما رأينا ما في الدلو، تجمَّد الجميع.
كانت هناك جرذٌ ميت يطفو في الماء.
كان فراؤه المنتفخ المبتلُّ ملتصقًا بجسده،
وجلده المتحلِّل يكشف عن لحمٍ شاحب،
وبطنه منتفخًا كأنه على وشك الانفجار،
وأطرافه متيبِّسة.
يبدو أنه مات منذ وقتٍ طويل وبدأ يتحلَّل.
“يا إلهي…”
تمتم أحدهم.
أدار الطبيب الشاب رأسه جانبًا وتقيَّأ فعلًا.
رفع الفرسان الجرذ بعصا خشبيَّة ووضعوه على قطعة قماش.
“سنُنزل الدلو مرَّةً أخرى.”
أومأتُ برأسي.
كان لديَّ شعورٌ مقزز بأن المزيد سيخرج.
في المرَّة الثانية، كان هناك جرذان.
في الثالثة، واحد.
في الرابعة، ثلاثة.
في كلِّ مرَّة يُسحب فيها الدلو، تخرج جرذان ميِّتة.
استمرَّ الفرسان دون توقُّف، ووجوههم شاحبة.
وكان كريستن يراقب المشهد بصمت، وقد فقد الكلام.
عند الدلو العاشر، توقَّفوا.
عدَدنا الجثث.
“ثمانيةٌ وعشرون…”
تمتم إيدن بذهول.
جثا الأطبَّاء وبدأوا بفحص الجرذان واحدًا واحدًا.
مدُّوا أطرافها، وفحصوا أجسادها ورؤوسها بحذر.
“هذه الجرذان… كلُّها من النوع نفسه.”
قال الطبيب المُسنّ.
“جرذان المجاري السوداء.
تعيش في مجاري المدن.
يبدو أن أحدهم ألقاها هنا عمدًا.
لا يمكن أن يكون العثور على هذا العدد صدفة.”
نظر كريستن حول البئر.
كان البئر مُعتنىً به جيِّدًا.
جدرانه الحجرية متينة، وله غطاءٌ خشبي، وحاجزٌ يحيط به.
رفع الطبيب ساق أحد الجرذان، وتفحَّصها تحت ضوء الشمس.
كانت هناك آثارٌ باهتة حيث انسلخ الفراء.
“انظروا إلى هذه العلامات.
ألا تبدو كأن شيئًا أمسك به ثم أفلتَه؟”
“ماذا تعني؟”
سأل كريستن.
“أعني أن هذه الجرذان ربما أُمسكت من قِبل شخصٍ ما.”
فحصوا البقيَّة، ووجدوا آثارًا مشابهة.
“وهذه آثار تشبه ما يحدث عند وضعها في أكياس أو شِباك.”
ضحك كريستن ضحكةً جافَّة.
لقد اتَّضح الآن أن فارس الموت الذي اجتاح الشمال لم يكن حادثًا طبيعيًّا، بل صُنع بأيدٍ بشريَّة.
حدَّق كريستن في جثث الجرذان بنظرةٍ باردة.
اشتدَّ فكُّه، وقبض على يده بقوَّة.
“علينا التحقُّق من الحيِّ الغربي أيضًا.”
كان صوته منخفضًا وقاسيًا.
الحقيقة التي واجهناها كانت أعمقَ وأظلم ممَّا توقَّعنا.
التعليقات لهذا الفصل " 52"