منذ ذلك اليوم بدأ العمل.
كان كريستن يقود الأمر بنفسه، وكنتُ إلى جانبه كظلّه.
بدأ الناس بالبحث عن العفنِ الأزرق واستزراعه.
ثم شرعوا في غلي نبتةِ الربيع كاملةً غليًا طويلًا وتجفيفها.
بدأ الوقت يمرّ سريعًا.
بعد ثلاثة أيّام، نما العفن.
وبعد أسبوع، صُنِع أوّلُ مضادٍّ حيويّ.
كان طريقًا مختصرًا نحو الأمل.
حملنا العلاجَ المكتمل وتوجّهنا جميعًا إلى جناحِ العزل.
تحسّبًا لأيّ طارئ، غطّينا وجوهنا بعُصَبٍ وتنفّسنا ببطءٍ قدر الإمكان.
أُعطي العلاجُ أوّلًا للسيّدة روزيت.
ثم أُعطي الدواءُ لجميع الموجودين في جناحِ العزل.
لم يبقَ سوى الانتظار.
اقتربتُ من السيّدة روزيت وأمسكتُ يدها بقوّة.
ثم همستُ لها وهي لا تستطيع فتح عينيها من شدّة الحُمّى.
“……يجب أن تصمدي، سيّدتي. لا يمكنكِ الرحيل هكذا.”
شعرتُ وكأنّ تلك اليد المتيبسةَ تحاولُ التمسكَ بي.
ربّما كان ذلك جوابَ السيّدة روزيت.
قد يكون وهمًا، لكنّني أردتُ أن أصدّقه.
* * *
بعد ستّ ساعات.
أوّلُ من استعاد وعيه كان البستانيَّ الشاب.
فتح عينيه بصعوبة بعد ثلاثة أيّام، وسعل سعالًا جافًّا وقال:
“……ماء……قليلٌ من الماء…….”
اندفع الناس الذين لم يجرؤوا على المغادرة، وكانوا ينتظرون خارج جناح العزل، إلى الداخل.
حبس الجميع أنفاسهم حتّى انتهى الطبيب من فحصه.
وكنتُ مثلهم تمامًا.
“إنّه إعجاز!”
هتف الأطبّاء. ظهر مفعولُ الدواء.
انخفضت الحُمّى، وعاد الوعي.
كان الطبيب الذي سقى الرجل الماء يبكي.
وأنا أيضًا كدتُ أبكي، فمسحتُ أنفي بحرقة.
يا للحمد. ما تذكّرتُه كان صحيحًا.
لو أخطأتُ ولو قليلًا، لما كان للدواء أيّ أثر.
حين قرأتُ العملَ الأصليّ أوّل مرّة وكنتُ أقارنه بالطاعونِ الأسود، ظننتُ أنّ ذلك عبث.
لكن يبدو أنّ معرفة أيّ شيء قد تنفع في وقتٍ كهذا.
وكان كتفا كريستن الواقف أمامي يرتجفان بخفّة.
لا بدّ أنّ كريستن كان أكثرَ من عانى نفسيًّا.
كان كذلك في العمل الأصليّ أيضًا.
كان يؤمن أنّ تقصيره هو ما أدّى إلى هذه الكارثة.
ولهذا لم ينم يومًا واحدًا حتّى اكتمل العلاج.
وضعتُ يدي بحذر على ذراعه.
التفتَ كريستن قليلًا، وكانت عيناه محمرّتين.
نظر إلى يدي، ثم رفع رأسه.
أبعد يدي عن ذراعه، ثم أدخل أصابعه بين أصابعي.
تشابكت اليدان بإحكام.
يدهُ……نحن نمسكُ إيادي بعضنا.
تحرّكتُ بتوتّر من المفاجأة، لكنّه أمسك بي من جديد.
ابتلعتُ ريقي ورفعتُ رأسي.
كان كريستن ينظر إلى الأمام، وكأنّ الأمر عاديّ تمامًا.
لكنّ سخونة عنقه لم يرَها سواي.
شعرتُ بدغدغةٍ في صدري، فعضضتُ على شفتي بقوّة.
* * *
منذ ذلك اليوم تحوّل قصرُ الدوقِ الأكبر إلى مصنعِ أدوية.
عمل الناس ليلًا ونهارًا.
وُزّع العلاج في أنحاء الشمال كلّها.
وبدأ مرضى القصر يتعافون واحدًا تلو الآخر.
بعد أسبوع، انخفض عددُ المرضى بشكلٍ حادّ.
لقد هُزم فارسُ الموت.
وأخيرًا، خرجت السيّدة روزيت من جناح العزل.
كانت آخرَ مريضة.
في اليوم الذي خرجت فيه السيّدة روزيت ماشيةً، اضطرب القصر كلّه.
“السيّدة روزيت ستخرج!”
“حقًّا؟ هل شُفيت تمامًا؟”
تهامست الخادمات في الممرّات.
وعمّت الهتافات حين شاع خبرُ شفائها.
لم أكن مختلفةً عنهم.
كنتُ أنتظر عند مدخل جناح العزل، ويدي تتصبّب عرقًا.
لا أدري لِمَ كنتُ متوتّرة إلى هذا الحدّ.
وبعد قليل، فُتح الباب.
خرجت السيّدة روزيت ماشيةً على قدميها بثبات.
كان وجهها لا يزال شاحبًا قليلًا، لكنّ عينيها عادتا صافيتين كما كانتا.
وفي مشيتها المنتصبة بقيت هيبةُ المسؤولة الأولى عن القصر.
“سيّدتي روزيت!”
ركضتُ إليها وأسندتها.
“تفضّلي بالمشي ببطء. لم تتعافي تمامًا بعد.”
“لا بأس، يا آنسة رويلا.”
ابتسمت السيّدة روزيت.
كانت أنحف من قبل، لكنّ مجرّد رؤيتها تبتسم كان نعمةً.
كونها حيّة خفّف من شعوري بالذنب، ولو قليلًا.
“لقد أنقذتِ حياتي.”
“لا، ما فعلتُه أنا…….”
“أنتِ من أنقذتِ حياتي.
العلاج، أنتِ من وجدته، أليس كذلك، يا آنسة رويلا؟”
أمسكت السيّدة روزيت يدي بقوّة، وهمست بصوتٍ لا يسمعه سواي:
“شكرًا لكِ، يا آنسة رويلا. من أعماق قلبي.”
لم أعد أنكر.
حتى لو عرفت السيّدة روزيت الحقيقة، لم أشعر أنّ ذلك سيعرّضني للخطر.
احمرّت عيناي. فكرة أنّني كدتُ أفقد السيّدة روزيت جعلت صدري يثقل.
وبعدها تعافت السيّدة روزيت تعافيًا كاملًا.
وما إن تعافت حتّى عادت إلى العمل.
حقًّا، مدمنةُ العمل تبقى مدمنةَ عملٍ أينما ذهبت.
لكنّ كريستن قرّر هذه المرّة أن يمنح السيّدة روزيت إجازة.
رأى أنّها تحتاج إلى مزيدٍ من الراحة.
“سيّدتي روزيت.”
استدعاها إلى مكتبه.
كان إيدن وأنا حاضرين أيضًا.
“أظنّ أنّ الوقت قد حان لأخذ الإجازة التي كانت مقرّرة.
أنا ممتنٌّ لكِ كثيرًا.ربّما كان إرهاقي لكِ سببًا فيما حدث.”
“سموكَ، لكنّ القصر لا يزال بحاجةٍ إليّ.هناك الكثير من الفوضى خلال غيابي. إن غادرتُ الآن فلن يهدأ لي بال.”
“هذا أمرٌ.
أنا سعيدٌ حقًّا بتعافيكِ، ولا أريد أن يتكرّر ما حدث.
أنتِ بحاجةٍ إلى الراحة الآن.”
كان في صوت كريستن حزمٌ لا يُردّ.
“لقد عملتِ لعقودٍ من دون راحةٍ واحدة من أجل أسرة الدوق.حان الوقت لتستريحي.
لا تجعليني أبدو شخصًا سيّئًا.”
“لكن إدارة القصر…….”
“ما رأيكِ أن تتولّاها الآنسة رويلا مؤقّتًا؟”
اتّسعت عيناي دهشةً. لم أتوقّع أن يُذكر اسمي.
توجّهت أنظار كريستن وإيدن والسيّدة روزيت إليّ.
“أ-أنا؟”
“نعم.”
أومأ كريستن برأسه.
“لم أرَ شخصًا أكفأ من الآنسة رويلا.
وأنتِ أيضًا تثقين بها، أليس كذلك؟”
لم تنفِ السيّدة روزيت كلامه، بل نظرت إليّ مبتسمة.
بل وشجّعت كريستن قائلةً:
“أوافق. الآنسة رويلا قادرة على ذلك.
سأسلّمها كلّ شيءٍ قبل مغادرتي.”
“لكن…….”
ارتبكتُ.
إدارة القصر كلّه؟
ألم أكن مجرّد مساعدة؟
ابتلعتُ ريقي.
صحيح أنّه سيكون أسهل من القضاء على الوباء.
ثمّ من غيري سيفعل ذلك؟
حين فكّرتُ بالأمر، لم يكن هناك خيارٌ آخر.
لم يكن في أسرة الدوق من يمكنه أن يحلّ محلّ السيّدة روزيت.
كما أنّ تعطيل إجازتها لم يكن مقبولًا.
“……حسنًا.”
أومأتُ أخيرًا.
وكنتُ أنا أيضًا مؤيّدةً بشدّة لراحتها.
“على أن يُضاعف راتبكِ حتّى تعود السيّدة روزيت.”
تلألأت عيناي فورًا.
رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى كريستن.
عاد الحماس كلّه دفعةً واحدة، كأنّني تناولتُ منشّطًا.
“بالطبع بعد الضريبة.”
“سأعمل كالحصان، سموكَ!”
رفعتُ إبهامي بحماس.
كان كريستن مديرًا رائعًا بحقّ.
التعليقات لهذا الفصل " 50"