كان توم، القيّم على الإسطبل، عائدًا إلى منزله بعد أن أنهى عمله.
في الآونة الأخيرة، كان بيتُ الدوق يعمل ليلًا ونهارًا دون توقّف، ولهذا تأخّر وقتُ عودته كثيرًا.
قاد توم جسده المرهق متّجهًا إلى البيت.
كان يومًا طويلًا آخر.
بسبب الوباء، كان نقصُ الأيدي العاملة شديدًا.
العمل الذي كان ينجزه خمسة أشخاص في العادة، صار يقع على عاتق ثلاثة فقط.
اثنان أُصيبا بالمرض ولم يعودا قادرين على الحضور.
ولا أحد يعلم إن كانا سيعودان أحياء.
‘أرجوك…… لا مزيد بعد الآن…….’
صلّى توم في سرّه.
ألّا يُصاب أحدٌ آخر بالمرض.
وألّا يموت أحدٌ آخر.
لكنّ الواقع كان مختلفًا.
كلّ يوم يزداد عدد المرضى، وكلّ يوم يموت شخص.
‘سأعود إلى البيت…… وأتناول حساءً دافئًا…….’
عبر توم الحديقة.
كان يسلك ممرًّا مختصرًا اعتاد استخدامه، فبعد اجتياز الحديقة يظهر طريقُ مساكن الخدم.
وبينما كان يمشي، رفع رأسه فجأة.
كانت الشمس تغيب، وأضواء الشوارع تُسقط
طويلة في الحديقة.
بدت ظلال الأشجار كأنّها ترقص فوق الأرض.
وفي تلك اللحظة—
“هم؟”
كان هناك شيء غريب.
على المقعد…… كان هناك شخصٌ ملقى.
توقّف توم، وضيّق عينيه محدّقًا بالمقعد.
رغم العتمة، كان واضحًا أنّ هناك إنسانًا.
‘من يكون……؟’
من الذي قد يكون في الحديقة في هذا الوقت؟
خفّف توم وقع خطواته واقترب ببطء من المقعد.
كلّما اقترب، اتّضحت هيئة الشخص أكثر.
شخصٌ متّكئ على المقعد، رأسه متدلٍّ وجسده مترهّل.
تسلّل ضوء القمر من بين الغيوم. وتحت ذلك الضوء، ظهر وجهه.
“السـ-السيّدة روزيت؟!”
[م.م : حابسة دموعي بالعافية..]
صرخ توم فزعًا.
اندفع راكضًا، ناسِيًا إرهاقه تمامًا.
“سيّدتي! سيّدتي!”
هزّ توم السيّدة روزيت، أمسك كتفيها وحرّكها، لكن لم يكن هناك أيّ ردّ.
كان رأس السيّدة روزيت مائلًا إلى الجانب، وعيناها مغمضتين.
وفوق ذلك، كان فمها ملطّخًا بالدم.
“يا، يا إلهي!”
مدّ توم يده المرتجفة ولمس جبينها.
في اللحظة نفسها، انتقلت حرارةٌ شديدة إلى كفّه.
لم يفكّر طويلًا.
حمل السيّدة روزيت على ظهره واندفع راكضًا.
كان أحد أعمدة القصر الدوقي قد سقطت.
* * *
في صباح اليوم التالي الباكر، دوّى جرسُ الطوارئ في القصر الدوقي.
يا للهول، لقد تأخّرت.
استيقظتُ من النوم وبدّلتُ ملابسي على عجل.
وحين خرجتُ إلى الممرّ، كانت الخادمات يتحرّكن بسرعةٍ واضطراب.
وجوهُهنّ شاحبة.
“ما الذي يحدث؟”
أمسكتُ بإحدى الخادمات المارّات وسألتها.
“السيّدة روزيت…… لقد سقطت!”
أجابت بصوتٍ مرتجف.
السيّدة روزيت؟
شعرتُ بدوارٍ مفاجئ.
لماذا السيّدة روزيت؟
“الأطبّاء الآن في غرفتها. وسموّ الدوق ذهب أيضًا.”
شعرتُ وكأنّ الدم قد انسحب من جسدي.
أفلتُّ الخادمة وركضتُ نحو غرفة السيّدة روزيت.
كان هناك بالفعل عددٌ من الأشخاص أمام الباب.
إيدن، وبعض كبار الخدم.
الجميع يحدّق إلى داخل الغرفة بقلق.
“كيف حال السيّدة روزيت؟”
سألتُ وأنا ألهث.
“آنسة رويلا…….”
هزّ إيدن رأسه.
لم تكن ملامحه مطمئنة.
هوى قلبي.
لا تقل—
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة.
خرج الطبيب.
وتبعه كريستن.
كان تعبيره…… أظلم ممّا رأيته عليه في أيّ وقتٍ مضى.
شعرتُ وكأنّ قلبي سينفجر.
كان لديّ إحساسٌ سيّئ بأنّه على وشك قول ما لا أريد سماعه.
“سموكَ.”
سأل إيدن بحذر.
“ما حالة السيّدة……؟”
لم يستطع كريستن فتح فمه لوهلة.
“إنّه فارس الموت.”
انخفض صوته.
“السيّدة روزيت…… أُصيبت بفارس الموت.”
خيّم صمتٌ يائس على الممرّ. لم أستطع أنا أيضًا قول أيّ شيء. انحبس نفسي في حلقي.
* * *
عُقد اجتماعٌ طارئ.
في مكتب الدوق، اجتمع إيدن، وجايمن، وكبار مسؤولي الشمال.
وجلستُ أنا أيضًا بصفتي مساعدة.
كان الجوّ مشحونًا.
“هل تبيّن مسار العدوى لدى السيّدة روزيت؟”
سأل جايمن بصوتٍ متوتّر. كان مضى وقتٌ طويل منذ رأيته.
هزّ الطبيب رأسه.
“لم نتأكّد بعد بشكلٍ دقيق.
لكن…… سمعنا أنّ السيّدة روزيت قامت بجولة تفقديّة في إحدى قرى أطراف الشمال قبل ثلاثة أيّام.
من المرجّح أنّها أُصيبت هناك.”
“قريةٌ على الأطراف؟”
اشتدّ بريق عيني كريستن.
“ألم يكن هناك مرضى آخرون في تلك القرية؟”
“في الواقع…… بحسب التقارير، هناك أربعة من سكّان القرية تظهر عليهم أعراض مشابهة.”
“أربعة…….”
تمتم إيدن.
“إذًا، من المحتمل أنّ العدوى قد انتشرت في القرية بأكملها.”
قال جايمن بحذر.
“وليس هذا فحسب.
لا يمكن استبعاد احتمال أنّها انتشرت بالفعل في كلّ أنحاء الشمال.
لقد تجاوز عدد الوفيّات الثمانين.”
ازداد وجه كريستن قتامة.
قبضتُ يدي بقلق.
في هذا الوقت القصير، ارتفع عدد الوفيّات إلى هذا الحدّ.
ومجرّد التفكير بأنّ اسم السيّدة روزيت قد يُضاف إلى تلك القائمة جعل أنفاسي تضيق.
أردتُ أن أرفع يدي وأقول إنّي أعرف حلًّا.
لكن ماذا لو قدّمت وصفةً ناقصة؟
ماذا لو لم تتحمّل السيّدة روزيت سُمّيتها؟
أغمضتُ عينيّ بإحكام.
حتى بعد المرور على جميع العيادات، لم أستطع الحصول على المكوّنات.
من أين يمكن الحصول عليها أصلًا؟
ومنذ ذلك اليوم، واصلتُ الخروج والبحث بلا توقّف.
كان فارس الموت ينتشر بسرعةٍ مرعبة.
وكانت السيّدة روزيت في موقعٍ يضعها على تماسّ مع أكبر عددٍ من الناس داخل القصر.
“يجب فحص جميع من في القصر الدوقي.”
تمتم كريستن.
“وعند العثور على مصاب، يُعزل فورًا، ويُتبع جميع المخالطين.”
“وأين سنُعدّ مرافق العزل؟”
“استخدموا الجناح الغربي المنفصل.
و…….”
غطّى كريستن جبهته وتكلّم.
كان صوته منهكًا.
“استعدّوا لإغلاق الشمال بالكامل.”
“ماذا؟”
سأل إيدن بصدمة.
“سموكَ، هل تقصدُ إغلاق الشمال بأكمله؟”
“نعم.”
لم يتردّد صوت كريستن.
“يجب أن نمنع فارس الموت من الخروج من الشمال.”
“لا يمكن السماح له بالانتشار إلى العاصمة الإمبراطوريّة أو إلى الأقاليم الأخرى.”
حبستُ أنفاسي وأنا أستمع.
إغلاق الشمال.
كان معنى ذلك واضحًا.
حتّى لو ضحّوا بسكّان الشمال، سيمنعون انتشار الوباء.
سيحتوي الشمال كلّ الأوبئة ويفنى وحده.
“لكن لا يوجد علاجٌ بعد.”
“……سموكَ.”
قال جايمن بصوتٍ مرتجف.
“إن حدث ذلك، فسيُعزل الشمال تمامًا.
سيُقطع الغذاء، والأدوية، وكلّ الإمدادات…….”
“أعلم.”
أغمض كريستن عينيه.
“لكن لا خيار آخر. إن انتشر في أرجاء الإمبراطوريّة، فسيسقط عددٌ أكبر من الضحايا.”
عاد الصمت يخيّم على قاعة الاجتماع.
كان الجميع يعلم.
أنّ قرار كريستن صائب.
لكنّهم كانوا يعلمون أيضًا كم هو القرار مروّع.
“……سأتولّى أمر مرافق العزل.”
كان جايمن أوّل من تكلّم.
“سأُعدّها بأقصى سرعة، وبأكبر قدرة استيعاب ممكنة.”
“شكرًا لك، جايمن.”
أومأ كريستن.
ثمّ التفت إليّ.
“آنسة رويلا.”
“……نعم، سموكَ.”
كادت الكلمات لا تخرج.
كان الحديث ثقيلًا للغاية.
قرأتُ هذا فقط في الروايات، ولم أتخيّل أن أعيشه.
“رتّبي وضع جميع من في القصر الدوقي.
من التقى السيّدة روزيت، ومَن التقى بهم بعد ذلك.
تتبّعي الجميع دون استثناء.”
“نعم، سموكَ.”
أومأتُ برأسي.
كانت يداي ترتجفان.
لم أستطع تصديق أنّ تلك السيّدة أُصيبت بفارس الموت.
كانت دائمًا مستقيمة، صارمة، ومع ذلك دافئة.
شخصٌ بدا وكأنّ هذا المرض سيمرّ به مرور الكرام.
شعرتُ وكأنّها ستنهض فجأة وتبتسم كعادتها.
“سننهي الاجتماع هنا. ليبدأ كلٌّ منكم بتنفيذ مهمّته.”
التعليقات لهذا الفصل " 45"