ما إن سنحت لي فرصةٌ قصيرة حتّى أخذتُ إجازةً وخرجتُ إلى منطقة المدينة.
وبسبب فارس الموت الذي كان يجتاح المكان، كان عددُ الناس في الخارج قليلًا بشكلٍ ملحوظ.
حتى السوق لم يكن سوى غبارٍ يتطاير في الأجواء.
شدَدتُ الغطاء على وجهي وأحكمتُ إغلاق فمي بالوشاح.
إن أُصبتُ أنا أيضًا، فلن يكون هناك أيّ حلّ فعلًا.
طرقتُ أبوابَ العطّارين المغلقة حتّى فتحوا، ولحسن الحظّ، وافق أحدهم على العمل مقابل أجرٍ إضافي، وطلبتُ منه أن يبحث لي عن الأعشاب التي أحتاجها.
“هاه…”
لكن لم يكن بالإمكان الحصول عليها فورًا من أيّ مكان.
“سأجنّ.”
ارتجفت يدَيّ وقدمايّ.
ماذا لو أُصيب أحدُ معارفي بالمرض فجأة؟
وماذا لو اضطررتُ إلى مشاهدة ذلك بعينيّ؟
عضضتُ أظافري بقوّة.
آه، هذه العادة السيّئة.
أطلقتُ زفرةً طويلة.
“ألا يمكن تقديم فصل الربيع؟”
مرّرتُ يدي في شعري.
في الحقيقة، هذا العالم لا يملك مرافق حفظٍ متطوّرة كالثلاجات، وللأعشاب أيضًا مدّة صلاحية، لذلك كنتُ أعلم مسبقًا أنّ العثور عليها لن يكون سهلًا.
لم أخرج إلّا لأنّي لم أستطع البقاء مكتوفة اليدين.
ليتني أجدها في أيّ مكان.
طلبتُ من إيدن عناوين جميع متاجر الأعشاب في الشمال.
مررتُ على سبعة أماكنٍ كاملة، ومع ذلك لم أجد شيئًا، وكان ذلك باعثًا على اليأس.
ضغطتُ على ساقيّ المرتجفتين.
لكن لا يمكنني الجلوس هكذا.
ما زالت هناك العيادات.
العيادات التي تعجّ بالمرضى حاليًا عددها خمس.
ربّما أستطيع العثور عليها هناك.
نهضتُ من مكاني، وفجأةً خيّم ظلّ أمام عيني، وسقط شيءٌ على كتفي بخفّة.
شعرتُ بدفءٍ لطيف، وبثقلٍ يغطّي كتفي.
رفعتُ رأسي.
رائحةٌ مألوفة، لا تثير في نفسي أيّ نفور.
“……سموّ الدوق.”
“ما الذي تتجوّلين من أجله هذه المرّة؟”
جلس كريستن إلى جانبي.
شعرتُ وكأنّ جسدي البارد بدأ يدفأ.
أمسكتُ بالسترة التي لفّها حول كتفي.
حتى قلبي، الذي كان يبدو متجمّدًا، هدأ قليلًا.
“ما الذي تحتاجينه فتجوبين المكان هكذا؟”
“……هناك شيء يجب أن أحصل عليه مهما كان.”
تحرّك حاجبا كريستن.
“……افعلي ما تشائين. أنا أثق بكِ. لكن.”
رفع السترة التي كانت تنزلق عن كتفي وأحكمها.
“عليكِ أن تكوني حذرة. في وقتٍ كهذا، إن مرضتِ أنتِ أيضًا، فماذا سيفعل هذا الشمال؟”
ابتسمتُ بخفّة عند كلماته.
شعرتُ وكأنّ بعض القوّة دبت في داخلي.
كأنّه تشجيعٌ على الاستمرار في البحث.
“نعم، سأبذل جهدي!”
“لم أقصد ذلك…….”
“سأعثر عليها حتمًا!”
ضحك كريستن ضحكةً واسعة.
ضحكةٌ منعشة لا تليق بظروف هذا الزمن.
وبضحكته، شعرتُ وكأنّ قلبي قد تطهّر قليلًا.
* * *
في تلك الليلة.
كان رينترو جالسًا وحده في مسكن البستاني.
كان القصر الدوقي دافئًا، أمّا هنا فكان البرد قارسًا.
“اللعنة…… اللعنة…….”
كان يتمتم بالشتائم بلا توقّف.
ارتجف رينترو وهو يشدّ الغطاء حوله.
لم يكن يعرف حتى كيف يشعل المدفأة الزيتية في المسكن.
وخلال محاولاته الفاشلة لتحريكها بالعصا، استسلم في النهاية.
“لماذا أنا وحدي من يُعامَل هكذا؟”
كان القصر الدوقي ظاهرًا من النافذة.
أضواءٌ دافئة تشتعل في كلّ نافذة.
تخيّل الأشخاص الذين يعيشون هناك.
ثمّ تذكّر ما كان خارج أسوار القصر.
وجوه الناس الشاحبة وهم يسقطون متقيّئين دمًا.
كانوا يموتون.
ولو بقي هو في الخارج، لكان مصيره مثلهم.
ارتجفت يدُ رينترو.
ما زالت صرخاتهم ترنّ في أذنيه.
داخل القصر كان آمنًا نسبيًا.
وفي تلك اللحظة، سُمع من الخارج صوتُ سعالٍ خافت.
تجمّد رينترو في مكانه.
‘لا تقل…… الوباء……؟’
بدأت يداه ترتجفان بعنفٍ أكبر.
شدّ الغطاء بقوّة وانكمش على نفسه.
* * *
غرفة تشايس.
كان الأمير تشايس يقف أمام النافذة، يتأمّل مشهد الشمال الليلي بنظرةٍ مليئة بالاهتمام.
وصل إلى هنا قبل أيّامٍ قليلة، وخلال هذه المدّة القصيرة رأى وشعر بالكثير.
لماذا يخطر له أنّ فارس الموت، الذي يجتاح الشمال، سيُهزم هذه المرّة؟
تذكّر رويلا التي كانت غير مرتاحة له اليوم.
فابتسم دون وعي.
ما كان يثير فضوله الآن هو ردّ فعل كريستن، وخيار الشمال.
‘ثمّ…….’
نظر تشايس إلى يده.
‘ربّما أكون قد أُصبتُ بالعدوى بالفعل.’
لم يكن تشايس شخصًا متفائلًا.
لقد جال البلاد ورأى المرضى.
ورأى الناس وهم يحتضرون.
مات الآلاف، ومرض عشرات الآلاف.
هرب بعض الإقطاعيين، وأغلق آخرون أبواب قلاعهم واختبؤوا.
كانوا يخافون الوباء.
وبعضهم أحرق المرضى أحياء.
لكن أبواب القصر الدوقي ظلّت مفتوحة.
لم يكن كريستن ممّن يستسلمون.
ابتسم تشايس.
‘إنّه ممتع حقًّا.’
أراد أن يرى إلى أين سيؤول مصير الشمال.
‘وإن كنتُ قد أُصبتُ بالعدوى، فذلك أيضًا قدر.’
وفي كلتا الحالتين، لن يندم.
* * *
كانت السيّدة روزيت تمشي ببطء في الحديقة.
كان جسدها ثقيلًا، وكأنّ أوزانًا من الرصاص معلّقة بكلّ كاحل.
“كحّ، كحّ…….”
خرجت منها سُعلةٌ ثقيلة أخرى.
أسرعت السيّدة روزيت إلى تغطية فمها بالمنديل.
حاولت كبح السعال، لكنّها لم تستطع.
كان حلقها يتمزّق. بل جسدها بأكمله.
توقّفت عن المشي بسبب السعال الذي هزّ رئتيها بعنف.
“كحّ، كحّ…….”
اهتزّ جسدها.
تشبّثت بجذع شجرة لتستعيد توازنها بصعوبة.
وحين أنزلت المنديل، كان ملطّخًا باللون الأحمر.
‘مرّةً أخرى…….’
أخفت السيّدة روزيت المنديل الملطّخ بالدم في جيبها بسرعة.
كان هذا ثالث مرّة في يومٍ واحد.
ولهذا كانت في طريقها إلى الطبيب للحصول على الدواء.
شعرت بأنّ حالتها تسوء تدريجيًا.
لكن لم يكن بوسعها أن ترتاح. فالدوق كان بحاجةٍ إليها.
كان هناك جبلٌ من الأعمال التي يجب إنجازها.
ومن دونها، سينهار كلّ شيء.
عاد السعال مرّة أخرى، وهذه المرّة كان أعنف، حتّى انحنى جسدها للأمام.
ازدادت بقع الدم على المنديل. لم يعد…… التنفّس سهلًا.
ستتحسّن حالتها بعد تناول الدواء.
جلست السيّدة روزيت قليلًا على مقعد الحديقة، تلتقط أنفاسها.
طوت المنديل الذي ازداد تلوّنه بالدم وأعادته بحذرٍ إلى جيبها.
كانت يدُها ترتجف بخفّة.
فارس الموت.
مرّت الكلمة في ذهنها.
كانت تعلم منذ الصباح أنّ حالتها غير طبيعية.
جبينها كان ساخنًا، وجسدها واهنًا.
الأعمال التي اعتادت إنجازها بسهولة بدت اليوم شاقّة.
كانت تلهث عند صعود الدرج، وتشعر بثقلٍ في ذراعيها عند حمل الأوراق.
ارتجف جسدها كأنّه يتشنّج، وتشوشّ بصرها.
لم تستطع حتى إخراج المنديل.
خرج شيءٌ دافئ من فمها مع السعال.
غطّت فمها بيدها، لكن دون جدوى.
شعرت بالدم الساخن يسيل بين أصابعها.
بدا لها وكأنّ الأرض تتمايل.
لا، كأنّ العالم بأسره ينقلب.
دار كلّ شيء أمام عينيها، فأغمضتهما.
طنينٌ حادّ في أذنيها.
لكنّ جسدها لم يتحرّك. لم تستطع تحريك إصبعٍ واحد.
كأنّها تحوّلت إلى حجر، أو شجرةٍ مغروسة في الأرض.
كلّ ما شعرت به هو ازدياد الثقل.
انهارت السيّدة روزيت مستندةً إلى المقعد.
مال رأسها إلى الجانب.
كانت جفونها ثقيلة كأنّها مصنوعة من الرصاص.
أرادت فتحها، لكنّها لم تستطع.
بدأ وعيها يتلاشى، كأنّها تغرق في ضباب.
ابتعدت الأصوات، اختفت الأحاسيس، وتبعثرت الأفكار.
سقطت يدُ السيّدة روزيت بلا قوّة إلى جانب المقعد.
من بعيد، سُمع زقزقةُ طائر، وصوتُ الريح وهي تمرّ بين الأشجار.
لكنّ السيّدة روزيت لم تعد تسمع شيئًا.
كانت فقط تنزلق إلى الظلام، إلى ظلامٍ عميقٍ وبارد.
وكان صاحبُ صوت السعال الذي سمعه رينترو
هو السيّدة روزيت.
التعليقات لهذا الفصل " 44"