“إذًا، السؤال التالي. مشروعُ تحسينِ النظافة؟”
“ذلك أيضًا كان باقتراحي.”
“ولِمَ اخترتِ النظافة تحديدًا؟”
“لأنّ معدّل الوفيّات في الشمال كان مرتفعًا.
وخاصةً وفيّات الرضّع.
وعندما تحقّقتُ من الأمر، تبيّن أنّ معظمها بسبب الأمراض، وتلك الأمراض نابعة من مشاكل صحيّة.”
أسند تشايس ذقنه إلى يده وحدّق بي.
“غريب فعلًا. معظم النبلاء لا يهتمّون أصلًا بمعدّلات وفاة العامّة.”
“أنا أرى أنّ البشر ثروة.
فكلّما زاد عددُ الرعيّة الأصحّاء، ازدهرت الأرض أكثر.”
“تفكير عمليّ. جديد أن يفكّر أحدٌ من النبلاء بهذه الطريقة. فهم يظنّون أنّ المال يتدفّق من تلقاء نفسه.”
ضحك تشايس بخفّة.
وانثناءُ عينيه ذلك جعلني غير مرتاحة إطلاقًا.
لماذا ينظر إليّ هكذا؟
أنا متوتّرة فعلًا.
ضغطتُ شفتيّ بقوّة.
“ولهذا أنشأتِ نظامَ معالجة النفايات، وفصلتِ مياه الصرف، وبنيتِ المراحيض العامّة؟”
“نعم. رأيتُ أنّها الأكثر فاعليّة في الوقاية من الأمراض.”
فهذا من أبسط المسلّمات حيث عشتُ سابقًا.
“تقديرٌ إذًا…
هل درستِ الطبّ من قبل؟”
“لا. درستُ واجتهدتُ فحسب.
ولولا دعمُ سموّ الدوق لما كان ذلك ممكنًا.”
“متواضعة أيضًا.”
انحنى تشايس إلى الأمام، فسارعتُ إلى التراجع إلى الخلف، حتّى كدتُ أنغرس في الأريكة.
أملتُ برأسي بعيدًا لأتجنّب اقترابه.
هذا مرهق فعلًا.
لا، هذا الأمير لم يكن بهذه الشخصيّة في الرواية.
“قولي لي بصراحة.
هل فكّرتِ وحدكِ بكلّ هذا؟
أم تعلّمتِه من شخصٍ ما؟”
“سموّ الأمير، ماذا تقصد…؟”
“آه، لا تسيئي الفهم. لا أشكّ فيكِ.
أنا فقط فضوليّ. كيف ظهر شخصٌ مثل رويلا؟
في هذه الإمبراطوريّة الواسعة، وجود موهبة واحدة مثلكِ أمر مدهش.”
“أنا شخصٌ عاديّ.”
“عاديّ؟”
انفجر تشايس ضاحكًا.
“نادرٌ أن يكون أحدٌ غير عاديّ مثلكِ.
لقد غيّرتِ الشمال إلى هذا الحدّ.”
“من نفّذ فعليًّا هو سموّ الدوق.”
“تواضعٌ مجدّدًا.”
تنفّس تشايس بعمق وأسند ظهره.
أخيرًا شعرتُ أنّني أستطيع التنفّس.
أعدتُ عنقي إلى وضعه الطبيعيّ بعد أن كاد يتمدّد كعنق الزرافة.
“حسنًا. سؤالٌ أخير فقط.”
“تفضّل.”
“ما رأيكِ بكريستن؟”
سؤالٌ غير متوقّع. توقّفتُ لحظةً.
“تقصد سموّ الدوق؟”
“نعم. سيّدكِ. ما رأيكِ به؟”
كيف أجيب؟
لا أفهم نيّته من السؤال.
“…إنّه رئيسٌ جيّد؟”
“هه. جيّدٌ كرئيس. وماذا غير ذلك؟
هل هو رجلٌ صالح للشمال؟”
“إنّه شخصٌ عظيم.”
“وماذا عن الإمبراطوريّة؟”
الآن فقط بدأتُ أفهم.
هو يسأل إن كان كريستن نافعًا للإمبراطور والإمبراطوريّة أم عائقًا.
“إنّه رجلٌ سيبذل أقصى ما لديه بصفته تابعًا للإمبراطوريّة.”
أنا أضمن ذلك.
كريستن يحبّ الإمبراطوريّة بطريقته، ولديه حسّ وطنيّ.
“أفهم.”
أومأ تشايس.
“إذًا، ما المشاعر التي تحملينها تجاه كريستن؟
لا أقصد العمل، بل شخصيًّا.”
يسأل عن كلّ شيء فعلًا.
“…أحترمه.”
تغيّرت نظرة تشايس قليلًا.
“احترام؟ أهذا كلّ شيء؟”
“سموّ الأمير، ماذا تريد أن تسمع؟”
“أردتُ فقط معرفة سبب ولائكِ له.
هل المال؟
المنصب؟
أم…”
توقّف لحظة، ثمّ تابع.
“سببٌ آخر؟”
“سموّ الدوق منحني فرصة. وثق بقدراتي، واحترم رأيي. وهذا سببٌ كافٍ.”
فنادرٌ أن يوجد رئيسٌ كهذا.
ليس نادرًا فقط وجود الموهوبين، بل نادر أيضًا من يصغي إلى من هم أدنى منه.
“همم.”
هزّ تشايس رأسه.
“حسنًا. إجابة جيّدة. وكافية.”
نهض فجأة.
“سؤالٌ أخير حقًّا. ألا تخافين من الوباء؟”
تفاجأتُ بالسؤال.
“بالطبع أخاف. قد نموت.”
“ومع ذلك تبقين هنا؟”
“لأنّه لا مكان أهرب إليه. ولأنّ هذا مكاني.”
ارتسمت على وجه تشايس ابتسامة رضا.
“وأنتَ، سموّ الأمير، ألا تعود؟”
رجاءً، عُد.
أنا متعبة حقًّا.
“ولِمَ؟ حتّى لو متُّ هنا فلن أندم.”
قالها مازحًا.
“في الحقيقة، أنا فضوليّ أيضًا. كيف ستُحلّ هذه الأزمة. وخاصةً أيّ حلّ ستقدّمينه أنتِ.”
“أنا؟”
“نعم، أنتِ. أشعر أنّكِ ستجدين طريقةً ما.”
لمعت عينا تشايس. لا أفهم لماذا يقيّمني بهذا الارتفاع. مع أنّه… حسنًا، أنا كفؤة فعلًا.
قال تشايس بحماس.
“وأنا أريد أن أرى ذلك. أيّ معجزةٍ أخرى ستصنعين.”
لم أجد ما أقول.
هذا الرجل… ماذا يريد بالضبط؟
“لا تقلقي. أنا في صفّكِ.”
قال تشايس وهو يفتح الباب.
“على الأقلّ الآن.”
وما معنى ذلك؟
ضيّق تشايس عينيه وسأل مجدّدًا.
توقّف عن الأسئلة، رجاءً.
“إن لبّيتُ شروطكِ، هل تفكّرين بالعمل معي؟”
“أبدًا.”
انفجر تشايس ضاحكًا من قلّة حيلة.
ضحكٌ صادقٌ أراح الصدر.
وبينما كان يمسح دموعه، نظرتُ إليه بامتعاض وتنهدّت، فجاء سؤالٌ آخر.
“وماذا عن العمل من أجل جلالة الإمبراطور؟”
إذًا هذا هو هدفه في النهاية.
في الحقيقة، كان الوصول إلى القصر الإمبراطوري أحد أهدافي.
لكن ليس الآن…
كنتُ أستمتع برؤية الشمال يتغيّر.
وبشعوري بالإنجاز لأنّني أُحدث فرقًا حقيقيًّا.
لا أريد الرحيل الآن.
“لا أرغب حاليًّا.”
“أفهم. وماذا عن لاحقًا؟”
“سأفكّر حينها. اسألني مرّةً أخرى في المستقبل.”
“حسنًا. إذًا سأقف في الطابور منتظرًا.”
ابتسم تشايس بسعادةٍ
وكان ذلك أوّل مرّة يبدو فيها صادقًا حقًّا.
[م.م : ما فهمتك دحين يا تشايس انت شخص سيء أم شرير ؟]
* * *
في الوقت نفسه.
كانت إليشا مع كريستن. أن تكون خلفه كان عملها.
حين يكون كريستن مع رويلا، كان يلتفت مرارًا.
يتبادل معها النظرات، ويصغي إلى حديثها.
كان يتذوّق صوت رويلا بعينين نصف مغمضتين.
لكنّه الآن لم يلتفت ولو مرّة واحدة.
عضّت إليشا شفتها بقوّة.
‘كلّ هذا بسبب تلك المرأة.’
كان كريستن ينظر إلى الباب فقط، كوحشٍ مروّض.
“وأين رويلا؟”
“يبدو أنّها ما زالت تتحدّث مع الأمير تشايس.”
أجاب إيدن بوجهٍ متعب.
“إلى الآن؟ ما الذي يمكن أن يتحدّثا عنه كلّ هذا الوقت؟”
ارتعش حاجبا إيدن.
“هل تعلم أنّك تسأل كلّ خمس دقائق؟
لو كنتَ ستقلق هكذا، لِمَ لم تُحضرها معك؟”
“ربّما كان ذلك أفضل.”
نهض كريستن، فنهضت إليشا خلفه.
مدّت إليشا يدها نحوه.
“سيدي الدوق…!”
أرادت أن يلتفت إليها. أن يتحدّث معها.
لكن…
طَقّ طَقّ. صوت طرقٍ على الباب.
“سأدخل.”
يا له من توقيتٍ سيّئ.
“عدتُ!”
دخلت رويلا بابتسامةٍ مشرقة.
وعندما رأت إليشا كريستن يجلس من جديد وكأنّه ينهار في مكانه، عضّت شفتها بقسوة.
التعليقات لهذا الفصل " 43"