بعد أيّامٍ قليلة، كان بابُ القصرِ الدوقي صاخبًا على غير العادة.
وقف كريستن عند نافذةِ مكتبِه، يطلّ على الفوضى خارجها.
العربةُ التي توقّفت بين الحراس كانت عربةَ شخصٍ لا يملك أيّ صلاحيّةٍ للدخول.
نزل رينترو من العربة مترنّحًا، وكأنّه يتدحرج منها، ثمّ أمسك بقضبان البوّابة وراح يهزّها ووجهه شاحب.
حاول الفرسان المناوبون منعه، لكنّه كان عنيدًا بلا حدود.
“افتحوا الباب! فورًا!”
دوّى صوتُ رينترو الهستيريّ الحادّ داخل القصر الدوقي.
كانت عيناه متّسعتين كمن أصابه الذعر.
“الوباء ينتشر! الخارج خطر! أرجوكم، افتحوا الباب! هل تريدون رؤيتي أموت؟!”
نظر كريستن إلى الخارج، ثمّ أصدر أمرًا باردًا إلى إيدن.
“أدخلوه، لكن لا تسمحوا له بتجاوز باب المدخل.
سأنزل بنفسي.”
“مولاي، هل تقصد أن ندخله إلى القصر؟”
سأل إيدن بذهول.
“نعم.”
نزلتُ خلف كريستن.
وكانت إليشا وإيدن معنا.
ما إن دخلنا الحديقة، حتّى سبقنا صوتُ تنفّس رينترو الخشن اللاهث.
كان وجهه ملتويًا بالغضب، وكأنّه على وشك الانفجار.
“تبًّا!”
بصق رينترو باتّجاه كريستن.
لكنّ البصاق لم يُصب ثيابه، وسقط على الأرض بلا جدوى.
“والدي يلعنكَ الآن من الجحيم! أيّها الوغد القذر!
لا أصدّق أنّ شخصًا مثلك هو سيّد آكراسيا!
أعمى لا يعرف حتى دمه ونَسَبه!”
اندفع رينترو نحو كريستن، لكنّ كريستن أسقطه بإصبعٍ واحد.
تدحرج رينترو على الأرض بعد أن دُفع جبينه، وضرب الأرض بيده وهو يصرخ قهرًا.
“يا أجدادي! يا أسلاف آكراسيا!
أترون هذا؟!
هذا الوغد يعامل أخاه بهذا الجفاء!
يقول لي اخرج ومتّ في الخارج إن شئت!”
أطلق كريستن ضحكةً ساخرة قصيرة.
“اصمت.”
بكلمةٍ واحدة، انقطع كلام رينترو، ولم يبقَ سوى صوت شهقته المتقطّعة.
كان صبر كريستن عليه حتّى الآن إنجازًا بحدّ ذاته.
كان صوتُ كريستن منخفضًا إلى حدّ جعلني أنا نفسي أنكمش.
“دمُ آكراسيا؟”
اقترب كريستن من رينترو ببطء وسأله ببرود.
“هل تتذكّر ما الذي فعله والدك؟”
ازداد وجهُ رينترو شحوبًا.
“وابنُ شخصٍ كهذا، يجرؤ على الحديث عن دم آكراسيا هنا؟”
تراجع رينترو إلى الخلف.
نظر حوله، ثمّ أدرك أنّه لا يوجد أحد سيساعده، فخرّ على ركبتيه فجأة.
“أرجوك… الوباء ينتشر يا أخي.
اسمح لي فقط بالبقاء هنا!”
يا له من ذليل.
حدّق كريستن فيه ببرود وأعلن دون تردّد.
“سأعطيك مسكنَ البستاني.”
“مسكن البستاني؟!”
صرخ رينترو غير مصدّق.
يا له من وقح.
يأتي بلا مقابل، ثمّ يختار مكان نومه أيضًا؟
حقًّا، لا عجب أنّه شرير الرواية.
التفت رينترو نحوي.
كانت نظرته توحي بأنّه ينتظر منّي أن أفعل شيئًا.
هززت كتفيّ ونفيت برأسي.
ارتجف جسده وهو يصرّ على أسنانه.
“كيف تريدني أن أعيش في مكانٍ كهذا؟!”
“إن لم يعجبك، فعد من حيث أتيت.
وبصراحة، لا يهمّني إن متَّ هناك ومزّقتك الفئران.
ألم تقل إنّي أعمى لا يعرف حتى دمَه؟”
طبق رينترو فمه وهو يلهث بحدّة.
يبدو أنّه أدرك أنّه لن يحصل على شيءٍ أكثر من هذا.
التفت كريستن يبحث عن السيّدة روزيت.
“سيّدة روزيت، أرشديه إلى مسكن البستاني.
ولا تسمحي له بدخول القصر إطلاقًا.
وإن دخل دون إذن، اقطعي كاحله.”
“نعم، سموّ الدوق.”
استدار كريستن دون أيّ تردّد.
يا له من حاسم. نعم، هذا الطبعُ يجب أن يكون موجودًا في البطل.
نظرتُ إلى رينترو بطرف عيني.
كان منكفئًا، وكتفاه ترتجفان.
ماذا؟
هل يبكي؟
يا للغرابة.
أمسك الأمير تشايس بكريستن عند مدخل القصر.
“ألا ترى أنّك قاسٍ أكثر من اللازم؟”
“هذا شأنٌ عائلي.”
نفض كريستن يده ببرود.
“وإن كان سموّ الأمير يخشى أوضاع الشمال، فبإمكانه العودة.”
“مهلًا. لا أريد أن تصلني الشرارة.
أنا بدأت أستمتع الآن.”
الوباء… ممتع؟
يا له من مجنون جديد.
هززت رأسي سرًّا.
لكن في اللحظة التي لاحظتُ فيها نظرة تشايس المهتمّة نحوي، سرت قشعريرة في جسدي.
ما به؟
لماذا ينظر إليّ هكذا؟
لا تنظر.
“لنتحدّث قليلًا.”
“…أنا؟”
“الدوق كريستن. لديّ بعض الأسئلة لمساعدك.
هل تسمح لي باستعارة مساعدتك قليلًا؟”
ارتعش حاجبا كريستن.
“…إنّها إنسانة، لا غرضٌ، سموّ الأمير.”
“أعلم. لكنّك صاحبها.”
“أنا ربّ عملها.”
“حسنًا. المعنى واحد.”
يا له من شخص لا يُفهم.
تنفّس كريستن بعمق ونظر إليّ بقلق.
أنا بخير. أومأتُ برأسي، وعندها فقط وافق.
“نعم، لا بأس.”
ابتسم تشايس ابتسامةً دائرية.
قادني الأمير تشايس إلى صالونٍ صغير في القصر، يُطلّ على الشمال بأكمله.
في العادة كان يعجّ بالحياة، أمّا الآن فالشوارع خاوية.
الخوف من الوباء حبس الناس في بيوتهم.
جلس تشايس على الأريكة وأشار إليّ أن أجلس، وكأنّه سيّد المكان.
كم هو واثق بنفسه.
جلستُ بحذرٍ في الجهة المقابلة، بأقصى مسافةٍ ممكنة.
“اجلسي براحةٍ لن أستجوبكِ.”
قال مبتسمًا، لكنّ عينيه كانتا حادّتين.
لم يختفِ خوفي.
اتّكأ على الأريكة وحدّق بي.
“أوّلًا، مشروع المحاجر. هل كان فعلًا من تخطيط الآنسة رويلا؟”
“نعم.”
“همم. كيف خطرت لكِ هذه الفكرة؟
الجميع يعلم بوجود الرخام في الشمال، لكن لم يفكّر أحد بتحويله إلى تجارة.”
رتّبت أفكاري قليلًا.
“أثناء دراسة موارد الشمال.
قدّمت الاقتراح، وسموّ الدوق قبله.”
“وكيف كانت الخطوات؟”
“جمع عمّال المحاجر، تأمين طرق النقل، إيجاد المشترين…هل أُكمل؟”
أومأ تشايس.
“لا، فقط أردت التأكّد أنّكِ فعلتِ هذا بنفسك.
لكن كيف تمكّنتِ من إنجاز كلّ ذلك؟”
“تعلّمتُ أثناء العمل.”
“تعلّمتِ؟”
ارتفع حاجباه.
“ليس كلّ من يتعلّم ينجح مثلكِ.”
ابتسم ببطء. شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري.
لماذا ينظر إليّ وكأنّي فريسة…؟
ارفعَ هذه النظرة الغريبة عنّي!.
التعليقات لهذا الفصل " 42"