كان المكانُ الأوّل هو البئرَ في المنطقةِ الشرقيّة.
كانت بئرًا قديمةً تقع في وسطِ ساحةٍ صغيرة، يستخدمها سكّانُ المنطقةِ للشرب.
في النهار، كان الناسُ يصطفّون لجلبِ الماء، أمّا في الليل فلا يكون هناك أحد.
تفحّصت إليشا ما حولها.
لم يكن هناك أيّ أثرٍ للحركة.
فكّت الكيس، وألقت جزءًا ممّا بداخله في البئر.
تشبونغ.
تشبونغ.
تشبونغ.
توالت أصواتُ سقوطِ الأشياء في الماء، ثمّ سرعان ما عمّ السكون.
طوت إليشا الكيس الصغير الذي بقيت فيه جثثُ الفئران، وأخفته داخل عباءتها.
ثمّ غادرت المكان بهدوء.
فجرَ اليوم التالي.
كان الدور على نهرِ المنطقةِ الغربيّة.
كان مجرىً مائيًّا صغيرًا يغسل الناسُ فيه الملابس، وأحيانًا يستقون منه الماء.
كان ضحلًا لدرجة أنّ الأطفال كانوا يلعبون فيه صيفًا.
كانت تحمل في يدها كيسًا صغيرًا جزّأت فيه ما تبقّى من الأمس.
انعكس ضوءُ القمر على سطحِ الماء فتألّق بلونٍ فضّي.
كان منظرًا هادئًا.
ألقت إليشا ما في الكيس داخل الماء.
اختلطت فضلاتُ الفئران والطفيليّات والبكتيريا العالقة بأجساد الفئران بالماء.
التقطت إليشا الكيس الفارغ ومضت.
في الليلةِ الثالثة، كانت الوجهةُ بئرَ الساحةِ المركزيّة.
كانت أكثر الآبار استخدامًا.
بئرٌ تُدار بنظافةٍ جيّدة، تقع مباشرةً إلى جانبِ المرحاضِ العام الذي أنشأته رويلا.
كان هذا المكانُ لافتًا للنظر أكثر من اللازم.
كما أنّ دورياتِ الحرس كانت متكرّرة.
لذلك كان عليها أن تتحرّك بحذرٍ أشدّ من اليومين السابقين.
تصرفت إليشا وكأنّها إحدى سكّان القرية جاءت لتشرب الماء.
كان عددُ الفئران التي اصطادتها اليوم أكبر قليلًا.
كان ضوءُ المصابيح يضيء الساحة بخفوت.
تحرّكت إليشا متتبّعةً الظلال.
اقتربت من البئر.
سُمِع صوتُ خطواتِ أحد الحرس في دوريته.
وضعت يدها على صدرها الذي كان يخفق بقوّة، وتحرّكت بحذر.
سكبت إليشا محتويات الكيس داخل البئر.
شقّ صوتُ “تشبونغ” سكونَ الليل.
حملت الكيس الفارغ وغادرت المكان بسرعة.
الآن، لم يبقَ سوى انتظار النتائج.
عادت إليشا إلى غرفتها.
نزعت ثيابها المبتلّة بالعرق، وغسلت يديها، ثمّ استلقت على السرير.
لم يأتِها النوم.
كانت تعرف العلاج، لذا يمكنها إصلاح كلّ شيء.
وهكذا ابتلعت إليشا ذنبها.
* * *
بعد أسبوع.
سُجّلت أوّل إصابة في المنطقةِ الشرقيّة.
كان المصابُ صاحبَ محلٍّ للأحذية يعيش قرب البئر.
عانى من حمّى شديدة منذ الصباح، ثمّ سقط أمام متجره قرابة الظهيرة.
نقله الجيران إلى منزله، لكنّ وجهه كان قد شحب، وتحول لون شفتيه إلى الأزرق.
“أحضروا طبيبًا! بسرعة!”
صرخت زوجته.
وصل الطبيب مسرعًا، لكن قبل أن يتمكّن من التشخيص بدأ المريض يتقيّأ دمًا.
اندفع الدم القاني من فمه بغزارة.
تجمّد وجه الطبيب شاحبًا.
“هذا… لا يمكن أن يكون….”
أمر فورًا بالعزل.
لكنّ الوقت كان قد فات.
بدأت زوجةُ صاحب المحل تُظهر الأعراض نفسها.
حمّى مرتفعة، سعال، وتقيّؤ دم.
العجوزُ التي تسكن البيت المجاور، وابنُ الحدّاد في الجهة المقابلة، سقطوا واحدًا تلو الآخر.
جميعهم شربوا من البئر نفسها.
ظهرت إصاباتٌ أيضًا في المنطقةِ الغربيّة.
انهارت امرأة كانت تغسل الملابس عند النهر.
أخذتها ابنتها إلى البيت، لكن في صباح اليوم التالي فقدت الابنة وعيها بالأعراض نفسها.
قرب الساحةِ المركزيّة، تزايد عددُ المصابين.
ولأنّ البئر هناك كانت الأكثر استخدامًا، كان انتشار العدوى أسرع.
عشرة في اليوم.
ثمّ عشرون، ثلاثون، خمسون.
بدأ الرعبُ يجتاح الشمال.
“إنّه فارسُ الموت!”
“عاد مرضُ الموت!”
“لقد تُخلي عنّا!”
خاف الناس من الخروج إلى الشوارع.
أغلقت المتاجر أبوابها.
خلا السوق، وتحولت الشوارع التي كانت تضجّ بضحكات الأطفال إلى صمتٍ كالموت.
[م.م : لو تُركت إليشا الملبوسة تعيش إلين نهاية الرواية بشنق المؤلفة شنقة اطيح حظها فيها]
* * *
مكتبُ العمل في القصرِ الدوقي.
كان وجهُ كريستن شاحبًا أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
وذلك مفهوم.
لقد جاء فارسُ الموت.
كان هذا المرضُ، المسمّى فارس الموت، مرضًا ابتكره المؤلّف لهذا العالم، وكان يشبه الطاعون الأسود إلى حدٍّ ما.
لذلك بدا الاسم منطقيًّا.
فالطاعون الأسود مرضٌ وبائيٌّ مشهور تاريخيًّا.
على أيّ حال، كان فارسُ الموت يجتاح الشمال.
وأمام كريستن تراكمت تقاريرُ المناطق الشماليّة كالجبل.
“عدد المصابين تجاوز المئة بالفعل. ولم يمضِ على ظهور المرض سوى يومين فقط.
يا صاحب السمو، قد نضطرّ إلى… إغلاق الشمال.”
قال إيدن بصوتٍ مرتجف.
“عدد الوفيّات خمسة. ومن المتوقّع أن يزداد عدد الوفيّات والمصابين.”
كنتُ جالسةً أمام المكتب أقرأ التقارير.
شحب وجهي، وارتجفت يداي قليلًا.
كنت أعلم، لكن مواجهة وباءٍ حقيقيٍّ كانت مرعبة.
ماذا لو أُصبتُ أنا أيضًا؟
هل أموت هنا؟
تذكّرتُ جهود الأشهر الماضية.
نظام معالجة النفايات، فصل الصرف الصحي، تحسين النظافة.
ظننتُ أنّنا استعددنا لكلّ شيء ونجحنا.
لكن فارسَ الموت كان ينتشر.
وبوتيرةٍ أسرع من الرواية الأصليّة.
نظرتُ حولي في المكتب.
كريستن، إيدن.
وإليشا الجالسة بهدوء في الزاوية، والعديد من العاملين في القصر الدوقي.
أناسٌ شاركتهم يومي وحياتي، وقد يموتون غدًا.
استُدعي أطباء القرية، وأطباء القصر الإمبراطوري الذين جاء بهم الأمير تشايس، وأطباء الدوقيّة جميعًا.
“من يعرف طريقة العلاج، فليرفع يده.”
لم يرفع أحدٌ يده.
تبادلوا النظرات فقط.
أخيرًا، تشجّع أكبر الأطباء سنًّا وتكلّم.
“عدد المصابين كبير جدًّا بالفعل.
ولا يوجد… علاج.
علينا انتظار أن ينسحب فارسُ الموت من تلقاء نفسه.”
ساد الصمت.
صمتٌ ثقيل، يائس.
“فارسُ الموت… هو مرضُ موت.”
قال الطبيب العجوز وهو يهزّ رأسه.
“ظهر أوّل مرّة منذ مئات السنين.
اجتاح القارّة، ومات عشرات الآلاف.
لم يكن هناك علاج.
لم يكن بوسعنا سوى مشاهدة الناس وهم يموتون.
ومنذ ذلك الحين، هناك سجلاّت لقرى أُبيدت بالكامل بسبب فارس الموت.”
كان وجه الطبيب ممتلئًا بالخوف.
ابتلع الجميع ريقهم.
لحسن الحظ، العلاج موجود لديّ.
وموجود لدى إليشا أيضًا.
راقبتُ إليشا من طرف عيني.
في الرواية الأصليّة، كانت هي من اكتشف العلاج.
كيف فعلت ذلك؟
هل لا تعرفه بعد؟
لماذا تلتزم الصمت؟
بدأ القلق يتملّكني.
ثمّ تذكّرت أنّها لم تبدأ بصنع العلاج إلا بعد وفاة أكثر من مئتي شخص في الرواية.
جنون.
هل ما زال الطريق طويلًا؟
هل عليّ أن أشاهد الناس يموتون؟
مرّت في ذهني وجوه من أعرفهم ومن ربطتني بهم علاقة.
عضضتُ على شفتي بقوّة.
أردتُ أن أرفع يدي فورًا وأصرخ بأنّي أعرف العلاج.
لكنّ ذلك لم يكن ممكنًا بعد.
لصنع العلاج، نحتاج إلى مادّتَين أساسيّتَين.
إحداهما سهلة المنال.
وهي العفنُ الأزرق.
بل ويمكن استخدامه كدواء دون تنقيته.
أمّا الأخرى…
حوّلتُ نظري إلى خارج النافذة.
كان الخريف يلوّن العالم ببرودته.
أوراقٌ حمراء تطرّز الأشجار.
عضضتُ شفتي مجدّدًا.
سأبحث عنها.
حتى لو انهارَت السماء، فثمّة مخرج.
وإليشا ستتحرّك أيضًا.
لا، لا.
في البداية، كانت إليشا تعرف مادّةً واحدة فقط من مكوّنات العلاج.
ولهذا، مات نصف من تناولوا الدواء بسبب سُميّته.
لن يُصنع العلاج الكامل إلا في ربيع العام القادم.
بعد سقوط عددٍ هائل من الضحايا.
وبحسب الرواية، لم تكن إليشا تعلم بسُميّة الدواء.
ولهذا عاشت طويلًا وهي تعاني من الشعور بالذنب.
وكان كريستن يواسيها، لتتقدّم الرومانسية بينهما.
حسنًا.
سأبحث سرًّا، قبل أن تعلن إليشا العلاج، وبأقصى سرعة.
“إذًا، هل يُفترض بنا أن ننتظر هكذا دون أن نفعل شيئًا؟”
“اعزلوا المصابين. وأحرقوا الأماكن التي عاشوا فيها، وأحرقوا الجثث أيضًا.
لا يوجد حلّ آخر حاليًّا. أعتذر.”
أنّ كريستن أنّةً خافتةً متأسفةً. كان وجهه شاحبًا.
وبرؤيته، تجمّد قلبي أنا أيضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 41"