قالَ إيدن على عجل:
“لا يمكنُ ذلك! إنّه خطيرٌ جدًّا!”
“لكن، هل ستأتي فرصةٌ أفضل من هذه؟
يمكننا معرفةُ من يقفُ خلفَ السيد رينترو، وما إذا كان له متعاونون في الشمال. كما يمكننا مراقبةُ ما إذا كانت العائلةُ الإمبراطوريّة حقًّا في صفّه.”
سكتَ كريستَن طويلًا.
كنتُ أشعرُ أنّه لو ضغطنا قليلًا على رينترو، فسينطقُ بكلّ شيء.
كان يبدو مُهمِلًا إلى هذا الحدّ.
راحَ ينقُرُ سطحَ المكتب بأصابعه، غارقًا في التفكير.
انتظرتُه بقلق.
وأخيرًا، فتحَ كريستَن فمَه.
“…حسنًا.”
“يا صاحبَ السموّ!”
اعترضَ إيدن، لكنّ كريستَن رفعَ يدَه ليمنعه.
“لكن بشرط. لا تتحرّكي وحدكِ أبدًا. سيكون هناكَ دائمًا مَن يتبعُكِ كظلّكِ.وعليكِ أن ترفعي تقريرًا كلَّ يوم. وإن رأيتُ الأمرَ خطيرًا، سيتوقّف فورًا.”
“مفهوم.”
“ولا تُجهدي نفسَكِ أبدًا. لا أريدُ أن تُصابَ الآنسةُ رويلا بأذى.”
كانت نظرتُه جادّة. أومأتُ برأسي. إنّه حنونٌ فعلًا.
“نعم، يا صاحبَ السموّ. أعدُكَ.”
تنفّسَ كريستَن زفرةً خفيفة.
قبضتُ يدي بإحكام.
‘حسنًا.
هذه المرّة، سأجعلُ الأمورَ تختلفُ عن الروايةِ الأصليّة.’
سأمنعُ مؤامرةَ رينترو،
وأحمي كريستَن،
و…
سأنجو بنفسي أيضًا.
* * *
في اليومِ التالي.
استيقظَ الأميرُ تشايس مبكّرًا، ووقفَ في شرفةِ القصرِ الدوقيّ.
كان ضبابُ الفجرِ يلفُّ الشمالَ برفق.
ومع شروقِ الشمس ببطء، أخذَ الضبابُ يتلاشى، لتنكشفَ تحته ملامحُ الشمال.
“الشمالُ مستقرٌّ للغاية في الوقتِ الحالي.”
ظلَّ صوتُ رويلا يتردّدُ في أذنِه.
كانت تتحدّثُ بثقةٍ لا تحتملُ الشكّ.
أعادَ تشايس التفكيرَ في كلماتِها وهو ينظرُ إلى الأسفل.
تحتَ القصرِ الدوقيّ، بدتِ البلدةُ واضحةً.
وخلفَها، امتدّت أراضي الشمال الشاسعة.
“مستقرّ…،”
تمتمَ تشايس بصوتٍ خافت.
في الحقيقة، كان يتوقّعُ أن يكونَ الشمالُ مضطربًا.
كان يظنّ أنّ كريستَن يعاني من تسمّمٍ سحريّ، وأنّه بلا وريث، وأنّ الوضعَ الاقتصاديّ متدهور.
لكنّ المشهدَ أمامَه كان مختلفًا.
حين انقشعَ الضبابُ تمامًا، ظهرتِ البلدةُ بوضوح.
طرقٌ معبّدةٌ ونظيفة، مبانٍ مرتّبة، أناسٌ يتحرّكون بنشاط.
كلّ ذلك كان ظاهرًا للعين.
قالَ تشايس لخادمه:
“أرغبُ اليومَ في التجوّل في البلدة. بهدوء.”
“نعم، يا صاحبَ السموّ. سأُعدّ الأمر.”
أرادَ تشايس أن يرى الشمالَ الحقيقيّ.
أن يرى كيف يعيشُ الناسُ فعلًا.
* * *
الساعةُ العاشرة صباحًا، وسطُ بلدةِ الشمال.
خرجَ تشايس إلى البلدة مرتديًا لباسًا نبيلًا بسيطًا بدلَ الزيّ الإمبراطوريّ الفاخر.
من بعيد، كان يبدو كنبيلٍ ثريٍّ لا أكثر.
ما إن دخلَ ساحةَ البلدة، حتّى كان أوّلَ ما لفتَ نظرَه هو الناس.
أصواتٌ حيويّة، بيعٌ وشراء، ضحكات، وأطفالٌ يركضون.
مشهدٌ مألوف، لكنّه في الوقتِ نفسه نادر.
‘هذا هو… الشمال؟’
ضيّقَ تشايس عينيه.
لم يكن هذا هو الشمالَ الذي يعرفُه.
حين زارَ الشمالَ سابقًا، كان قاحلًا وفقيرًا.
كان الناسُ قساة، والبلدةُ غيرَ منظّمة، والجميعُ يبدون مُنهكين.
كان ذلك في بدايةِ تولّي كريستَن شؤونَ الدوقيّة.
لكنّ الوضعَ الآن مختلفٌ تمامًا.
“انظرَ إلى هناك، يا صاحبَ السموّ.”
أشارَ الخادمُ إلى أحدِ الجوانب.
محالٌّ منظّمةٌ تقفُ في صفوف:
مخبز، متجرُ ملابس، متجرُ أدوات، مكتبة.
كانت تعجُّ بالزبائن.
توقّفَ تشايس أمامَ مخبز.
كان في الواجهة خبزٌ طازج، وتفوحُ رائحةُ الخبزِ الدافئ. رائحةُ وفرة.
تقدّمَ تشايس من صاحبِ المخبز.
“عذرًا، هل تسيرُ تجارتُكَ على ما يُرام؟”
“آه، نعم! إنّها ممتازة هذه الأيّام!”
أجابَ صاحبُ المخبز بابتسامةٍ عريضة.
“في الماضي، كنّا نعاني للحصول على الطحين،
أمّا الآن، فبفضلِ المحجر، ازدهرتِ التجارة، وأصبحتِ الموادُّ متوفّرة.
كما أنّ أحوالَ الناسِ المادّيّة تحسّنت، فأصبحوا يشترون الخبزَ بكثرة.”
“محجر؟”
“آه، ألستم تعلمُ؟ المحجرُ الجديد في الشمال!
سمعتُ أنّ الرخامَ المستخرج منه يُباع حتّى في العاصمة الإمبراطوريّة.
وبفضله تحسّنَ اقتصادُ الشمال كثيرًا!”
كان صاحبُ المخبز فخورًا.
أومأَ تشايس برأسه واشترى رغيفًا.
كان دافئًا وطريًّا.
وبالفعل، تذكّر أنّه سمعَ أنّ رخامَ الشمال جيّدُ النوعيّة ورخيص.
عادتْ إلى ذهنِه أحاديثُ مأدبةِ الأمس.
كانوا قد ذكروا أنّ المشروع بدأ بتخطيطٍ من رويلا.
تابعَ تشايس سيرَه في البلدة وهو يأكلُ الخبز.
كان يبدو كمتسكّعٍ حرّ، وذلك الانسجامُ كان لافتًا.
في أحدِ أطرافِ الساحة، كان هناك سوقٌ مفتوح.
بضائعُ متنوّعة، وحركةُ بيعٍ نشطة.
‘هذه الوفرة…؟’
كان الشمالُ منطقةً باردة، يصعبُ فيها الزراعة، وكانت التجارةُ دائمًا شحيحة.
لكنّ هذا السوقَ كان يعجُّ بالحياة.
“عذرًا.”
سألَ تشايس أحدَ التجّار.
“من أين تأتونَ بهذه البضائع؟”
“آه، في هذه الأيّام أصبحتِ طرقُ التجارة منظّمة، فتصلُنا البضائعُ من الجنوب بسهولة.
الدوقُ كريستَن أصلحَ الطرق، وثبّتَ الأمن، فأصبح التجّارُ يأتون دونَ خوف.”
“هل تقصدُ أنّ الأمن تحسّن؟”
“بالطبع!
في السابق، كان اللصوصُ منتشرين، وكان التجّار يخافون المجيءَ.
أمّا الآن، ففرسانُ الدوقيّة يقومون بدوريّاتٍ مستمرّة، فأصبح الأمرُ آمنًا!”
قالَ التاجرُ رافعًا إبهامَه.
‘انظر إلى هذا.’
لم يستطع تشايس إخفاءَ دهشتِه.
إصلاحُ الطرق، تعزيزُ الأمن، تنشيطُ التجارة.
كلّ هذا تمَّ خلالَ فترةٍ قصيرة.
‘كريستَن…هل فعلَ كلَّ هذا حقًّا؟’
واصلَ تشايس جولتَه.
ورأى خلفَ الساحة مبنىً جديدًا، تعلوه لافتةٌ كتبَ عليها:
“مركزُ آكراسيا للسعادةِ والرعاية”.
“ما هذا؟”
“آه، ذاك؟ يُقال إنّه افتُتح حديثًا.
يمكنُ للناس تقديمُ شكاواهم هناك، ويتمُّ التعاملُ معها بسرعة، سواءٌ كانت ضرائب أو نزاعاتٍ على الأراضي.”
شرحَ الخادم.
توجّهَ تشايس نحو المبنى.
أمامَ مدخلِ مركزِ السعادة، كان الناسُ يصطفّون في طابور.
بدوا راضين.
“الشخصُ التالي!”
نادَى الموظّفُ من خلفِ الشباك بصوتٍ مشرق.
نظرَ تشايس عبرَ النافذة.
مكتبٌ منظّم، موظّفون ودودون، ملفاتٌ مرتّبة بدقّة.
كان من الواضح أنّ العملَ يسيرُ بكفاءةٍ عالية.
تساءلَ إن كانت العائلةُ الإمبراطوريّة قادرةً على هذا المستوى من التنظيم.
بل ربّما كان هذا المكانُ أكثرَ كفاءةً من العاصمة نفسها.
“والسكّانُ راضون أيضًا…”
ظلَّت كلماتُ رويلا تتردّدُ في ذهنِه.
اقتربَ تشايس من رجلٍ مسنّ.
“عذرًا، يا عمّ، هل لي أن أسألك سؤالًا؟”
“تفضّل.”
“كيف تجدُ العيشَ في هذا الشمال؟
هل أنتَ راضٍ؟”
ابتسمَ العجوزُ ابتسامةً عريضة.
لم يسأل لماذا هذا السؤال.
بل ضربَ صدرَه بكفّه، وقال بفخر:
“راضٍ وأكثر. في السابق، كنّا نعاني لنعيش،
أمّا الآن فالأمورُ أفضل بكثير.
الدوقُ عدّلَ الضرائب بعدل، وخلقَ الكثيرَ من فرصِ العمل.
ابني كان طريحَ الفراش طوالَ حياته، أمّا الآن فقد أصبح يعمل!
وهذا الثوبُ، ابني هو من اشتراه لي.”
“فرصُ عمل؟”
“كثيرون يعملون في المحاجر، وآخرون في مشاريعِ الطرق، وغيرهم في مركزِ السعادة…
أصبح للشبابِ أماكنُ كثيرة للعمل. لذلك لم يعودوا يغادرون الشمال، بل إنّ من رحلَ منهم بدأ يعود.
ابني يعمل الآن في المحجر.”
كان الرضا يملأُ وجهَ العجوز.
التعليقات لهذا الفصل " 39"