قد تكونُ هذه فرصةً.
كان مقهى ساحةِ القرية يعجُّ بأهلِ الشمال.
ارتديتُ فستانًا بسيطًا أعدّتْه لي السيّدةُ روزيت، وشددتُ القلنسوةَ على رأسي.
كانت السيّدةُ روزيت قد أرسلت فارسًا خفيةً للحراسة، كما أنّ هيوتان، الذي كان في إجازةٍ اليوم، رافقني.
“حقًّا، مضى وقتٌ طويل منذُ آخر مرّةٍ التقينا فيها هكذا.”
قالَ هيوتان بأسفٍ خفيف.
“لا مفرّ، فالزوّار توافدوا في الآونةِ الأخيرة… وكنتُ مشغولة.
كيف كانت أحوالُك خلالَ هذه الفترة؟”
تبادلنا حديثًا خفيفًا داخلَ العربة.
“أظنّ أنّ أيّامي لم تكن جيّدة لأنّي لم أرَ الآنسةَ رويلا.”
قالَ هيوتان مازحًا.
غمزَ بعينِه بخفّة، وملامحُه هادئة.
إنّه وسيمٌ حقًّا.
ما بالُ جميعِ من في هذا العالمِ وسيمين إلى هذا الحدّ؟
“كُفَّ عن المزاح.”
“هاها، صحيح، أمزح فقط.
آه، لكن… هل أنتِ بخير؟
لا أعرف تفاصيلَ ما يجري في القصرِ الداخليّ، لكنّي سمعتُ أنّ مُرشّحةً جديدةً ظهرت.
لذلك ازددتُ قلقًا عليكِ، الآنسةَ رويلا.”
“نعم، لا بأس.
ما زلتُ أعملُ هكذا، كما ترى.”
وبينما كنّا نتبادلُ هذا الحديثَ البسيط، وصلنا إلى وجهتنا.
تلاقتْ أعينُنا، ثمّ نزلنا من العربة معًا.
جلسَ هيوتان في مكانٍ يبعدُ قليلًا ليراقبَ الوضع.
هذا يبعثُ على الاطمئنان، على الأقلّ.
* * *
في ركنٍ داخليٍّ من المقهى، كان رينترو جالسًا.
كان هيوتان قد دخلَ المقهى قبلي وجلسَ في مكانٍ يبعدُ قليلًا عنه.
وبعدَ فترةٍ قصيرة، دخلتُ أنا أيضًا.
ما إن رآني حتّى ارتسمتْ على وجهِه ابتسامةٌ زيتيّة، ولوّحَ لي بيده.
“آه، الآنسةُ رويلا. شكرًا لقدومكِ. تفضّلي بالجلوس.”
جلستُ بحذر.
عرضَ عليَّ رينترو الشاي، لكنّي هززتُ رأسي نافيةً.
“لأيّ سببٍ استدعيتَني؟”
“آه، لا داعيَ لكلّ هذا الحذر.
كلّ ما في الأمر أنّني رغبتُ في التحدّث مع الآنسةِ رويلا.”
“…معي أنا؟”
“نعم. ألا تجدين نفسكِ الآن في موقفٍ صعب؟”
يا له من سوءِ فهم.
هل أبدو وكأنّي في مأزق؟
يبدو أنّه لم يُكلّف نفسَه عناءَ التحقّق من وضعي أصلًا.
مالَ رينترو بجسدِه إلى الأمام، وهمسَ بصوتٍ منخفض:
“سمعتُ أنّ مُرشّحةً جديدةً ظهرت.
اسمُها إليشا، أليس كذلك؟
يُقال إنّ نسبةَ توافقِها أعلى من نسبتِك.
إذًا، الآنسةُ رويلا الآن….”
“نعم، فقدتُ موقعي.”
سايرتُه قليلًا، متظاهرةً بالأسف عمّا خسرتُه.
لا أدري إن كنتُ أؤدّي دوري بإتقان،
لكن يبدو أنّ رينترو لم يهتمّ بذلك أصلًا.
قالَ رينترو بفرحٍ واضح:
“يا للأسف، يا للأسف.
أمرٌ يبعثُ على الشفقة حقًّا.
كريستَن لديه هذا الجانب، كما تعلمين.
إنّه لا يرحم.”
ارتسمتْ على وجهِ رينترو ملامحُ الرضا.
“وماذا سيحدثُ لكِ الآن، يا آنسةُ رويلا؟
سيتزعزعُ موقعُكِ في القصرِ الدوقيّ. وربّما تُطرَدين في النهاية. انظري إليَّ، حتّى أنا، رغمَ أنّني من الدمِ نفسه، طُرِدت.”
لأنّك ارتكبتَ الحماقات. كفَّ عن القمار على الأقلِ
كنتُ أعرفُ أنّه ما زال يتردّد على موائدِ القمار حتّى بعدَ مجيئه إلى الشمال.
تسك، تسك.
‘اهتمّ بنفسِك أوّلًا، من فضلك.’
ظللتُ أحدّق فيه بصمت.
واصلَ رينترو حديثَه:
“لكن هناكَ طريقة.”
“…طريقة؟”
“ماذا لو اختفى الدوقُ كريستَن؟
سيحتاجون إلى دوقٍ جديد، أليس كذلك؟
وعندها ستتحرّرين أنتِ. سأساعدكِ.
سأضمنُ لكِ مالًا كافيًا، وأجعلُكِ تغادرين الشمالَ بأمان.”
كما توقّعتُ تمامًا.
كان رينترو، كما في الروايةِ الأصليّة، يعرضُ عليَّ تسميمَ كريستَن.
رفعتُ رأسي ببطء ونظرتُ إلى رينترو مباشرةً.
“إذًا، ماذا تريدُ منّي أن أفعل؟”
لمعتْ عينا رينترو.
“الأمرُ بسيط. كلّ ما عليكِ هو… أن تضعي هذا في طعامِ الدوقِ كريستَن.”
أخرجَ قارورةً زجاجيّةً صغيرةً تحتوي على سائلٍ شفاف، ووضعها على الطاولة.
“هذا سمٌّ بلا لونٍ ولا رائحة. قطرةٌ واحدةٌ تكفي.
يمكنُ التستّرُ عليه كأنّه تسمّمٌ سحريّ، ولن يشكَّ أحد.”
حدّقتُ في القارورة بصمت.
في الروايةِ الأصليّة، كانت رويلا تلتقطُ القارورة دونَ تردّد.
كانت محاصَرةً، وتظنّ أنّه لا خيارَ آخرَ أمامها.
لكنّي كنتُ مختلفة.
كنتُ أحبُّ العملَ مع كريستَن، بل وكنتُ أتمنّى له طولَ العمرِ والصحّة.
سمّ؟ هذا غيرُ وارد.
ومع ذلك، بما أنّني جئتُ إلى هنا، قرّرتُ مواصلةَ استدراجِ رينترو.
“لديّ سؤالٌ واحد.”
“ما هو؟”
“لماذا تقدّمُ لي هذا العرض؟
هناكَ كثيرون غيري يمكنهم القيامُ بهذا النوعِ من الأمور.”
ابتسمَ رينترو ابتسامةً ساخرة.
“لأنّكِ الهدفُ الأسهل. موقعُكِ غيرُ مستقرّ، وتحتاجين إلى المال، وقبلَ كلّ شيء….”
لم يُحاول حتى التلميح.
يا لهذا الوقح.
إنّه يستخفُّ بي تمامًا.
مالَ أكثرَ وهمس:
“الآنسةُ رويلا تستطيعُ الدخولَ إلى غرفةِ نومِ كريستَن، أليس كذلك؟ إنّكِ في موقعٍ مثاليّ.”
أومأتُ برأسي.
إذًا فهو يختارُ أمثالَ هؤلاء عمدًا ويقتربُ منهم.
يجبُ الحذر.
“وماذا لو رفضتُ؟”
“…ماذا قلتِ؟”
“أعني، ماذا ستفعلُ إن رفضتُ هذا العرض؟”
في تلك اللحظة، تصلّبَ وجهُ رينترو.
“الآنسةُ رويلا، هل تمزحين الآن؟”
“كنتُ فقط فضوليّة.
لا تقلق. لا أنوي الرفض.”
ما إن رآني أمسكُ بالقارورة حتّى عادتْ تلك الابتسامةُ الدهنيّة إلى وجهِه.
ابتسمتُ له في المقابل.
نعم، اضحكْ كما تشاء.
* * *
يبدو أنّ تدريبَ الفرسان قد انتهى،
فكان كريستَن في مكتبِه يراجعُ الوثائق.
حين دخلتُ على عجل، رفعَ رأسَه.
“الآنسةُ رويلا، قيل إنّكِ خرجتِ.”
“يا صاحبَ السموّ، لديّ أمرٌ أودّ إبلاغَكم به.”
نظرتُ إلى إليشا.
وبما أنّه تجرّأ على الاقتراب منّي هكذا، فمن المحتمل أن يقتربَ منها أيضًا.
كان حدسي يقولُ لي إنّ إليشا يجبُ ألّا تعرفَ بهذا الأمر.
وحين لاحظَ كريستَن نظراتي، أخرجَ إليشا من الغرفة.
سامحيني، يا بطلةَ الرواية.
“كنتُ في طريقي عائدةً من لقاءِ السيد رينترو، يا صاحبَ السموّ.”
أخذتُ نفسًا عميقًا، وتحدّثتُ بوضوح.
كنتُ أنوي إبلاغَه منذُ البداية.
فأيُّ خطأٍ قد يوقعني في سوءِ فهمٍ مع كريستَن،
وهذا أمرٌ مرفوضٌ تمامًا.
“السيرُ رينترو اقتربَ منّي، واقترحَ عليَّ تسميمَكَ.”
تحوّلتْ نظرةُ كريستَن إلى برودٍ قاتم.
وقفَ إيدن فجأةً من شدّةِ الصدمة، وفغرَ فاه غيرَ مصدّق.
أخرجتُ القارورةَ التي كنتُ أخفيها في جيبي، ووضعتُها على المكتب.
كانت القارورةَ ذاتَها التي سلّمني إيّاها رينترو.
طوالَ الطريق، كنتُ خائفةً من أن تنكسرَ داخلَ جيبي.
“ابنُ المجنونة!”
زَمجرَ إيدن بينَ أسنانه.
“هذا هو السمّ. قال إنّه بلا لونٍ ولا رائحة.”
أمسكَ كريستَن بالقارورة ورفعَها في مواجهةِ الضوء.
كان وجهُه بلا تعبير، لكنّ قبضتَه كانت مشدودةً بقوّة.
“تكلميَ بالتفصيل.”
نقلتُ حديثي مع رينترو منذُ البدايةِ حتّى النهاية، دونَ أن أُسقِطَ شيئًا.
استمعَ كريستَن وإيدن إليّ بصمت.
وبعدَ أن انتهيتُ، فتحَ كريستَن فمَه ببطء.
“أحسنتِ التصرّف، الآنسةُ رويلا.
إذًا، هل يظنُّ رينترو الآن أنّكِ تتعاونين معه؟”
“هذا ما أرجّحهُ.”
كان متهوّرًا وغبيًّا إلى حدٍّ لا يُصدَّق.
كان يثقُ بأنّي في صفّه دونَ أدنى شكّ.
“…لذلك، أفكّر في مواصلةِ التقرّب منه.”
“ماذا تعنين؟”
“رينترو يعتقدُ أنّني وافقتُ على التسميم.
فلمَ لا أتظاهرُ بقبولِ الأمر، ونستخرجُ منه مزيدًا من خططه؟”
كان ذلك احتمالًا واردًا جدًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 38"