منذ الليلة الأولى، لم يأتِ كريستن إلى غرفة النوم ولو مرّة واحدة.
كانت تجلس كلّ ليلةٍ على ذلك الكرسي، تنتظر أن يُفتح الباب.
لكنّ الباب لم يُفتح.
‘لماذا؟’
لم تستطع إليشا أن تفهم.
كانت هي صاحبةَ نسبةِ توافقٍ تبلغ 98%.
الشخصُ الوحيد القادر على شفاء كريستن شفاءً كاملًا.
لكن لماذا لا يبحث عنها كريستن؟
‘ما رأيتُه في الحلم لم يكن هكذا.’
تذكّرت إليشا حلمَها التنبّؤيّ.
كريستن وهو يمسك يدها ويشكرها.
صوته وهو يطلق عليها لقب “نور آكراسيا”.
وتلك اللحظة التي اعترف فيها بحبّه لها.
كان ذلك قدرَها.
مجدًا وسعادةً لا بدّ أن تنالهما إليشا.
لكنّ الواقع الآن كان مختلفًا عن الحلم.
كريستن لا ينظر إليها.
لا يريدها.
لا يأتي حتّى إلى غرفة النوم.
وكان ذلك دليلًا واضحًا على أنّ كريستن يرفض إليشا.
عضّت إليشا شفتها بقوّة، وقد غمرها شعورٌ بالإهانة.
كانت تكرّر فعلًا بلا معنى؛ تجلس هنا، ثمّ تعود إلى غرفتها عند بزوغ الفجر.
‘حسنًا، إن لم يأتِ الدوق، فأنا من سيذهب.’
نهضت إليشا من الكرسي.
لم يكن بوسعها الاكتفاء بالانتظار.
فإن فعلت، قد يهرب منها القدرُ الممنوح لها.
فتحت إليشا باب غرفة النوم بحذر، وخرجت إلى الممرّ.
كان قصرُ الدوق غارقًا في السكون.
لم تكن سوى بضع مصابيح تبعث ضوءًا خافتًا.
سارت إليشا ببطءٍ في الممرّ.
كانت تتوقّع أين يمكن أن يكون كريستن.
فقد سمعت الخادمات يتحدّثن عن أنّه يعمل حتّى وقتٍ متأخّر من الليل.
يعمل طوال الليل في المكتب؟
كان اجتهادُ كريستن يستحقّ علامةً عالية.
ومن المؤكّد أنّه سيكون في مكتبه الآن أيضًا.
تابعت إليشا سيرها ببطء، تلمس جدار الممرّ بيدها.
لم تتلقَّ توجيهًا رسميًّا، لكنّها خلال النهار تعرّفت على أماكن القصر تقريبًا.
وعند نهاية الممرّ، توقّفت.
كان الضوء يتسرّب من شقّ باب المكتب.
وكان الموقع مطابقًا تمامًا لما حدّدته إليشا في فترة الظهيرة.
ثمّ…
سمعت صوتَ ضحكٍ من الداخل.
ضحكةُ امرأة.
تجمّدت قدما إليشا في مكانهما.
اقتربت بحذر من الباب، ونظرت إلى الداخل من خلال الشقّ.
كانا كريستن ورويلا.
كانا يجلسان متقابلين وبينهما مكتب.
أكوامُ أوراق، كؤوسُ بيرة، ووجباتٌ خفيفة مبعثرة هنا وهناك.
مشهدٌ مألوف على نحوٍ مزعج.
كانت رويلا تشرح شيئًا، وقد نشرت خريطةً وأشارت إلى عدّة أماكن بإصبعها.
وكان كريستن…
يبتسم.
ملامحه وهو يتكئ على ذقنه، يتابع رويلا بعينيه، كانت ودودة.
مختلف تمامًا عمّا كان يُظهره لإليشا.
عيناه تتلألآن كأنّ النجوم منقوشة فيهما،
وشفتاه المبتسمتان ترسمان قوسًا ناعمًا.
كان الدفء يملأ ملامحه كلّها.
كان يصغي إلى ثرثرة رويلا، يجيبها أحيانًا، ويشير إلى الخريطة معها.
وروِيلا كانت تهزّ رأسها وهي تستمع إليه.
كان التقارب بينهما كبيرًا جدًّا.
حميميًّا أكثر ممّا ينبغي.
شعرت إليشا وكأنّ أنفاسها انقطعت.
ذلك التعبير.
تلك النظرة اللطيفة.
تلك الابتسامة المريحة.
كلّها أشياء لم يُظهرها كريستن لها ولو مرّة واحدة.
“إذًا، لنرتّب الأولويّات بهذا الشكل. بما أنّنا سنعمل على الطرق الخارجة، فلنبدأ بما يفيدنا أكثر. الحبوب القادمة من الجنوب مهمّة لنا، أليس كذلك؟ هنا، وهنا؟”
وصل صوت رويلا الواضح.
لم تستطع إليشا فهم ما تتحدّث عنه.
في الأحياء الفقيرة، كان الهمّ هو البقاء ليومٍ واحد.
لم يكن هناك متّسع لتعلّم ما تقوله رويلا.
في تلك الأوقات، تعلّمت إليشا كيف تُسقط رجلًا أكبر منها،
وكيف توجّه ضربةً إلى صدر رجلٍ أقوى منها،
وكيف تسرق المال خِفيةً، وكيف تنشل الجيوب.
كانت مهاراتٍ أساسيّة للبقاء هناك.
وبفضلها، وصلت إليشا إلى هذا المكان.
لكنّ ما كانت تفخر به، لم يكن شيئًا يمكن ذكره هنا.
قصصها لم تكن سوى نكاتٍ رخيصة.
لم يكن لدى إليشا ما تقوله لكريستن.
بينما كانت رويلا تفهم حديثه، وتجعله يفهمها.
أومأ كريستن برأسه.
“فكرةٌ جيّدة. تابعي.”
كانت عينا كريستن مغمورتين بالدفء، وارتسمت ابتسامةٌ خفيفة وهو ينظر إلى رويلا.
استمرّ حديثهما.
كان طبيعيًّا، مريحًا، وقريبًا جدًّا.
ابتلعت إليشا ريقها.
شعرت وكأنّها تبتلع جمرةً مشتعلة.
كان حلقها يتمزّق ويحترق.
وقفت إليشا عند شقّ الباب تراقب المشهد.
“آه، سموّ الدوق. انظر إلى هذا.”
رفعت رويلا إحدى الوثائق.
“هذا تقريرُ الأرباح الأولى للمحجر، وقد تجاوز التوقّعات بنسبة 20%! بهذا المعدّل، في الربع القادم…”
التعليقات لهذا الفصل " 30"