اللّيلة الأولى.
كانت إليشا جالسةً على ذلك الكرسيّ الذي اعتادت رويلا الجلوس عليه.
كان كريستن مستلقيًا على السّرير، يُحدّق في السّقف.
مع أنّه نفس الكرسيّ، ونفس المكان، ونفس التّوقيت، إلّا أنّ كلّ شيء بدا غريبًا.
لا بدّ أنّ السّبب هو الشّخص الذي يُشاركه هذا المكان.
إليشا.
قيل إنّها جاءت مِن الأحياء الفقيرة.
حتّى أنفاس المرأة نفسها بدت غريبة عليه.
كانت إليشا تضمّ يديها فوق ركبتيها بقلق، وملامح التّوتّر واضحة على وجهها.
راحت عيناها الخضراوان الفاتحتان تتفحّصان كريستن بحذر.
حتّى ذلك كان مختلفًا عن رويلا.
رويلا، منذ اليوم الأوّل، كانت تنغمس في ذلك الكرسيّ بملامحٍ سعيدة.
ثمّ ترفع قدميها على المسند وتتمتم بأنّه الجنّة.
تذكّر كريستن تلك اللّحظة، فبدت له سخيفةً وغريبة في آنٍ واحد.
كانت رويلا جريئة، لا تخاف شيئًا، ومباشرة بلا تردّد.
ابتسم كريستن ابتسامةً خفيفة وهو يتذكّر رويلا.
وعند تلك الابتسامة، تشجّعت إليشا.
“يا سموّ الدوق.”
فتحت إليشا فمها بحذر.
“هل…… هل يُمكنني أن أمسكَ يدك؟”
أومأ كريستن برأسه إيماءةً قصيرة.
كان يعلم أنّ هذا أمرٌ لا بدّ منه.
ومع ذلك، لم يفهم لماذا يشعر بهذا التّردّد.
مدّت إليشا يدها بحذر.
وصل ارتجاف يدها النّحيلة والباردة إلى كريستن أيضًا.
مختلفة.
كانت يد رويلا أصغر من هذه.
وكانت حرارة جسدها أعلى.
كانت تمسك يد كريستن بلا أيّ حرج، وتعبث بها هنا وهناك.
تقارن طول الأصابع، وتربّت على راحة اليد.
“يبدو أنّ يد سموّ الدوق كبيرة فعلًا.
واو، أصابعي نصف طولها تقريبًا.
أعطني قليلًا منها.”
كانت تقول مثل هذه الكلمات بلا تردّد.
وأحيانًا، كانت تمسك يده بكلتا يديها وتفرك خدّها بها قبل أن تغفو.
في البداية، ارتبك كريستن من تلك التصرّفات الوقحة.
لكنّه اعتادها مع الوقت،بل وأصبح ينتظرها.
كان يتساءل:
‘بأيّ طريقة ستُربكني رويلا اليوم؟’
“سـ، سموّ الدوق…….”
وصل إليه صوت إليشا المرتجف.
أدار كريستن رأسه ونظر إليها.
كانت تحدّق به ودموعها معلّقة عند أطراف عينيها، وملامح الامتنان تغمر وجهها.
“أن أستطيع…… مساعدتك حقًّا، يا سموّ الدوق.
يبدو الأمر كأنّه حلم.”
بدت مشاعرها صادقة. لكنّ كريستن، رغم ذلك.
أدار رأسه دون وعي. شعر بأنّ صدق إليشا ثقيل عليه.
وكانت دموعها التي لا يعرف سببها تُشعره بالنّفور.
حبس كريستن زفيره، ثمّ نهض متجهّمًا وهو يُشيح بوجهه عنها.
لم يكن جسده قد تعافى بالكامل بعد.
عندما انفصلت يد إليشا عنه، بدأت الطّاقة السّحريّة التي كانت تغادر جسده تتكثّف من جديد داخله.
مرّر كريستن يده في شعره.
“الآنسة إليشا.”
“نعم، سموّ الدوق.”
“لنكتفِ بهذا اليوم.”
اتّسعت عينا إليشا.
“نـ، نعم؟ لكن…….”
“لن يتأخّر الأمر إن بدأنا غدًا.
وتذكّرتُ أنّ لديّ عملًا متبقّيًا.”
كان صوت كريستن أبرد من المعتاد.
عضّت إليشا شفتها بارتباك.
لكنّها لم تجرؤ على الإمساك به.
نهضت بهدوء، وانحنت.
“إذًا…… أراك غدًا، سموّ الدوق.”
“نعم.”
غادرت إليشا غرفة النّوم.
أُغلِق الباب، وعاد السّكون.
حين كانت رويلا هنا، كان المكان دائمًا مليئًا بالحركة.
كانت تفعل شيئًا باستمرار.
تدندن أحيانًا، وأحيانًا تشخر وهي نائمة.
لم يشعر كريستن يومًا أنّ تلك الأصوات مزعجة.
بل على العكس، كان سعيدًا بامتلاء الغرفة بها.
كانت تُدفئ هذا المكان الكبير والبارد.
أمّا الآن، فقد امتلأت غرفة النّوم بالبرودة، فقط لأنّ رويلا غير موجودة.
ذلك الفرق كان يضرب قلب كريستن بقسوة.
تنفّس كريستن بعمق.
كان صدره ضيّقًا. وليس بسبب الطّاقة السّحريّة.
فعندما أمسكت إليشا بيده، خرجت الطّاقة فعلًا.
لم تكن نسبة 98% كذبًا.
لكنّه شعر وكأنّ غرفة نومه قد انتُهِكت.
كأنّ دخيلًا دخل إلى المساحة التي تخصّه هو ورويلا ثمّ غادر.
حدّق كريستن في الكرسيّ الذي كانت رويلا تجلس عليه دائمًا.
كانت إليشا قد جلست في نفس المكان.
وذلك أزعجه بشدّة.
‘كانت تُحبّ ذلك الكرسيّ فعلًا.’
تمتم كريستن بشتيمةٍ خافتة.
لم يكن معتادًا على أن يتصرّف بهذه الطّريقة غير المفهومة.
وفي النّهاية، غادر غرفة النّوم.
دوّت خطوات كريستن في الممرّ.
اتّجهت قدماه نحو مكتب العمل.
بدا أنّ النّوم لن يأتيه هذه اللّيلة، فقرّر العمل.
تمامًا كما قال لإليشا.
توقّف كريستن أمام باب المكتب.
كان ضوءٌ خافت يتسرّب من الشّقّ.
يبدو أنّ أحدهم ما زال يعمل.
نظر من خلال الفتحة، فرأى رويلا تتحرّك بنشاط وهي تُنجز شيئًا ما.
حدّق كريستن في حركة أصابعها دون وعي.
كانت تلك إحدى عادتها عندما تُركّز.
أمسك كريستن بمقبض الباب.
لكنّه شعر فجأةً بأنّه لا يريد إزعاج رويلا.
ترك المقبض، وأسند جسده إلى الحائط بجانب الباب.
وأصغى بهدوء.
وصل إليه صوت تقلّب الأوراق.
ومعه همهمة رويلا الخافتة.
“هذا الجزء…… نضع له إشارة هنا…….
آه، هذا يجب أن يراجعه إيدن…….”
صوتها الصّغير والنّاعم. صوت رويلا.
تبدّد انزعاج كريستن دفعةً واحدة.
أغمض كريستن عينيه.
مجرد سماع ذلك الصّوت جعله يشعر براحةٍ طفيفة في صدره.
لا يعرف كم من الوقت وقف هناك.
وفجأة، فُتح الباب.
“أه……؟”
فتحت رويلا عينيها بدهشة عندما رأت كريستن أمامها.
“سـ-سموّ الدوق؟”
فتح كريستن عينيه ببطء.
كانت رويلا تنظر إليه بملامح مصدومة.
“في هذا الوقت؟ لماذا……؟
وأين الآنسة إليشا؟
ألم تنم؟ ولِمَ تقف هنا بدلًا من الدّخول؟”
لم يُجب كريستن.
اكتفى بالنّظر إلى رويلا بصمت.
شعرها المبعثر قليلًا.
عيناها المحمرّتان من كثرة القراءة.
أصابعها الملطّخة بالحبر.
تفاصيل صغيرة ومألوفة.
كانت هذه هي رويلا دائمًا.
“سموّ الدوق……؟”
نادتْه بقلق.
عندها فقط، تكلّم كريستن.
“……أليس بإمكانكِ تأجيل العمل إلى الغد؟
لماذا لم تنامي بعد؟”
“لم يأتِني النّعاس. فقلتُ إنّ العمل قد يُساعدني على النّوم.”
في الحقيقة، كانت رويلا تفكّر في كريستن أيضًا.
غيابه ليلًا بدا غريبًا وغير مألوف.
وكانت تشعر بالملل.
كانت، حين لا يأتيها النّوم، تُلحّ عليه لتناول وجبةٍ ليليّة.
لكنّ ذلك لم يعد ممكنًا.
“همم.”
دارت عينا رويلا في مكانهما.
ثمّ ابتسمت ابتسامةً مشرقة وقالت:
“إن كان لديك عمل أيضًا، لِمَ لا نعمل معًا؟
ويبدو أنّني جائعة قليلًا.”
هزّت رويلا كتفيها.
“ما رأيك بوجبةٍ خفيفة؟
العمل اللّيلي لا يكتمل دونها.”
ضحك كريستن دون أن يشعر.
“حسنًا.”
“تفضّل بالدّخول، سموّ الدوق!”
شعر كريستن أنّ مكتب العمل الذي ترحّب به رويلا أدفأ من غرفة النّوم.
كأنّه عاد إلى مكانه الحقيقيّ.
كان الأمر غريبًا فعلًا.
التعليقات لهذا الفصل " 27"