السّاعة الثالثة عصرًا.
دخلت السّيّدة روزيت مسرعةً إلى مكتب العمل.
“يا سموّ الدوق، إيدن، والآنسة رويلا.”
كان صوتها يرتجف قليلًا أكثر من المعتاد، وارتسم القلق في عينيها المُتجعّدتين.
يبدو أنّ النّتيجة قد صدرت.
في كلّ الأحوال، كانت النّتيجة متوقّعة.
فقد ذُكِر في العمل الأصلي أنّ إليشا تُظهر نسبة توافق تبلغ 98%.
وبفضل ذلك، سيُشفى مرض كريستن.
يا له من أمرٍ باعث على الارتياح.
لم يكن هناك ما يدعو للتوتّر أصلًا.
فلن يتمّ طردي من هنا على أيّ حال.
“لقد صدرت النّتيجة.”
ومع ذلك، في اللّحظة التي قيلت فيها تلك الكلمات، تجمّد هواء المكتب.
قبض إيدن على حافة المكتب. لماذا أتوتر هكذا بلا داعٍ؟
بينما كان الجميع متوتّرًا، واصلتُ أنا ترتيب الأوراق كالمعتاد.
آه، هنا خطأ مطبعي.
سأعيد كتابته لاحقًا. ألا يوجد شريط تصحيح؟
لا يمكنني أن أطلب صنعه، أليس كذلك؟
“نسبة توافق الآنسة إليشا هي…….”
أخذت السّيّدة روزيت نفسًا عميقًا.
“ثمانيةٌ وتسعون بالمئة.”
ساد صمتٌ قصير داخل المكتب.
شحُب وجه إيدن.
كما توقّعت.
تمامًا كما في العمل الأصلي. هززتُ رأسي موافقةً.
قالت السّيّدة روزيت بصوتٍ مرتجف:
“في تاريخ عائلة آكراسيا، ومنذ إدخال اختبار التوافق……
لم يتجاوز حاجز 95% سوى ثلاثة أشخاص فقط.
أمّا نسبة 98%…… فهي الأولى من نوعها.
تهانينا، يا سموّ الدوق.”
نعم، هذا حقًّا أمر يستحقّ التهنئة.
كم عانى كريستن من ذلك المرض.
كان يتقيّأ دمًا، ويسقط مغشيًّا عليه، ويعجز أحيانًا عن التّنفس من شدّة الألم.
كنتُ أعرف كلّ ذلك لأنني قرأت العمل الأصلي.
لقد رأيت تلك المعاناة كلّها.
ولهذا أظنّني أفهم شعور كريستن الآن.
لا بدّ أنّه سعيد. كأنّه يطير في السّماء.
“تهانينا، يا سموّ الدوق.”
نظر إليّ كريستن مباشرةً.
“ثمانيةٌ وتسعون بالمئة.
الآنسة إليشا، هذا مذهل حقًّا.
إذًا يمكننا الآن علاج سموّ الدوق بالكامل.
يا له من أمرٍ مفرح. مباركٌ من القلب.
لقد زال همٌّ كبير.”
الآن، سيبدأ تسارع الأحداث وفق مجرى العمل الأصلي.
بفضل إليشا، سيتعافى كريستن تمامًا، ويُصلح شؤون الشمال، ويطبّق سياسات جيّدة، ويكسب ثقة النّاس.
سيبني سمعته كسيّدٍ للشمال، ويتعامل بحكمة مع العائلة الإمبراطوريّة، ويتخلّص من خونة الشمال أيضًا.
بالطبع، ستحدث العديد من الأحداث الجانبيّة بين ذلك.
لكن على أيّ حال، لقد انطلقت أولى خطوات النّهاية السّعيدة.
“والآن، سيُمكنكَ العمل براحة بال.
هناك الكثير من العمل بانتظارنا.
علينا الاستعداد لاجتماع الأسبوع القادم،
ومع بدء مشروع المحاجر بجدّيّة، ستتضاعف الأعمال الورقيّة.”
حسنًا، قد أفتقد قليلًا كرسيّ السّعادة في غرفة نوم كريستن، والوجبات الليليّة التي كنّا نتناولها معًا.
“أين الآنسة إليشا؟”
سأل كريستن السّيّدة روزيت بصوتٍ منخفض.
“إنّها تستريح مع كهنة المعبد.
يبدو أنّ الفحص استهلك الكثير من طاقتها.
ستتمكّن من لقائها في غرفة النوم هذه الليلة.”
“أحسنتِ.”
انحنت السّيّدة روزيت باحترام.
وعندما همّت بالمغادرة، فتح كريستن فمه من جديد.
حسنًا، من الآن فصاعدًا، سأترك مسألة النوم ليلًا ومسك الأيدي لإليشا،
وسأتكفّل أنا بتسيير هذا القصر نهارًا كما ينبغي.
وهذا كافٍ لدوري.
لكن عليّ أن أُتقنه أكثر من ذي قبل.
يجب أن أُثبت مدى نفعِي بلا حدود.
مؤسفٌ فقدان ذلك المنصب المريح،
لكنني سأعوّضه بالتفوّق في هذا الموقع.
هيا هيا، لنقاتل كموظّفين!
* * *
فُتح باب غرفة نوم الدوق.
كانت السّيّدة روزيت تراقب إليشا بوجهٍ صارم.
طوال الطريق إلى هنا، كانت قد أمطرتها بالتّحذيرات.
لا تصعدي إلى سرير الدوق.
لا تفعلي أيّ شيء خارج ما يُطلب منكِ.
لا تقومي بأيّ تصرّف دون أوامر الدوق.
وغير ذلك الكثير.
ببساطة، كانت قائمة الممنوعات لا تنتهي.
‘لو أصبحتُ دوقةً فقط.’
عندها، ستنحني تلك الخادمة المتغطرسة أمام إليشا.
لم تكن تتمنّى سوى أن يأتي ذلك اليوم سريعًا.
دخلت إليشا الغرفة ببطء، ببطءٍ شديد.
كان قلبها يخفق بجنون.
‘هنا. هنا بالضبط.’
كانت هذه هي الغرفة التي رأتها في الحلم.
النّافذة العملاقة، والسّقف المقبّب العالي، والرّسومات الأسطوريّة على السّقف، والسّرير الضّخم أسفله.
والغطاء المطرّز بالفضّة، والكرسيّ الموضوع بجانب السّرير.
كلّ شيءٍ كان مطابقًا تمامًا.
شعرت إليشا مرّةً أخرى أنّ ذلك الحلم هو قدرها.
امتلأ صدرها بالعاطفة.
‘كان حقيقيًّا. حلمي كان حقيقيًّا!’
كادت الضّحكة تفلت من شفتيها.
هي، التي وُلدت في الأحياء الفقيرة، ونشأت بين الجوع والبرد.
هي، التي لم تكن شيئًا، ولم يُنطق اسمها بشكلٍ صحيح قطّ.
الآن، كانت تقف في غرفة نوم الدوق.
وفي المستقبل، ستصبح دوقة.
سيدة هذا الشمال.
في قلبها، بدا الأمر وكأنّ ذلك اليوم قد جاء بالفعل.
نسبة 98% أثبتت ذلك.
أثبتت أنّها شخصٌ مميّز.
حين رأت تلك النّسبة، كادت تصرخ من شدّة الفرح.
أغلقت السّيّدة روزيت الباب بهدوء وغادرت.
تقدّمت إليشا نحو المرآة.
وجهٌ نظيف، فستانٌ ناعم، وشعرٌ مصفّف بعناية.
كلّها أشياء نالتها منذ وصولها إلى هنا.
بدت صورتها في المرآة غريبة.
لم تعد تلك المرأة التي كانت ترتدي الخِرق وتعاني الهزال قبل أيّام فقط.
في المرآة، وقفت دوقة المستقبل.
‘أحبّكِ.’
رنّ همس كريستن في حلمها بوضوح في أذنيها.
صوته العميق، ويداه الكبيرتان اللّتان احتضنتا جسدها.
ذلك الامتلاء بالحبّ.
كلّها أشياء لم تحلم بها إليشا طوال حياتها.
جلست إليشا بحذر على الكرسيّ بجانب السّرير.
احتواها الوساد النّاعم.
‘على هذا الكرسيّ، سأمسك يد الدوق كريستن.’
ربّما سيتعرّف عليها كريستن فورًا.
شعرت أنّ قدرًا خاصًّا ينتظرها.
بهذه اليد، ستنقذ الدوق.وسيحبّها الدوق حتمًا.
احمرّ خدّا إليشا.
سيّد الشمال. و وريث قوّة التّنّين.
نبيل لا يجرؤ حتّى الإمبراطور على المساس به.
كلّ تلك الألقاب التي تصف كريستن، ستصبح من نصيبها أيضًا.
لم تصدّق ذلك.
الدوقة هي سيّدة هذا القصر.
تذكّرت كيف ابتسمت لها رويلا بحرارة عندما التقتا في الطّابق السّفلي.
قالت إنّها كانت تعمل كمتوافقة للدوق قبل ظهور إليشا.
“مرحبًا بكِ في هذا المكان، يا آنسة إليشا.”
بدا أنّ رويلا كانت سعيدة من قلبها.
شعرت إليشا بالحيرة.
كيف يمكن لشخصٍ سُلب مكانه أن يكون بهذه الطّمأنينة؟
في الأحياء الفقيرة، تعلّمت إليشا أنّ ما يُسلب منك يجب أن يُستعاد بأيّ وسيلة.
وهكذا عاشت دائمًا.
إن سُرق منها الخبز، خنقت السّارق لتستعيده.
وإن سُلب منها مكان النّوم، داست لتأخذه.
ولهذا لُقّبت داخل الأحياء الفقيرة بالمتوحّشة.
كان هناك أطفالٌ يرتجفون خوفًا منها.
بدت رويلا بعيدةً تمامًا عن هذا النّوع من الصّراعات.
“غبيّة.”
لكن، وما المشكلة؟
إن أصبحت تلك المرأة عائقًا، فإزالتها أمرٌ بسيط.
أرخت إليشا جسدها داخل الكرسيّ.
ذاب جسدها وقلبها في راحةٍ لم تختبرها من قبل.
همهمت إليشا بلحنٍ خافت.
إليشا الأحياء الفقيرة لم تعد موجودة.
التعليقات لهذا الفصل " 26"